قال علي بن الجَعْد عن أبي يوسف: إذا كانت غنمٌ بين رجلين ميراثًا أو شراءً، فأقرّا بذلك، فإنّ أبا حنيفة قال: أقسمها بينهما وإن لم يقم بيّنةٌ على الميراث بعد أن يكون في أيديهما ويقرا أنّه لا وارث [له] غيرهما، وكذلك قال أبو يوسف.
وكذلك الإبل والبقر والثياب المَرَويّة (^١) والهَرَويّة (^٢).
قال: وهذا على ما قدّمنا فيها، أن العروض يخاف عليها التَّوَى (^٣) والتلّف، فللحاكم ولايةٌ في حفظها، فإذا قسمها كان أقرب إلى حفظها؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الورثة ينفرد بحفظ ما يحصل في يده منها؛ ولأنّ ما سلمه إلى كلّ واحدٍ يصير مضمونًا عليه، وفي ذلك حظٌّ للميت.
قال: فأمّا الثوب الواحد فلا يستقيم فيه القسمة؛ لأنّه لا ينقسم إلا بقطعه، وذلك إتلاف جزءٍ منه، وهذا فيه ضررٌ على المتقاسمين، فلا يجوز أن يفعله القاضي، فإن تراضيا عليه لم يقسم أيضًا لما فيه من إتلاف الملك، ولكنهما يقتسمانه إن اختارا بأنفسهما.
قال: وكذلك الثوبان إذا اختلفت قيمتهما لا تستقيم القسمة، إلا أن يزاد مع
_________________
(١) نسبةً إلى (مرو).
(٢) هي ثيابٌ تُحمَل من هَرَاة. انظر: القاموس المحيط (هرو).
(٣) التَّوى: الهلاك. انظر: القاموس المحيط (توي).
[ ٨ / ٤٥٨ ]
الأوكس (^١) دراهم مسمّاةٌ؛ وذلك لأنّ الثوبين المختلفين لا يتعدّل أحدهما بالآخر إلا بزيادة دراهم مع الأوكس، وقد بيّنا أنّ إدخال الدراهم في القسمة لا يُجبَر عليها إلا أن يتراضى (^٢) بها الخصمان، فإن تراضيا فعلها الحاكم؛ لأنّه ليس في ذلك إتلاف مالٍ لهما.
قال: وثلاثة أثواب يستقيم فيها القسمة (على ما فسّرت لك من القيمة) (^٣)، ثوبٌ بثوبين، أو ثوبٌ وربعٌ بثوبٍ وثلاثة أرباع، أو دراهم يردّها الذي نصيبه الأفضل على صاحب الأوكس، أمّا بالدراهم فلا يصحّ إلا بالتراضي لما بيّنا، وأمّا إذا قسم على أن يصيب أحدهما ثوبٌ وربع، والآخر ثوبٌ وثلاثة أرباع، على أن تكون الشركة في هذا الثوب بينهما، فهو جائزٌ؛ لأنها قسمةٌ [في بعض] (^٤) المشترك دون بعضٍ، ألا ترى أنّ كلّ واحدٍ منهما تفرّد بثوب، وتبقى الشركة في ثوبٍ، وذلك جائزٌ إذا لم يكن غيره (^٥).
كما لو قُسمَت الضيعة وتُركَت العين على الشركة أو النهر، جاز ذلك وإن كان فيه قسمة بعض الملك دون بعض، كذلك هذا.
قالوا: إن كان ثوبًا، من [كلّ] ذلك صنفٌ أو قَبَاء (^٦) وجُبَّةٌ وقَمِيص وبِسَاط ووِسَادَة، فإنّ هذا لا ينقسم، وكذلك شاةٌ وبعيرٌ، وبرذون وحمارٌ؛ وذلك لأنّ
_________________
(١) الوَكْسُ من وَكَسَ، أي: النقص. انظر: الصحاح (وكس).
(٢) في ب (يرضى).
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) في في أ (لم يتبعّض) والمثبت من ب.
(٥) انظر: الهداية ٤/ ٤٥.
(٦) (القَباء: ثوبٌ يلبس فوق الثياب أو القميص، ويُتمنطق عليه). المعجم الوسيط (قبا).
