قال محمدٌ ﷺ (^١): [يجوز] إذا أسر المسلمون الأسرى من المشركين من الرجال وأخرجوهم إلى دار الإسلام أو لم يخرجوهم، فإن شاء الإمام قتلهم، وإن شاء خمّسهم وقسمهم بين من أصابهم.
والأصل في جواز قتل الأسرى بعد تقضّي الحرب: ما روي أنّ النبي ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط يوم بدر، ومنّ على أبي [عزّة] (^٢) الشاعر على أن لا يقاتله، فرجع إلى مكة وحضر في أُحدٍ، فأسر فقتله النبيّ ﵊ (^٣)، ولأنّ في قتلهم مصلحةً إذا رأى الإمام ذلك لما يُخَاف من غدرهم بالمسلمين، فجاز قتلهم كحال الحرب.
وإنّما جاز أن يقسمهم؛ لأنّ الاسترقاق يجوز في الكفار إذا لم يكونوا من عَبَدة الأوثان من العرب، وإذا رأى الإمام قسمتهم لما فيه من المصلحة للمسلمين (^٤)، جاز له ذلك، وقسمهم كما يقسم سائر الأموال.
قال: وأيّما رجل من المسلمين قتل رجلًا من الأسرى في دار الإسلام أو في دار الحرب قبل أن يقسموا أو يباعوا (^٥)، فلا شيء عليه من ديةٍ ولا قيمةٍ ولا
_________________
(١) (محمد ﵀) سقطت من ب.
(٢) في أ (عروة)، والمثبت من ب، وهو الصحيح في الرواية.
(٣) رواه البيهقي في الكبرى (٦/ ٣٢٠).
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٥) في ب (يوادعوا).
[ ٩ / ١٠٤ ]
كفّارةٍ؛ وذلك لأنّ القتل مستحقٌّ في الأسرى؛ بدلالة أنّ للإمام اختيار ذلك، فإذا قتله قاتلٌ، وقع الموقع المستحَقّ؛ ولأنّ دماءهم لم تحرز بدار الإسلام، فهي على أصل الإباحة، فكأنّه قتلهم في حال الوقعة، فلا يجب عليه قودُّ ولا ديةٌ ولا كفارةٌ.
قال: فإن قسمهم الإمام أو باعهم، حرمت دماؤهم، فإن قتلهم قاتلٌ، غرم قيمة من قتل، وكانت الكفارة عليه إذا قتلهم خطأً؛ وذلك لأنّ [القسمة] (^١) والبيع تقريرٌ للرقّ وإسقاطٌ لحكم القتل، فصار القاتل ضامنًا (^٢)، كمن قتل عبد غيره، ولا يجب عليه القود؛ لأنّ الإباحة التي كانت في الأصل شبهةٌ، والقصاص يسقط بالشبهة.
قال: فإن أسلم الأسير قبل أن يقسم حرم دمه، وقسم في الغنيمة؛ لأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، فيرتفع بالإسلام؛ ولأنّا إنّما نقتلهم ليسلموا، فإذا أسلموا زال المعنى الذي قتلناهم له (^٣)، [فلا يجوز قتله].
وأمّا القسمة؛ فلأنّ الإسلام لا ينفي الاسترقاق، وقد كان الإمام بالخيار بين القتل والاسترقاق، فسقط أحد الخيارين بالإسلام، فتعيّن الآخر.
قال: وإن أسر رجلٌ من المسلمين أسيرًا فقتله غيره في يده، فإنّي لا أحبّ ذلك له، ولا ضمان عليه ولا كفارة؛ لما روى جابر بن عبد الله، أنّ النبي ﵊ قال: "لا يتعاط أحدكم أسير صاحبه فيقتله" (^٤)، ولأنّ الذي أسره له اختصاصٌ؛
_________________
(١) في أ (القيمة) والمثبت من ب.
(٢) في ب (جانيًا).
(٣) في ب (لأجله).
