قال: وإذا حاصر المسلمون مدينةً من مدائن أهل الحرب، أو حصنًا من حصونهم، فدعوا المسلمين أن ينزلوهم (^١) على أن يحكموا فيهم بحكم الله تعالى، فلا ينبغي لهم أن يُجيبوهم إلى ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، وقد بيّنا هذه المسألة واختلاف أبي يوسف ومحمدٍ فيها.
فإن أجابوهم إلى ذلك، فإنّ خلف بن أيوب، وبشر بن الوليد رويا عن أبي يوسف: أنّ الحكم فيهم إلى الإمام، يتخيّر أفضل ذلك للدين والإسلام، فإن رأى قتلهم وسبي الذراري أفضل، أمضى ذلك فيهم على حكم سعد بن معاذ، فإن رأى أن يجعلهم ذمّةً يؤدّون الخراج، ورأى ذلك أفضل للدين والإسلام، وأحسن في توفير الفيء الذي يتقوّى به المسلمون عليهم وعلى غيرهم، فذلك إليه، وهذا جائزٌ.
فإن أسلموا قبل أن يمضي الحكم، فهم مسلمون أحرارٌ، وإن دعاهم إلى الإسلام قبل أن يحكم بواحدٍ من الوجوه، فأجابوا إلى الإسلام وأسلموا، فهم أحرارٌ، والأرض لهم، وكذلك إن صيّرهم ذمّةً، فالأرض لهم، ويضع عليهم الخراج.
فأمّا إذا أسلموا قبل أن يحكم فيهم، فهم مسلمون أحرارٌ، وأرضهم لهم وهي أرض عُشْرٍ.
_________________
(١) في ب (ينزلوا).
[ ٩ / ٥٢ ]
فإن أمضى الحكم بقتلهم وسبي الذراري، فلم يُقتَلوا حتى أسلموا، فهم فيءٌ مع ذراريهم لا يُقْتَلُون، وإن لم يسلموا حتى قتلوا وسبيت الذراري، فالأرض فيء: إن شاء الإمام: قسمها (^١) وخمسها، وإن شاء تركها على حالها، أو دعا إليها من يعمرها ويؤدي خراجها، كما يعمل في معطّل أرض الذمة ممّا لا ربّ له.
والأصل في هذا: أنّ إنزالهم على حكم الله جائزٌ عند أبي يوسف، والحكم في الكفّار: القتل والاسترقاق، أو وضع الجزية، فكان الإمام مخيّرًا فيه، يحكم فيه بما هو أنفع للمسلمين وأصلح، فإذا أسلموا قبل أن يحكم فهم أحرارٌ، وأرضهم أرض عُشْرٍ؛ لأنهم أسلموا قبل القهر، ألا ترى أنّ نزولهم على الحكم [صلحٌ] (^٢)، وليس بغلبةٍ، فصاروا كمن أسلم قبل القدرة عليه، فأرضه أرض عشرٍ.
وأمّا إذا أمضى الإمام الحكم بالقتل وسبي الذراري (^٣)، فأسلموا، فهم فيءٌ؛ لأنّ الإسلام حصل بعد ثبوت الاسترقاق، فلا يسقط الاسترقاق وإن سقط القتل، كما لو أسلموا بعد الغلبة.
وأمّا إذا قتلهم الإمام، فهو مخيّرٌ في الأرض، كما يخيّر في الأرض المغنومة: إن شاء قسمها، وإن شاء وضع عليها الخراج.
قال محمدٌ في السِّيَر الكبير: إذا أنزلوهم على حكم الله تعالى (^٤)، فصاروا
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في أ (أصلح)، والمثبت من ب.
(٣) في ب (أو السبي للذراري).
(٤) في ب (على حكمه).
[ ٩ / ٥٣ ]
في أيدي المسلمين، فينبغي للإمام أن يعرض عليهم الإسلام، فإن أجابوا كانوا أحرارًا، كأحرار المسلمين، لا سبيل عليهم، وسلّم الأمير لهم أموالهم وذراريهم ونساءهم، وتصير دارهم دار الإسلام، ويكون في أرضهم العشر، وهذا على ما قدّمنا؛ لأنّهم أسلموا قبل القهر والغلبة.
قال: وإن أبَو الإسلام، جُعِلوا ذمّةً وأجري عليهم وعلى أرضهم الخراج، ولا ينبغي أن يُستَرقّوا ولا يُقتَسموا ولا يُقتَلوا؛ وذلك لأنّ من أصله: أنّ الإنزال على حكمه لا يجوز، فإذا فعله الإمام، ولم يسلموا، حكم فيهم بالأيسر والأسهل؛ لأنّه متيقّنٌ، ولم يحكم بالقتل ولا بالرّق؛ لأنّه الأغلظ والأصعب (^١).
(قال: فإن قالوا: ألحقونا بمأمننا) (^٢)، فلا حاجة لنا أن نكون ذمّةً، ولا ينبغي للمسلمين أن يفعلوا ذلك بهم؛ لأنّهم صاروا في أيدينا وتحت حكمنا، فلا يجوز أن نردّهم حربًا إذا لم يكن في ذلك خفر أمان؛ لأنّ هذا [من] حكمنا.