[ ٨ / ٤٥٩ ]
الأجناس المختلفة لا ينقسم بعضها في بعضٍ إلا بالتراضي؛ لأنّ القسمة إنّما هي لتمييز أحد الحقّين من الآخر، وليس بين الجنسين اختلاطٌ حتى تكون القسمة للتمييز فيها، فلم يبق إلا أن يكون معاوضةً، وذلك لا يجوز إلا بالتراضي.
قال أبو حنيفة: لا أقسم الرقيق، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسم.
لأبي حنيفة: أنّ تفاوت الرقيق أكثر من تفاوت الأجناس للتفاضل بين الآدميين، فكما لا يقسم أحد الجنسين في الآخر (^١)، كذلك لا يقسم الرقيق؛ ولأنّ الآدمي يظهر من نفسه خلاف ما هو عليه في الحقيقة (^٢) فيتعذّر مع ذلك التعديل، (والقسمة موضوعةٌ للتعديل) (^٣).
وجه قولهما: أنّه جنسٌ واحدٌ، فيقسم بعضه في بعضٍ كالغنم والإبل.
وقد قال في الأصل: إذا كان مع الرقيق غيره، قسمته (^٤). وكان أبو بكر الرازي [يقول]: معناه قسمته بتراضيهما، وقال (^٥): لأنّ الجنسين إذا كان كلّ واحدٍ منهما يقسم على الانفراد، لم يقسم أحدهما في الآخر، فإذا كان أحدهما [لو] انفرد لم يقسم، فأولى بأن لا يقسم مع الآخر.
ومن أصحابنا من قال: إنّ الرقيق إذا كان معه غيره صار تبعًا في القسمة، وقد يتبع العقود ما لا يفرد، كدخول الشَّرْبِ والطريق في البيع، فكذلك دخول
_________________
(١) (في الآخر) سقطت من ب.
(٢) الأصل أن يكون هنا الوجه [ب] من الورقة (٤٤٠)، ولكن ثمة خللٌ في ترتيب الوجوه في النسخة أ، والصواب في السياق أن يكون هنا هذا الوجه من الورقة (٤٣٨)، كما أشرنا سابقًا ..
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) انظر: الأصل ٣/ ٣٠٤.
(٥) هذه الكلمة سقطت من ب.
[ ٨ / ٤٦٠ ]
العين والنهر في القسمة.
وقال في مسألة الرقيق عطفًا عليها: وكذلك اللؤلؤ واليواقيت والزمرد [والزبرجد]، يعني أنّ هذه الأجناس المختلفة لا يقسم بعضها في بعضٍ كما لا يقسم سائر الأجناس، فأمّا إذا انفرد جنسٌ منها، فالتعديل فيه ممكنٌ، فيجوز قسمته.
قال: فأمّا الفضة التِّبْر (^١)، فإنّها تقسم، والذهب التِّبْر والحديد التِّبْر والنحاس التِّبْر، ولا يقسم الآنية من ذلك؛ لأنّ التبر يمكن قسمته [بالوزن] (^٢)، فينعزل نصيب كلّ واحدٍ منها.
وأمّا الآنية، فإنّ الصناعة فيها تجعلها كالأجناس المختلفة؛ فلذلك لا يقسم بعضها في بعضٍ.
قال: ويقسم قليل الموزون والمكيل وكثيره؛ لأنّ التمييز يمكن في القليل كما هو ممكنٌ في الكثير.
قال: ولا يقسم حائطٌ بين جارين، ولا حمّامٌ، ولا حانوتٌ صغيرٌ لا ينتفع كلّ واحدٍ منهما بما يصيبه منه؛ لأنّ الحائط لا يقسم إلا بنقضه، وذلك إتلافٌ لملكهم، والحمّام إذا قسم استضرّ كلّ واحدٍ منهما، وكذلك الحانوت الصغير، ومتى استضر كلّ واحدٍ من المتقاسمين بالقسمة، لم يكن فيها حقٌّ لواحدٍ منهما، فلا يصحّ مطالبته به.
فأمّا إذا كان الذي يصيب أحدهما من الحانوت ينتفع به، فقد بيّنا الكلام
_________________
(١) "التِّبْر: ما كان من الذهب والفضة غير مَصُوغ". كما في المصباح (تبر). والمقصود: سبائك الذهب أو الفضة قبل ضربها نقودًا.
