قال: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، فلحقه دينٌ، ثم أعتقه المولى، فعتقه جائزٌ، فإن كان الدين أقل من القيمة، ضمن الدين لغرماء العبد، وإن كان الدين أكثر من قيمته، غَرِم قيمته، وإن كان قيمته (^١) عشرين ألفًا، غرم ذلك كله إن علم بالدين أو لم يعلم، واتبع العبدَ الغرماءُ بما بقي من دينهم، فأخذوا منه.
أمّا جواز العتق؛ فلأنّ العبد على ملكه وهو صحيح القول، وإنما تعلّق حقّ الغرماء به؛ وذلك لا يمنع من وقوع العتق كعبد الرهن؛ ولأنّ تعلّق حقّ الغرماء ليس بأكثر من حقّ أحد الشريكين، فإذا لم يمنع ذلك العتق، فلأن لا يمنع حقّ الغرماء أولى.
وأمّا وجوب الضمان على المولى؛ فلأنّه أتلف ما تعلّق [به] حقّ الغرماء؛ بدلالة أنه لو لم يعتق ثبت لهم [حقّ] بيع العبد واستيفاء [الدين] (^٢) من ثمنه، وقد فوّت ذلك عليهم، فلزمه الضمان كالراهن (إذا أعتق عبد الرهن) (^٣).
وإنّما لزم المولى الأقل من قيمته ومن الدين؛ لأنّ الدين إذا كان [أكثر] (^٤) من القيمة، فلم يتلف عليهم إلا مقدار الدين، فلا يلزمه ضمان ما زاد على ذلك.
_________________
(١) في ب (قيمة العبد).
(٢) في أ (الثمن)، والمثبت من ب.
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) في أ (أقل)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٥٣١ ]
وإنّما ضمن قيمته بالغةً ما بلغت؛ لأنّ هذا ضمان مالٍ وليس بضمان جنايةٍ، وضمان العبد بالمال لا يتقدّر، وإنما يتقدّر بالجناية.
وإنّما استوى في ذلك العلم والجهل؛ لأنّ هذا ضمان استهلاكٍ، فيستوي فيه العلم والجهل.
وأمّا ما زاد على قدر قيمته من الدين، فإن الغرماء يتبعون المعتق به؛ وذلك لأنّ الدين في ذمّة العبد، وإنّما لزم المولى منه مقدار ما أتلف من الرقبة، فما زاد على ذلك باقٍ في الذمّة على ما كان عليه.
قال: وإن كان قتلٍ عبدًا أو حرًا فأعتقه مولاه وهو يعلم بذلك، كانت عليه قيمة العبد المقتول بالغةً ما بلغت، وإن كان أكثر من قيمة عبده، إلا أن تكون عشرة آلاف أو أكثر، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]، وإن كان المقتول حرًا غرم المولى ديّة الحرّ؛ وذلك لأنّ الجناية لازمةٌ للمولى في رقبة العبد؛ بدلالة أنّ المولى هو المخاطب بها دون العبد، ولو [لم] يعتق العبد لم يلزمه شيءٌ عنها، فإذا أعتق مع علمه بها، وقد كان مخيرًا بين الدفع والفداء، فمنع الدفع بالعتق، فتعيّن عليه الفداء، فلزمه ذلك باختياره؛ فلذلك لزمه إن زاد على قيمة عبده.
قال: وإن كان لا يعلم بالجناية، غرم المولى قيمة عبده لأولياء الحر، إلا أن يبلغ عشرة آلاف، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]، وإن كان المقتول عبدًا غرم المولى الأقلّ من قيمة عبده ومن قيمة المقتول، إلا أن تكون [القيمة] (^١) عشرة آلاف أو أكثر، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة.
ولا يشبه ذلك (قتل الدابّة) (^٢)، وغصب الأموال؛ وذلك لأنّ المولى إذا
_________________
(١) في أ (أقل القيمة) بزيادة (أقل)، وقد سقطت من ب، والسياق لا يقتضيها.
(٢) في ب (الدية).
[ ٨ / ٥٣٢ ]
أعتق عبده وهو لا يعلم بجنايته، لم يصر مختارًا؛ لاستحالة أن يثبت الاختيار مع عدم العلم، فلم يبق [إلا] إتلاف الرقبة التي تعلّقت بها الجناية، فيغرم الأقلّ من قيمتها ومن ديَة الحرّ، أو قيمة العبد على ما ذكره (^١) في ضمان الأموال، إلا أن يكون أقلّ القيمتين عشرة آلاف فصاعدًا، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]؛ لأنّ قيمة العبد بالجناية لا تبلغ دية الحرّ، وليس كذلك ضمان المال؛ لأنّه لا يتقدّر، فيضمن قيمة عبده بالغةً ما بلغت إذا كان الدين مثلها أو أكثر منها.