(٤) رواه أحمد في المسند (٢٠٢١٤)؛ والطبراني في الكبير (٧/ ٢٦٨)؛ ولكن من حديث سمرة بن =
[ ٩ / ١٠٥ ]
به، فلا يجوز لغيره إزالة يده [عنه]، كالملتقط لما اختصّ باللقطة، لم يجز لغيره أخذها منه.
قال: فإن أسلم في يد الذي أخذه، أمن من القتل، وإذا لم يسلم، فلا بأس بأن يقتله الذي أسره.
قال محمدٌ: وإن [أُتي به] (^١) الإمام حتى يكون هو الحاكم فيه إذا قوي عليه فهو أفضل؛ وذلك لأنّا منعنا غيره من قتله لاختصاصه به، وهذا المعنى لا يوجد فيه، فجاز قتله؛ ولأنّه قد يخاف منه إذا حصل في يده أن يستولي عليه ويقهره، فجاز له قتله كحال الحرب.
وإنّما كان حمله إلى الإمام أفضل؛ لأنّ الذي أسره وإن كان في يده، فحقّ المسلمين يتعلّق به، والأمر في تدبيره إلى الإمام، يمضي الأصلح للمسلمين من القتل أو الاسترقاق.
قال: وإذا عزم المسلمون على قتل الأسرى، فلا ينبغي أن يعذّبوهم بالعطش ولا بالجوع ولا بغير ذلك، بل يقتلوهم قتلًا كريمًا؛ وذلك لقوله ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، وإن أحسن الناس قتلةً المسلمون، وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة" (^٢)، ولمّا أمر رسول الله ﷺ بقتل بني قريظة في يوم صائفٍ، قال: "لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السلاح، لا تقتلوهم حتى يبردوا" (^٣).
_________________
(١) = جندب ﵁، وقال الهيثمي في المجمع: (فيه إسحاق بن ثعلبة وهو ضعيفٌ) (٥/ ٣٣٣).
(٢) في أ (أقامه)، والمثبت من ب.
(٣) مسلم (١٩٥٥).
(٤) ذكره العيني في عمدة القاري (١٥/ ٢٠٢)؛ والمناوي في فيض القدير (٤/ ٤٠٦).
[ ٩ / ١٠٦ ]
قال محمدٌ: إنّما يقتل من بلغ الحُلُم، أو تمت له خمس عشرة سنة، فإذا شكّ فيه أَبَلَغ أو لم يبلغ، ترك فيمن يقسم ولم يقتل؛ وذلك لأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، والصبيّ لا يعاقب؛ ولأنّ النبي ﵊ أمر بقتل من أنبت [من بني قريظة] (^١)، وترك من لم ينبت في الذريّة (^٢).
فأمّا اعتبار خمس عشرة سنةً، فهو قول محمدٍ، وأمّا أبو حنيفة فاعتبر في الغلام ثماني عشرة [سنة]، وفي الجارية سبع عشرة، والكلام في هذه المسألة في كتاب الحَجْر.
قال محمدٌ: ولا ينبغي للإمام أن يمن على الأسير فيتركه ولا يقتله ولا يقسمه، إلا أن يكون من عَبَدة الأوثان من العرب، فإذا كان هكذا لم يجز عليه السَّبْي، وعرض عليه الإسلام، فإن أبى أن يسلم قُتِل، وإن أسلم فهو حرٌّ، ولا يجري عليه سَبْيٌ.
وقال الشافعي: لا بأس بالمنّ إذا رأى الإمام ذلك (^٣).
والدليل على امتناعه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؛ ولأنّه حصل في أيدينا وثبت حقّ الاسترقاق فيه، فلا يجوز إسقاط حقّ المسلمين عنه، كما لا يجوز إسقاط حقّهم عن المال.
_________________
(١) في أ (في سبايا أوطاس)، والمثبت من ب، وهو الصحيح في الرواية.
(٢) رواه أبو داود (٤٤٠٤)؛ والترمذي (١٥٨٤) وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)؛ والنسائي (٣٤٣٠)، وابن ماجه (٢٥٤١).
(٣) انظر: المزني ص ٢٧١؛ رحمة الأمة ص ٢٤٩.