(٢) في أ (بالورق) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٦١ ]
فيه فيما مضى.
وقال أبو يوسف في قسمة العقار: لا يجعل لبعضهم طريقًا على بعض ولا مسيل ماء إذا وجد سبيلًا إلى ذلك، ولا يضمّ نصيبًا إلى نصيب إلا برضًا منهما؛ لأنّ القسمة موضوعةٌ للتمييز ولإزالة الشركة، فإذا أمكن تمييز الطريق والشِّرب [والمسيل] (^١) لم يجز تبقيته بالشركة، فإذا لم يمكن ذلك فلا بأس به؛ لأنّ التمييز لا يمكن من [كلّ] وجهٍ، فوجب أنّ يميّز أصل الملك وإن بقيت الشركة في الحقوق، وأمّا ضمّ بعض الشركاء إلى نصيب بعضٍ، فيجوز إذا رضوا بذلك، لأنّ القسمة إنّما ثبتت لحقهم، فإذا اصطلح الشريكان على [ضمّ] (^٢) نصيبهما، فقد اختارا تمييز نصيب بقية الشركاء، ولم يختارا تمييز (^٣) نصيب كلّ واحدٍ منهما من نصيب الآخر، فوجب أن يترك على الشركة.
قال: وخيار [الرؤية] (^٤)، وخيار (^٥) الشرط (^٦)، والردّ بالعيب في القسمة مثله في البيع، لا يختلفان، ما كان فيه خيار الرؤية في البيع فكذلك في القسمة، [وما لم يوجب خيار الرؤية في البيع، فهو كذلك في القسمة، وما لم يجز في البيع فليس بجائزٍ في القسمة]، (وما جاز من خيار الشرط في البيع، فهو جائز
_________________
(١) في أ (والمسلم)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٢) في أ (جميع) والمثبت من ب.
(٣) هذه الكلمة سقطت من ب.
(٤) في أ (الورثة)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٥) هذه الكلمة سقطت من ب.
(٦) "خيار الرُّؤْية: هو أن يشتري ما لم يره، ويردّه بخياره". "خيار الشرط: أن يشترط أحد المتعاقدين الخيار ثلاثة أيام أو أقل". التعريفات (خيار). "وخيار العيب: هو أن يختار ردّ المبيع إلى بائعه بالعيب".
[ ٨ / ٤٦٢ ]
في القسمة) (^١)، وما لا يوجب ردّ البيع في العيب، لا يوجب ردّ القسمة، وسواءٌ اقتسم الشريكان، أو قسمه الحاكم بينهما.
أمّا خيار الرؤية والشرط، فيصحّان في القسمة إذا كانت بتراضيهما؛ لأنّها في معنى البيع، وأمّا إذا كانت بحكم الحاكم فلا معنى لخيار الشرط والرؤية؛ لأنّ الخيار يثبت للفسخ، فإذا تفاسخا أجبرهما القاضي على إعادة القسمة، فلم يكن في ذلك فائدةٌ.
فأمّا خيار العيب، فيثبت (^٢) في القسمة بكلّ وجهٍ؛ لأنّ القسمة موضوعةٌ للتعديل [فإذا ظهر العيب بنصيب أحدهما، فلم يقع التعديل من الحاكم، فوجب أن يفسخ لتحصيل التعديل] المستحَقّ.
قال: وما يرجع بنقصان العيب فيه [في المبيع]، رجع بمثل ذلك في القسمة، إلا أنّه يرجع على شريكه بنصف ما نقص نصيبه ذلك العيب؛ لأنّ الردّ بالعيب واجبٌ في القسمة كما يجب في البيع، فإذا تعذّر الردّ من طريق الحكم، وجب الرجوع بنصف النقصان، وإنّما رجع بنصف النقصان؛ لأنّ ما يأخذه يأخذ بعضه بحقّ الملك، وبعضه عوضًا عمّا له في يد الآخر، فما كان من نصيب نفسه لا يرجع به، وما كان من نصيب شريكه يرجع به (^٣).
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في ب (فيسقط).
(٣) انظر: الأصل، ٣/ ٣٠٣ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٨/ ٤٧٣.
[ ٨ / ٤٦٣ ]