قال محمدٌ: وإذا اقتسم القوم دارًا، وقبض كلّ واحدٍ منهم حقّه من ذلك (^١)، ثم ادّعى أحدهم غلطًّا، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: لا تعاد القسمة، ولكنّه يسأل البيّنة على الغلط، فإن أقام البيّنة على ذلك، أعدت القسمة فيما بينهم حتى يستوفي كلّ ذي حقٍّ حقّه؛ وذلك لأن مدّعي الغلط يدّعي حقّ الفسخ في عقدٍ قد عقده، فلا يُلتفَت إلى دعواه إلا ببيّنةٍ، كما لو ادّعى المشتري غِشًّا (^٢) في المبيع، فإذا ثبت الغلط في القسمة بالبيّنة، استؤنفت القسمة؛ لأنّها للتعديل، وقد تبيّنا أنّ القاضي لم يعدل، فوجب أن يستأنفها على العدل، فإن لم تقم بيّنةٌ فأراد المدّعي للغلط استحلاف [الباقين] (^٣) فله ذلك؛ لأنّه يدّعي حقّ الفسخ عليهم، فهو كما لو ادّعى الخيار، فمن حلف منهم لم يكن عليه سبيلٌ؛ لأنّ اليمين تقطع الخصومة، فإن نكل الآخر نظرت إلى حصة الذي نكل، (وقضيت للذي) (^٤) ادّعى الغلط، فقسمت بينهما على قدر أنصبائهما؛ وذلك لأنّ الناكل كالمعترف بما ادُّعي عليه، واعترافه يلزمه في نفسه، ولا يلزم بقيّة الشركاء، فوجب أن يُعامَل في حقّ نفسه بما يُعامَل به لو لم يكن غيره، فيجمع نصيبه إلى نصيب المدّعي، ويقتسمان على قدر حقّهما في الأصل.
_________________
(١) في ب (منها).
(٢) في ب (عيبًا).
(٣) في أ (الناس)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق.
(٤) في ب (ونصيب الذي).
[ ٨ / ٤٧٩ ]
قال (^١): وإن ادّعى أحدهما الغلط بعد القسمة والقبض؛ فهو مثل ذلك، ولا يعاد ذرعٌ ولا مساحةٌ ولا كيلٌ ولا وزنٌ، يعني: إذا لم تقم البيّنة؛ لأنّ العقد قد تمّ بالتقابض، فلا يلتفت إلى دعوى الفسخ بغير بيّنة.
قال: وإذا قسم الرجلان دارين، فأخذ أحدهما دارًا والآخر دارًا، ثم ادّعى أحدهما غلطًا وأقام البيّنة (^٢)، فإنّه يُقضَى له بذلك الذرع، ولا تعاد القسمة، وليس هذا كالدار الواحدة.
وأما في قياس قول أبي حنيفة: فالقسمة فاسدةٌ، و[الداران] (^٣) بينهما نصفان، وهذا فرعٌ على اختلافهم في بيع أذرعٍ من دارٍ.
قال أبو حنيفة: لا يصحّ، وقالا (^٤): يصحّ.
فعلى أصل أبي حنيفة: لو لم تنتقض القسمة لرجع بأذرعٍ من الدار الأخرى، وتمليك ذراعٍ من دارٍ عنده لا يجوز؛ ولأنّ الدارين لا يقسم بعضها في بعضٍ عنده إلا بالتراضي، فقسمتها في معنى البيع، والبيع على هذا الوجه لا يصحّ.
فأمّا على قولهما: فهذه القسمة فيها معنى البيع؛ بدلالة أنّ القاضي لا يقسمها إلا إذا كان ذلك أصلح (^٥) للشركاء، فلم يكن قسمةً محضةً، وإذا صارت في معنى البيع، لم ينقض بالغلط، فوجب استيفاء الزيادة من الدار الأخرى، وذلك (عندهما لا يفسد البيع؛ لأنّ بيع الذراع من الدار جائزٌ، فكذلك القسمة،
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في ب (وجاء بالبينة).
(٣) في أ (الدار)، والمثبت من ب، وهو المناسب؛ فالكلام عن قسمة دارين لا دارًا واحدة.
(٤) في ب (وقال أبو يوسف ومحمد).
(٥) في ب (صلح).
[ ٨ / ٤٨٠ ]
وليس هذا عندهما كالدار الواحدة) (^١)؛ لأنّ الغلط في الذرع إذا [بان] (^٢) فيها وجب الرجوع بأذرعٍ من إحدى الحصتين (^٣)، فتبقى الشركة بحالها، وليس فيها معنى البيع، فوجب أن ينقض فيستأنف على الوجه الجائز.
قال: وإذا اقتسم الرجلان أقرحةً (^٤)، فأصاب أحدهما قراحان، وأصاب الآخر أربعة أقرحةٍ، ثم ادّعى صاحب القراحين أحد الأقرحة التي في يد صاحب الأربعة، وأقام البيّنة أنّه أصابه في قسمته، فإنهُ يُقضَى له بذلك؛ لأنّه يدعي أنّه لم يستوف ما أصابه بالقسمة، فوجب أن يُقضَى له بتسليم ما أصابه.
قال: وإذا اقتسم رجلان عشرة أثواب، فأخذ أحدهما أربعةً، والآخر ستةً، فادّعى صاحب الأربعة ثوبًا بعينه أصابه من القسمة، وأقام على ذلك بيّنةً، فإنّه يُقضى له به على ما قدّمنا، فإن لم يكن (^٥) له بينةٌ، كان له أن يستحلف الذي في يده الثوب؛ وذلك لأنّه يدّعي حقًا في يده.