وقالوا جميعًا: إذا كان قيمة المأذون عشرين ألفًا، فأَدَان دينًا كثيرًا يحيط بقيمته (وجنى جناياتٍ تحيط بقيمته) (^٢)، فأعتقه [المولى] وهو لا يعلم بالجناية، فإنّه يغرم لأصحاب الدين قيمته كاملةً، علم بالدين أو لم يعلم، ويغرم لأصحاب الجناية عشرة آلاف إلا عشرةً إذا لم يعلم، ولا يدخل أصحاب الجناية في قيمة أصحاب الدين، ولا أصحاب الدين في قيمة أصحاب الجنايات (^٣).
وإن كان المولى أعتق العبد وهو يعلم بالجنايات، ضمن الجنايات كلّها، ولم تدخل في قيمة أصحاب الدين.
وإنّما ضمن المولى لأرباب الدين؛ لما ذكرنا أنه يُتلف عليهم الرقبة التي ثبت لهم (استيفاء بدلها بدينهم، ويضمن لأصحاب الجناية؛ لأنه منع من تسليمها في الجناية، وقد كان ثبت لهم) (^٤) حقّ التسليم أو الفداء (^٥).
_________________
(١) في ب (ذكرنا).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في ب (الجناية).
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) في ب (البدل).
[ ٨ / ٥٣٣ ]
فإن قيل: لو قتل أجنبيٌّ هذا العبد لزمته قيمةٌ واحدةٌ، فإذا أتلفه المولى بالعتق ألزمتموه (قيمته لأصحاب الدين، وألزمتموه) (^١) بدلًا آخر لأرباب الجناية، (وأقلّ أحوال المولى أن يكون كالأجنبيّ) (^٢).
قيل له: المولى مفارقٌ للأجنبي؛ لأنّه كان يلزمه حقٌّ لأرباب الجناية (^٣)، وهو الدفع أو الفداء، ويلزمه حقٌّ لأرباب الدين، وهو البيع [في دينهم، إلا أنّ حق أولياء الجنايات مقدّمٌ، فيدفع إليهم إن اختار عوض الدفع]، ثم يباع في أيديهم لحقّ الغرماء، فلمّا أعتق المولى أبطل حقّين (^٤) لزمه كلّ واحدٍ منهما، وكان عليه عوضٌ لهؤلاء وعوضٌ لهؤلاء حين منع بالعتق ما لزمه من الحقين، فأمّا الأجنبي، فلم يلزمه حقٌّ لهم، وإنّما أتلف ملك غيره، فلزمه البدل بالإتلاف، ولا يجب بالإتلاف أكثر من قيمةٍ واحدةٍ.
وإنّما لم يشارك أرباب الجناية أرباب الدين، ولا أرباب الدين أرباب الجناية؛ لأنّ محلّ (^٥) كلّ واحدٍ من الحقّين مخالفٌ لمحل الآخر، وحكمه مخالفٌ له، ألا ترى أنّ الجناية متعلّقةٌ بالرقبة، ويخاطب المولى بالدفع أو بالفداء، والدين متعلّقٌ بالذمّة، فقد اختلف محلّ الحقّ، واختلف الحقّ في نفسه؛ لأنّ الجناية لازمةٌ للمولى في رقبة العبد، والدين لازمٌ للعبد، والاشتراك إنّما يكون في الحقوق المتساوية؛ ولأنّ العبد لو لم يعتق لم يشترك أرباب الدين وأرباب الجناية فيه، بل ينفرد حقّ أحدهما عن الآخر، ألا ترى أنّه يُدفَع بالجناية،
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) هذه العبارة في ب (قيل له: لأنّ المولى وجب عليه حقٌّ لأرباب الجنايات).
(٤) في ب (حقه).
(٥) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٣٤ ]
ثم يبيعه أرباب الدين، فإذا لم يشتركوا في رقبته (^١)، فكذلك في عوضها.