[ ٩ / ١٠٧ ]
ولأنّ ردّه إلى دار الحرب إعانةٌ لهم بما يختّص بالقتال، فصار كردّ السلاح إليهم، والذي روي أنّ النبي ﵊ مَنْ على أبي عزة يوم بدرٍ؛ فلأنّ في ذلك الوقت كان يجوز أن نردّ إليهم من جاءنا مسلمًا، فمن كان كافرًا أولى، وقد نسخ ذلك بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠].
وقد قال محمدٌ: إن المنّ [إنّما] (^١) روي في عبدة الأوثان من العرب، وإنّما جاز ذلك؛ لأنهم لا يسترقّون، فإذا منّ عليهم لم يسقط حقّ المسلمين بالمنّ، وهذا يقتضي أن يجوز المنّ الآن في عبدة الأوثان من العرب، والظاهر أنّ ذلك لا يجوز؛ لعلّةٍ أخرى وهي باقيةٌ في معونة أهل الحرب بالرجال.
والدليل على أنّ عبدة الأوثان من العرب لا يسترقّون: ما روي أنّ النبي ﵊ قال يوم [حنين] (^٢): "لو كان يجري على عربّيٍ رقٌّ، لكان اليوم، وإنّما هو الإسلام أو السيف" (^٣)؛ ولأنّهم بالغوا في عداوة النبي ﷺ فشدّد عليهم، ولأنّه لا يجوز إقرارهم على ملّة الكفر بالجزية، فكذلك بالرقّ كالمرتدين.
[قال]: وإن أسر المسلمون أسرى فهم في حكم العبيد، في دار الحرب كانوا أو في دار الإسلام، قبل أن يقسموا أو يباعوا، فإن قسمهم الإمام صحّ رقّهم وكانوا عبيدًا، وإن تركهم في أرضهم يؤدّون الخراج، فهم أحرارٌ ذمّةٌ حين جعلهم مقرّين في أرضهم يؤدّون [عنها] الخراج، ويجعل على رؤوسهم الجزية؛ وذلك لأنّ حقّ الاسترقاق يتعلّق برقابهم، وللإمام أن يقتلهم، فهم كالعبد
_________________
(١) في أ (بما)، والمثبت من ب.
(٢) في أ (خيبر)، والمثبت من ب.
(٣) رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ٧٣).
[ ٩ / ١٠٨ ]
الذي وجب عليه القصاص، فلا يمنع من وجوب القتل من ثبوت حكم الرقّ.
وأمّا إذا رأى الإمام أن يقرّهم على أراضيهم ويضع عليهم الخراج والجزية، فهم أحرارٌ؛ لأنّ عمر بن الخطاب أقرّ أهل السواد على أملاكهم فلم يسترقّهم، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ.
ولا يقال: في هذا إسقاط حقّ المسلمين عن رقابهم، فهو كالمنّ عليهم؛ [لأنّ] (^١) هذا في حكم الإسقاط بعوضٍ، ألا ترى أنّ الأراضي قد (^٢) لا ينتفع المسلمون بها إلا بعملهم، فيصير ما تحصّل منهم من الخراج والجزية كالعوض عن رقّهم (^٣)، فيجوز.
والخلاف في المنّ الذي لا يحصل للمسلمين به عوضٌ؛ ولأنّ هؤلاء يصيرون ذمّةً في أيدينا، فلا يكون فيهم معونةٌ للكفار بما يختصّ بالقتال، وفي ردّهم إلى [دار] الحرب معونةٌ لأهل الحرب فيما يختص بالقتال، فلا يجوز.
قال: وإن كانوا شهدوا شهادةً قبل أن يجعلهم الإمام ذمّةً لم تجز شهادتهم، وإن أعادوها وهي على بعضهم جازت؛ وذلك لأنّ الشهادة قبل أن يصيروا ذمّةً، شهادة حربيٍّ، ألا ترى أنّهم باقون على حكم أهل الحرب؛ ولذلك يجوز قتلهم، وشهادة الحربيّ في دار الإسلام لا تُقبَل، فإذا صاروا ذمّةً وأعادوا الشهادة على مثلهم، قُبلَت؛ لأنّ الإمام ردّها، وليست بشهادة، فإذا صارت شهادةً قَبِلَها، كما لو ردّ شهادة العبد، ثم أُعتِق، فشهد.