قال: فإن أنزلهم على حكم الله رجلٌ (^٣) مسلمٌ عدلٌ، فذلك جائزٌ، وما حكم فيهم من سبيٍ أو قتلٍ أو أخْذِ جزيةٍ، فهو جائزٌ في قولهم جميعًا؛ لأنّ (بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله، فقال لهم: "ألا ترضون أن يحكم فيكم رجلٌ منكم؟ " فقالوا: بلى، فحكم سعد بن معاذ، فرضوا بحكمه) (^٤)، فدلّ على أن تحكيم المسلم العدل جائزٌ.
_________________
(١) انظر: السير الكبير (مع شرح السرخسي) ٢/ ٥٨٧ - ٥٩٠.
(٢) ما بين القوسين في ب (فإن لحقوا بمأمنهم).
(٣) في ب (وإن نزلوا على حكم رجل).
(٤) رواه البخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (١٧٦٨).
[ ٩ / ٥٤ ]
قال: فإن نزلوا على حكم عبدٍ أو صبيٍّ أو امرأةٍ، أو على حكم ذمّيٍّ، فإنّ ذلك لا يجوز عند أبي يوسف [فإن] (^١) حكم العبد والمرأة بأنّهم ذمّةٌ، فقبلوا ذلك، أجزته بقبولهم، ليس من قِبَل حكم المرأة والعبد، وكذلك إذا حكم الذمّيّ.
وقال محمدٌ: إذا حكّموا عبدًا أو صبيًا حرًا، لم يجز حكمه، و[لم] يصيروا ذمّة (^٢).
وجملة هذا: أنّ عند أبي يوسف لا يجوز أن يحكم إلا ذَكرٌ من أهل الشهادة؛ لأنّ الفاسق والعبد والمحدود والصبيّ لا يجوز تحكيمهم في حقّ المتخاصمين، ففي حقّ جميع المسلمين أولى.
وأمّا المرأة؛ فلأنّ التحكيم ولاية في حراسة المسلمين والظفر بهم في أمر الحرب، فلا يتولاه امرأةٌ، كما لا تتولّى الإمارة؛ ولأنّ الحكم فيهم تارةً يقع بالقتل، وتارةً [يقع] بغيره، وقول المرأة في القتل لا يقبل، [فلا يجوز حكمها فيه كما لا تجوز شهادتها] (^٣)، فأمّا الذمّيّ، فلا يجوز أن يكون حاكمًا في حقوق المسلمين.
وأما محمدٌ فقال في تحكيم الصبيّ والعبد مثل ذلك؛ لأنّه لا قول لهما في أنفسهما، فلا ينفذ قولهما على غيرهما، وجوّز حكم الفاسق والمحدود في القذف؛ وذلك لأنّهما من أهل الشهادة، فصارا كالعدل؛ ولأنّ هذا ليس بحكمٍ محضٍ، وإنّما يجري مجرى الصلح، فأعطاه شبه الحكم، وشبه العقد، فلم
_________________
(١) في أ (ضمان)، والمثبت من ب.
(٢) في أ (وصيروا ذمة)، والمثبت من ب، بزيادة (لم)، والسياق يقتضيها.
(٣) في أ (كما لا يجوز حكمها ولا شهادتها)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ٥٥ ]
يجوّزه من الصبيّ والعبد، وجوّزه من الفاسق والمحدود في القذف.
وأمّا الذمّيّ إذا حكّموه، فحكم عليهم بالقتل أو السبي أو الجزية، جاز حكمه؛ لأنّهم كفارٌ، فشهادته عليهم مقبولةٌ؛ فلذلك يقبل حكمه عليهم، فإن أسلموا قبل أن يحكم عليهم، لم ينفذ حكمه؛ لأنّ التحكيم سقط بالإسلام.
قال أبو يوسف: لو نزلوا على حكم رجلٍ لم يسمّوه، فذلك إلى الإمام يحكم فيهم ببعض ما هو أفضل للإسلام والدين؛ لأنّ التحكيم لمّا وقع من غير معيّنٍ، جاز للإمام أن يعيّنه فيمن شاء، فيجوز أن يعيّنه في نفسه.
قال أبو يوسف: ولا ينبغي للوالي أن يقبل في الحكم صبيًا، ولا امرأةً، ولا عبدًا، ولا ذمّيًّا، ولا أعمى، ولا محدودًا في قذف، ولا فاسقًا و[لا] صاحب ريبةٍ؛ لأنّ الاختيار في هذا إلى الإمام، فاختيار العدل المأمون أولى.
قال أبو يوسف: وإن نزلوا على حكم رجل يختارونه، فاختاروا رجلًا ليس بموضعٍ للحكم، لم يقبل ذلك منهم حتى يختاروا رجلًا موضعًا للحكم؛ لأنّ من [لم] يكن موضعًا للحكم لم يتعلّق باختياره حكمٌ، فإن لم يختاروا ردّهم إلى حصنهم؛ لأنّهم حصلوا في أيديهم بأمانٍ، فإذا لم يتمّ الحكم رُدّوا إلى ما كانوا عليه.
(قال: ولا يردّهم إلى حصنٍ أحصن من ذلك، أو لا إلى جُنّة يمتنعون منه (^١)؛ لأنّ الرد يجب أن يكون إلى ما كانوا عليه) (^٢)، حتى لا يخفر أمانهم، وفي ردّهم إلى حصن أحصن من ذلك إضرارٌ بالمسلمين (^٣).
_________________
(١) هكذا في أ، وسقطت من ب، ولعل الصواب (ب)، وانظر بدائع الصنائع (٧/ ١٠٨).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) انظر: شرح السير الكبير ٢/ ٥٨٧ - ٥٦٢.
[ ٩ / ٥٦ ]