وإذا أذن الرجل لعبده المُدبَّر في التجارة، أو لأمّ ولده، فلحق واحدًا منهما دينٌ كثيرٌ، ثم إنّ المولى أعتق المدبر وأعتق أمّ الولد، فعتقه جائزٌ، ولا ضمان عليه من الدين، ولا من قيمة المدبر ولا أمّ الولد؛ وذلك لأنّ الغرماء لم يثبت لهم حقٌّ في ثمنهما، ألا تري أنه لا يجوز [لهم] بيعهما، وإنّما كان حقّهم متعلقًا بالذمّة، فإذا أعتق المولى فلم يبطل حقًّا لهم، بل قويت لهم الذمّة التي تعلق بها الحق؛ لأنّ ذمة الحرّ أقوى من ذمّة المملوك، وإذا لم يتلف بعتقه حقًّا لهم لم يلزمه الضمان.
قال أبو حنيفة: إذا لحق المأذون دينٌ كثيرٌ أو قليلٌ، ثم أعتق المولى أمةً من رقيقه، فعتقه باطلٌ، كان الدين قليلًا أو كثيرًا، ثم رجع أبو حنيفة بعد ذلك فقال: إن كان الدين كثيرًا يحيط برقبة العبد وبجميع ما في يده فعتقه باطلٌ، وإن كان في قيمته وفيما في يده فضلٌ عن دينه، عتقت الجارية التي أعتقها المولى، وضمن قيمة الجارية المُعتَقة، فإن كان معسرًا كانت القيمة دينًا على الجارية المعتقة، [ويضمن]، ويرجع بذلك على الذي أعتقها في قياس قول أبي حنيفة، وكذلك التدبير.
وقال أبو يوسف: عتقه وتدبيره جائزٌ، ويضمن المولى قيمة الجارية المعتقة للغرماء إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فللغرماء أن يضمّنوا الجارية، ويرجع بذلك على المولى.
وهذا مبنيٌّ على أصلٍ: وهو أنّ المولى عند أبي حنيفة لا يملك اكتساب عبده إذا كان عليه دينٌ مستغرقٌ، وكان قوله الأوّل: إنّه لا يملك وإن كان الدين
_________________
(١) في ب (رقبة العبد).
[ ٨ / ٥٣٥ ]
غير مستغرقٍ.
وقال [أبو يوسف ومحمدٌ] (^١): هو مالكٌ في الوجهين:
أمّا وجه قوله الأوّل: فلأنّ المولى يملك الأكساب من جهة عبده، وتعلّق حقّ الغرماء يمنع من الانتقال قليلًا كان الحقّ (^٢) أو كثيرًا، كما يمنع الدين من انتقال الملك في الرهن وإن كان أقلّ منه.
وأمّا وجه قوله الثاني: فلأنّ الأكساب تنتقل إلى العبد، ومن جهته تنتقل إلى مولاه من طريق الحكم، كما ينتقل من الميت إلى ورثته، ومعلومٌ أنّ دين الميت إن كان مستغرقًا منع الانتقال، وإن كان غير مستغرقٍ لم يمنع، فكذلك دين العبد؛ ولأنّ الدين إذا لم يستغرق لا يخلو إمّا أن يمنع الانتقال في قدره أو في كلّ الكسب، ولا يجوز أن يمنع في جميع الكسب؛ لأن المانع هو الدين، فما فضل عن الدين لا معنى يمنع من الانتقال.
ولا يجوز أن يمنع الانتقال في بعض الكسب دون بعضٍ؛ لأنّ حكم الأكساب حكمٌ واحدٌ، فلا تتبعّض في الانتقال.
وجه قولهما: أنّ المولى مالك لكسب عبده، كما يملك [رقبة عبده، ومعلومٌ أنّ الدين لا يغير ملكه] في الرقبة، فكذلك في الأكساب، فإذا ثبت أن المولى لا يملك ما في يده لم ينفذ عتقه فيه.
وعلى قولهما: هو مالكٌ للكسب، إلا أنّ حق الغرماء يتعلّق به بعد العتق،
_________________
(١) في أ (قالا)، والمثبت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٣٦ ]
[فينفذ العتق، ويغرم]، ويضمن.
وأمّا إذا كان معسِرًا، فللغرماء أن يستسعوا المُعتَق؛ لأنّ الرقّ كان حقّهم متعلقًا به فسُلِّم للمُعتَق، فصار المولى كالغاصب، والمُعتَق كغاصب الغاصب، وإنّما رجع المُعتَق بما غرم؛ لأنّه لزمه قضاء دينه من طريق الحكم، ولأنّه هو الذي أدخله في هذا الضمان، فكان عليه غرمه.