[قال]: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، فاشترى وباع فيما يتغابن (^١) الناس فيه، [فهو] جائزٌ [في] قولهم؛ لأنّه تصرف على عادة التُّجار، وهذا القدر من الغبن يتفق للتجار (^٢).
وأمّا إذا باع واشترى فنقص في البيع نقصانًا كثيرًا لا يتغابن فيه، أو زاد في ثمن (^٣) المشترى زيادةً كبيرةً، فذلك جائزٌ في قول أبي حنيفة، وقالا (^٤): لا يجوز.
_________________
(١) يتغابن: من غَبَن، النقص، ومنه قيل: غَبَن فلان ثوبه، إذا أثنى طرفه وخاطه. والغَبْن عند الفقهاء: هو النقص في أحد العوضين: بأن يكون أحدهما أقل مما يساوي البدل الآخر عند التعاقد. ومن ثَمَّ فالغبن: هو كون المقابلة بين البدلين غير عادلة؛ لعدم التساوي بين ما يأخذه أحد العاقدين، وبين ما يعطيه. وهو عند الفقهاء نوعان: يسير وفاحش، فاليسير: هو ما يتغابن الناس في مثله عادة، أي: ما يجري بينهم من الزيادة والنقصان، ولا يتحرزون عنه، وعلى ذلك عرفوه بأنه: "ما لا يخرج عن تقويم المقومين"، أي: تقدير أهل الخبرة في السوق السالمين من الفرض، ولا تكاد تخلو عنه المعاملات في الغالب. والفاحش: هو ما لا يتغابن الناس عادة، أي: ما يتحرّزون عنه من التفاوت في المعاملات، وعلى ذلك عرّفوه بأنه: "ما يخرج عن تقويم المقومين". انظر: المغرب؛ المصباح؛ التعريفات (غبن)؛ درر الحكام شرح المجلة ١/ ١١٣؛ معجم المصطلحات الاقتصادية (غبن).
(٢) في ب (في التجارة).
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) في ب (وقال أبو يوسف).
[ ٨ / ٥٢٢ ]
لأبي حنيفة: أنّ المأذون يتصرّف لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع بالديون على مولاه، فجاز تصرفه بالقليل والكثير كالحرّ؛ ولأنّه مأذونٌ في جميع البياعات، ولو لم يجز تصرّفه بما لا يتغابن فيه، لصار تصرّفه خاصًا، وهذا لا يصحّ.
وقد قال أبو حنيفة في الوكيل بالبيع: إذا باع بالقليل والكثير جاز، وقال في الوكيل بالشراء: لا يجوز شراؤه إلا بزيادةٍ يسيرةٍ، وقال في المأذون: إنّ الشراء والبيع سواءٌ.
والفرق بينهما: أنّ الوكيل بالبيع يتصرّف بالأمر، فاعتُبِر عموم الأمر، والوكيل بالشراء يتصرّف من طريق الحكم، فصار كالوصيّ والأب، وأمّا المأذون فإنه يشتري ويبيع لنفسه، فحكم أحد الأمرين حكم الآخر
ولأنّ الوكيل بالشراء ينتقل المبيع إليه، وينتقل منه إلى الموكل، فتلحقه تهمةٌ في الزيادة، (والمأذون يلزمه اليمين دون المولى، فلا يلحقه تهمةٌ في الزيادة) (^١).
وجه قولهما: أنّ المغابنة الكثيرة تبرّعٌ؛ بدلالة أنّها في حال المرض من الثلث، فصارت كالهبة، والمأذون لا يملك الهبة، كذلك المغابنة.
والصبي المأذون كالعبد المأذون؛ لأنّه يتصرف لنفسه، وعلى قولهما: لا يصح تبرّعه، فلا يجوز حطّه.
قال: ولو اشترى المأذون عبدًا بألفٍ، [وقبضه]، ونقد الدراهم، ثم باعه بجاريةٍ أو بعوضٍ، فبيعه (^٢) جائزٌ، وكذلك بيعه المكيل والموزون إذا كان بعينه
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٢٣ ]
أو بغير عينه؛ لأنّه يتصرّف على عادة التُّجَّار، ومن عادتهم أن يبيعوا بالأثمان والسلع.
ولو أسلم شيئًا ممّا في يده من عروضٍ أو طعامٍ، جاز؛ وذلك لأنّ السَّلَم قد يكون أنفع من البيع، وإذا جاز له البيع، فكذلك السَّلَم.
ولو قبل السَّلَم، جاز؛ لأنّ التجار يقبلون السَّلَم لينتفعوا بالأثمان، ويتأخر عنهم العوض، وللمأذون غرضٌ صحيحٌ في ذلك، فجاز له. [والله أعلم] (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل ٨/ ٥٦٠ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٢٤ ]