قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وأمّا ذكر اسم الله تعالى؛ فهو على طريق التبرّك باسمه.
وقال أبو العالية: يقسم الخمس على ستة أسهم: منها الله تعالى سهمٌ، يصرفُ إلى عمارة الكعبة. وهذا غلطٌ؛ والدليل عليه ما روي عن الحسين بن محمد قال: هذا مفتاح الكلام، ليس لله سهمٌ، لله الدنيا والآخرة.
ويجوز أن يكون ذكر اسم الله تعالى ليبيّن أنّ الخمس مصروفٌ إلى وجوه القُرَب دون غيرها، كما يقال في مال الزكاة إنّه الله تعالى؛ ولأنّ الأئمة بعد النبيّ ﷺ لم يفردوا هذا السهم، ولو أفردوه لنقل من طريق الاستفاضة، فلمّا لم ينقل، دلّ على أنّه لا سهم لله تعالى.
فأمّا النبي ﷺ، فقد كان له سهمٌ، وهو خمس الخمس، وقال عمر بن عبد العزيز: لم يكن له سهمٌ، ومعنى قوله: وللرسول، أي أنّ التدبير في الخمس والتصرّف للنبيّ ﵊. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ النبي ﷺ قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس"، وهذه الإضافة تدلّ على الاستحقاق، إلا أن يمنع منه مانعٌ.
ثم اختلفوا في هذا السهم بعد النبي ﵊، فقال أصحابنا: سقط بموته، وقال الشافعي: لا يسقط، وهو للإمام بعده، ومنهم من قال: يجعله في الكراع والسلاح.
[ ٩ / ٧٢ ]
والدليل على ما قلنا: قوله ﵊: "والخمس مردودٌ فيكم"، وهذا يدلّ على أنّه رجع إلى الجماعة، وذلك لا يكون إلا على قولنا، ولأنّه ﷺ كان يستحقّ من الغنيمة الصفي والخُمُس، فإذا سقط الصفي بموته، فكذلك الخمس؛ ولأن سهم النبي ﵊ لو كان باقيًا لأفرده الأئمة بعده، وصرفوه في استحقاقه، ولو فعلوا ذلك لنقل (من طريق الاستفاضة.
فأمّا سهم) (^١) ذوي القربى؛ فهو عندنا لفقرائهم، يُستَحَقّ بالفقر، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّهم استحقوه في زمن النبيّ ﷺ بالنصرة، وبعده بالفقر، وقال الشافعي: يستحقّونه بالاسم (^٢).
لنا: أنّ النبي ﷺ أعطى بني أعطى بني المطلب وحرم بني أميّة وهم إليه أقرب؛ لأنّ أميّة كان أخا هاشم لأبيه وأمّه، والمطلب أخوه لأبيه، فلو كان الاستحقاق بالقرابة، لكان بنو أمية أولى.
وقد روي أنّ جبير بن مطعم وعثمان بن عفان مشيا إلى النبي ﵇، فقالا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا (^٣) ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلةٍ [واحدةٍ]، فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ، وشبّك بين أصابعه" (^٤)، فهذا يدلّ على أنّ الاستحقاق بغير القرابة، ولهذا الخبر قال أبو بكر الرازي: إنّهم كانوا يستحقّون
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) انظر: المهذب ٥/ ٣٠٣ وما بعدها؛ المجموع ٢١/ ٢٦١ وما بعدها.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) رواه البخاري (٢٩٧١).
[ ٩ / ٧٣ ]
في زمن النبيّ ﵇ بالنصرة.
وقد روي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ فكتب إليه: "هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا أن ننكح منه أَيِّمَنا ونحذو منه لعائلنا، ونقضي منه عن غارمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا، وأبى ذلك علينا، فتركناه" (^١)، وهذا يدلّ على أنّهم لا يستحقّونه بالاسم، لأنّ عمر فعل هذا بحضرة الصحابة من غير خلافٍ.