قال: فإن أقام البيّنة كلّ واحدٍ منهما بقسمتهما (^٦) على هذا الثوب أنّه أصابه، [فإنّه] يُقضى به لصاحب الأربعة؛ وذلك لأنّه خارجٌ، فبيّنته أولى من بيّنة صاحب اليد.
قال: وإذا اقتسم رجلان مائة شاة، فأصاب أحدهما خمسٌ وخمسون،
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في أ (زال)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٣) في ب (الخصمين).
(٤) الأقرِحة جمع القَرَاح والقَريح، الأرض التي لا ماء بها ولا شجر، أو المُخَلّصة للزرع والغرس. انظر: القاموس المحيط (قرح).
(٥) في ب (تقم).
(٦) في ب (يقيمها).
[ ٨ / ٤٨١ ]
وأصاب الآخر خمسٌ وأربعون، ثم ادّعى صاحب الأوكس أنه غلط في القسمة، وقال: أخطأنا في تقويمها، فإنّه لا تعاد القسمة، ولا تُقبَ منه في ذلك بيّنةٌ، فإن قال: أخطأنا في العدّ، فأصاب كلّ واحدٍ منا خمسون شاةً، وهذه الخمس كانت منّا غلطًا، وقال الآخر: قد اقتسمنا على هذا، وليس بينهما بيّنةٌ، والغنم قائمةٌ بعينها، [فإنّهما] يتحالفان ويترادّان، فإن أقام كلّ واحدٍ منهما بيّنةً على ذلك، رددت القسمة.
قال: وجملة هذا: أنّ المدّعي للغلط في القيمة لا يلتفت إلى دعواه، ولا تسمع بيّنته (^١)؛ لأنّه قد تمّ العقد، ثم ادّعى فساده، فلا يُقبَل منه (^٢)؛ ولأنّ القيمة تختلف بحسب الاجتهاد والأوقات، فإذا مضت القسمة عليها لم تُقبَل البيّنة بعد ذلك؛ لجواز أن تكون القيمة اختلفت؛ ولأنّ الشهود بالقيمة يشهدون على فعل أنفسهم، ولا يثبتون بالشهادة حقًا على غيرهم، فلا تُقبَل شهادتهم.
وليس هذا كالشهادة بزيادة القيمة في الغصب؛ لأنّ الشهود يثبتون حقا في ذمّة الغاصب؛ فلذلك قُبلَت شهادتهم.
وأمّا إذا ادّعى مدّعي الغلط: أنّه قد استوفى حقّه من [القيمة] (^٣)، ثم أخذ (^٤) شريكه بعض حقّه، فهذا مدّعي الغصب؛ لأنّ القسمة تمّت باستيفاء حقوقها من القبض، وغلبة أحد الشريكين بعد ذلك غصبٌ، فإن قامت به بيّنةٌ [قضي به] (^٥)، وإلا استُحلِف للشريك.
_________________
(١) في ب (منه).
(٢) في ب (قوله).
(٣) في أ (الغنم)، والمثبت من ب.
(٤) هنا في أفقط زيادة (بعد) وحذفها أولى.
(٥) في أ (بعين)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق.
[ ٨ / ٤٨٢ ]
وأمّا إذا ادّعى: أنّ الذي أصابه من العدد لم يقبضه، فإنّهما يتحالفان؛ لأنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان ويفسخ العقد كالبيع.
فإن قال أحدهما: أخذتَ إحدى وخمسين غلطًا، وأخذتُ أنا سبعة وأربعين، وقال الآخر: ما أخذتُ إلا خمسين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّ شريكه يدّعي عليه استيفاء ما ليس له، فلا يُقبَل قوله.
قال: وإذا اقتسم رجلان دارًا، وأخذ كلّ واحدٍ منهما طائفةً، فادّعى أحدهما بيتًا في يد الآخر، وقال: هذا فيما أصابني، وكذّبه الآخر، فإنّ عليه البيّنة، فإن أقاما جميعًا البيّنة أخذت ببيّنة المدّعي، وقد بيّنا هذا.
ولو لم يشهدا على القسمة، واختلفا في هذا البيت، تحالفا؛ لما بيّنا أنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان.
قال: وإذا اختلفا [في الحدّ] فيما بينهما، فقال أحدهما (^١): هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، وقال الآخر: هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، فإن قامت البيّنة [لهما] (^٢) أخذت ببيّنة [هذا] وبيّنة هذا، فإن قامت البيّنة لأحدهما، أخذت ببيّنته، وإن لم تقم لهما بيّنةٌ، حلف كلّ واحدٍ منهما على دعوى صاحبه؛ وذلك لأنّ الأكبر منهما ادعّى [حدًّا] ممّا في يد الأصغر، والأصغر ادّعى حدًّا آخر ممّا في يد الأكبر، فإذا أقاما البيّنة قضي لكلّ واحدٍ منهما بما قامت بيّنته عليه، فأمّا إذا لم تقم بيّنة تحالفا؛ لأنّه اختلافٌ في المعقود عليه، فإن أراد أحدهما أن يردّ القسمة، ردّها بعد أن يتحالفا؛ وذلك لأنّ العقد
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في أ (لأحدهما)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق.
[ ٨ / ٤٨٣ ]
عندنا [لا ينفسخ] بالتحالف حتى [يفسخه] (^١) الحاكم، والحاكم إنّما يفسخ بمطالبة الخصم، فإن طالب فسخ، وإلا لم يفسخ (^٢).
_________________
(١) في أ (يقسمه) والمثبت من ب.
(٢) انظر: شرح مختصر الطحاوي ٨/ ٤٧٣.
[ ٨ / ٤٨٤ ]