_________________
(١) في أ (قلنا إن)، بزيادة (قلنا)، والسياق لا يقتضيها.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (رقابهم).
[ ٩ / ١٠٩ ]
قال: وإن أسلم بعضهم قبل أن يجعلهم الإمام ذمّةً أخذ من أرضهم الخراج، ولم يأخذ من رؤوسهم، وكذلك إن أسلموا كلّهم؛ لأنّ الجزية لا تجتمع مع الإسلام، وخراج الأراضي يجب على المسلم؛ بدلالة أنّ من أسلم من أهل السواد لم يسقط عنه الأئمةُ الخراجَ، فإذا أسلموا ابتداءً وقد تعلّق بأرضهم حقّ الخراج، جاز أن يقرّهم الإمام عليه، ويبتدئهم به (^١).
قال محمدٌ: قال أبو حنيفة: لو أعتق رجلٌ من الجند ممّن له في الأسرى نصيبٌ رجلًا منهم أو امرأةً أو وطئها، فولدت منه وادّعى ولدها، فالقياس في هذا أن يعتق من أعتق، وتكون الجارية أمّ ولدٍ له، والولد ولده، ولكن أستحسنُ أن لا أجيز من ذلك شيئًا، وأدرأ عنه، الحدّ، وأغرّمه العُقْر، فيكون في الغنيمة، ولا أثبت [له] نسب الولد، ولا أعتقه، ولا أجعل أمّه أمّ ولدٍ.
وجه القياس: أنّ حقّ الغانمين ثابتٌ في الذمّة، فإذا أعتق أحدهم فقد أعتق ما له فيه نصيب، فينفذ عتقه، كالشريك في العبد، وأمّا الاستيلاد، فلأنّ له حقًّا في الرقبة، فيصير كحقّ الأب في جارية ابنه.
وجه الاستحسان: أنّ حقّ الغانمين لا يستقرّ إلا بالحيازة، ولا يثبت ملكهم إلا في القسمة أو البيع، والعتق لا يقع إلا في ملكٍ [مستقرٍّ]، والاستيلاد لا يثبت إلا في حقٍّ مستقرٍّ، وإنّما أورد محمدٌ هذه المسألة ليبين أنّ الرقّ لم يستقرّ فيهم؛ فلذلك يجوز القتل والإقرار على الجزية تبعًا للأرض.
وقد قالوا: إنّ الغنيمة لو أخرجت من دار الحرب، لم ينفذ العتق؛ لأنّ حقّهم وإن استقرّ، فلم يملكوا، والعتق لا ينفذ إلا في ملكٍ، فأمّا إذا قسم الإمام
_________________
(١) (ويبتدئهم به) سقطت من ب.
[ ٩ / ١١٠ ]
بين [العرفاء] (^١)، فأعتق رجلٌ من أهل العرافة عبدًا وقع في سهمهم، نفذ عتقه؛ لأنّ أهل العرافة ملكوا ما أصابهم بالقسمة، فجاز عتقهم فيه.
وقد روي عن أبي يوسف أنّه قال: إن كانوا عشرةً فما دون نفذ عتق من أعتق منهم؛ لأنّه عددٌ محصورٌ، وإن كان عددًا كبيرًا لم ينفذ العتق.
والصحيح ما قال أبو حنيفة: إنّ القسمة إذا حصلت نفذ العتق، ولا يعتبر في ذلك العدد، كما لا يعتبر في الميراث (^٢).
_________________
(١) في أ (الغرماء)، والمثبت من ب.
(٢) انظر: الأصل ٧/ ٤٤٤ وما بعدها؛ السير الكبير (مع الشرح) ٤/ ١٥٨٧ - ١٥٨٩؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ١٩٤ وما بعدها.
[ ٩ / ١١١ ]