وروي أنّ أبا جعفر محمد بن علي سئل: أرأيت عليّ بن أبي طالبٍ حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في أمر ذوي القربى؟ قال: سلك بهم سبيل أبي بكر وعمر، قال: قلت: وأنتم تقولون ما يقولون؟ قال: والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره أن يُدّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر (^٢)، وهذا يدلّ على أن عليًا ﵇ سلك سبيلهم، فلو كان حقًّا للأغنياء والفقراء، لم يسقط حقّ المستحقّ وإن خالف ذلك رأيهما.
ويدلّ على ذلك ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليًا يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة بنت رسول الله ﷺ [وزيد بن حارثة عند رسول الله ﷺ]، فقال العباس: يا رسول الله، كبر سنّي ودقّ عظمي، وركبتني مؤنةٌ، فإن رأيت أن تأمر لي بكذا وكذا وسقًا من طعام فافعل، قال: "قد فعلت ذلك"، ثم قالت فاطمة: يا رسول الله، أنا منك بالمنزلة التي علمت، فإن رأيت أن تأمر لي كما أمرت لعمّك فافعل، قال: ففعل ذلك، ثم قال زيد بن حارثة: يا رسول الله،
_________________
(١) رواه النسائي (٤١٣٤)؛ وأصله في مسلم (١٨١٢).
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (٦/ ٣٤٣).
[ ٩ / ٧٤ ]
كنت أعطيتني أرضًا أعيش منها، ثم قبضتها منّي، فإن رأيت أن تردّها عليّ فافعل، قال: ففعل ذلك، فقلت، (يعني علي بن أبي طالب) (^١): يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقنا من الخمس في كتاب الله تعالى فاقسمه حياتك حتى لا ينازعنيه أحدٌ بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك، قال: فقسمته حياة رسول الله ﷺ، ثم وَلّانيه أبو بكر، فقسمته حياة أبي بكر، ثم وَلّانيه عمر، فقسمته حياة عمر، حتى كان آخر سنة من سِنيّ عمر، فأتاه مالٌ كثيرٌ، فعزل حقّنا ثم أرسله إليّ، فقال: هذا حقّكم، فخذه فاقسمه كما كنت تقسم، فقلت: يا أمير المؤمنين بنا عنه العام غنى، وبالمسلمين إليه حاجةٌ، فردّه عليهم تلك السنة، ثم لم يدعنا إليه أحدٌ بعد عمر حتى قمت مقامي هذا، فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر، فقال: يا عليّ، لقد حرمتنا شيئًا لا يردّ علينا إلى يوم القيامة، وكان رجلًا داهيًا (^٢).
وهذا يدلّ على استحقاقهم بالحاجة، ألا ترى أنهم لو استحقّوه بالاسم لم يجز لعليٍّ إسقاط حقّهم بغير رضاهم، ولم يفعل ذلك عمر ﵁.
وروي عن مجاهد قال: كان آل محمدٍ ﷺ لا تحلّ لهم الصدقة، فجُعِل لهم سهم ذوي القربى.
وعن عبد الله بن الحسن قال: لمّا مُنِعنَا الصدقة، جعل بدلها سهم ذوي القربى خمس الخمس (^٣)، ومعلومٌ أنّ الصدقة حُرّمت على فقرائهم، فدلّ على أنّ
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) رواه البزار في المسند (٢/ ٢٢٩)، (ط مؤسسة علوم القرآن). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤): (رواه أبو يعلى والبزار ورجالهما ثقاتٌ)، وأصله عند أبي داود (٢٩٨٤).
(٣) رواه ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار (٥/ ٨٢)، =
[ ٩ / ٧٥ ]
خمس الخمس لمن حُرّم [عليه] الصدقة.
ولأنّ الخمس محرّمٌ على أغنياء غير بني هاشم، فكان محرّمًا على أغنيائهم كالزكاة.
فإذا ثبت أنّ الله تعالى لا يُسهَم له، وأنّ سهم النبي ﷺ سقط، وأنّ سهم ذوي القربى يستحقّونه بالفقر، وجب قسمة الخمس على ثلاثة أسهمٍ، لليتامى والمساكين وابن السبيل، ويدخل ذووا القربى فيهم (^١).
_________________
(١) = (ط دار قتيبة - دمشق، بيروت).
(٢) انظر: شرح السير الكبير ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٩.
[ ٩ / ٧٦ ]