قال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا خرج من المسلمين جيشٌ أو سَرِيّةٌ غازين، فلقوا العدو، فلا بأس أن يُغِيْروا عليهم ليلًا أو نهارًا، وينتهبوهم وإن لم يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنّ الدعوة قد بلغتهم، وهذا على ما قدّمنا أنّ تجديد الدعوة مستحبٌّ، وليس بواجبٍ؛ فلذلك جاز أن يغير عليهم من غير دعوةٍ، وقد بيّنا أنّ النبي ﵊ قال لأسامة: "أغر على أُبْنى (^١) صباحًا، وحرّق" (^٢)؛ ولأنّ المقصود تفريق جمعهم وإزالة الكفر، فإذا أعلمهم تأهّبوا للقتال، وإذا أغار عليهم كان ذلك أمكن منهم.
قال: (ولا يقتلوا صبيًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا، ولا زَمِنًا، ولا أعمى، ولا مُقْعَدًا، [ولا معتوهًا]) فإن فعلوا فقد أساؤوا ولا شيء عليهم في ذلك، وهذا على ما قدّمنا أنّ القتل إنّما يكون فيمن هو من أهل القتال، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
والمقاتلة تكون بين اثنين، والمرأة والمُقْعد والأعمى لا يقاتل؛ ولأنّ النبي ﵊ نهى عن قتل النساء، وعَلَّلَ ذلك حين رأى امرأةً مقتولةً فقال: "أما إنّ هذه لا تقاتل" (^٣)، فصار ذلك تنبيهًا على كلّ من لا يفعل القتال.
_________________
(١) في ب (أبناء الأصفر).
(٢) رواه أبو داود (٢٦١٦)؛ وابن ماجه (٢٨٤٣).
(٣) رواه البخاري (٢٨٥١)؛ ومسلم (١٧٤٤)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩ / ٢٧ ]
وأمّا قوله: إنّهم إن قتلوا هؤلاء فلا شيء عليهم، وقد أساؤوا؛ لأنّ النبي ﷺ لمّا مرّ بامرأةٍ مقتولةٍ أنكر قتلها، ولم يوجب الضمان على قاتلها؛ ولأنّ دماءهم غير مقوّمةٍ؛ لأنّها لم تحرز بدار الإسلام، ولم يحصل لها أمانٌ، فالنهي عن القتل لا يوجب الضمان، كما لو قتل الرجل على وجه المثلة كان منهيًا عنه، ولم يوجب ذلك تقويم الدم.
قال: ولا بأس بأن يحرّقوا حصونهم بالنار، ويغرقوها بالماء، وينصبوا المنجنيق على حصونهم، ويهدموها عليهم؛ لما روي أنّ النبي ﵊ أحرق البويرة، وأمر أسامة أن يُغير ويحرق؛ ولأنّ في ذلك تفريق جمعهم وكسر شوكتهم، فجاز كما يجوز أنواع القتال.
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: لا بأس بتحريق حصونهم وهدمها عليهم، وإن علمنا أنّ فيهم أسيرًا أو تاجرًا (^١).
وقال الحسن بن زياد: لا يجوز ذلك.
وليس هذا بصحيح؛ لأنّ قتالهم واجبٌ، فلا يمنع من ذلك إذا كان فيهم من لا يجوز قتاله، كما لا يمنع لأجل صبيانهم ونسائهم؛ ولأنّا لو توقّفنا [في] (^٢) حصونهم لأجل المسلم أو الأسير لم يجز أن نقدم على تحريق حصونهم أبدًا؛ لأنّا نجوّز أن يكون فيهم مسلمًا.
(ولأنّ خطر قتل المسلم كخطر قتل صبيانهم، فإذا أجاز أن نرميهم وإن كان
_________________
(١) انظر: الأصل ٧/ ٤٥٤، ٤٥٥.
(٢) في أ (على) والمثبت من ب.
[ ٩ / ٢٨ ]
فيهم الصبيان، جاز أن نرميهم وإن كان فيهم مسلمٌ) (^١).
وجه قول الحسن: أنّ قتل الكافر يجوز تركه، وقتل المسلم لا يجوز الإقدام عليه، فاجتمع الحظر والجواز، فكان الحكم للحظر.
وقال أبو حنيفة: إذا حاصر المسلمون مدينةً من مدائن المشركين، فقام المشركون على سور مدينتهم ومعهم أطفالٌ من أطفال المسلمين يتترّسون بهم، كان للمسلمين أن يرموهم بالمَنْجَنِيق والنُّشّاب والنَّبْل يتعَمَّدُون بذلك المشركين، ولا يتعمّدون بذلك (^٢) الأطفال، وكذلك القوم على قرار الأرض ومعهم أطفالٌ (من أطفال المسلمين يتترّسون بهم، كان للمسلمين أن يرموهم بالمنجنيق والنشاب والنبل، يتعمّدون بذلك المشركين، ولا يتعمّدون بذلك الأطفال (^٣).
وكذلك القوم على قرار الأرض ومعهم أطفالٌ) (^٤) يتترسون بهم، وهم يتضاربون بالسيوف، ويطعنون بالرِّماح، فإنّهم يتعمّدن بذلك المشركين ولا يتعمّدون به أطفال المسلمين، فما أصابوا من جميع الذي أمروا أن لا يتعمدوه، فلا دية عليهم ولا كفارة، وكذلك ما أصابوا من المسلمين المستأمنين، وممّن أسلم في دار الحرب، فلا دِيَة عليهم ولا كفارة، وهذا (^٥) قول أبي يوسف.
قال الحسن: وفيها قولٌ آخر: إنّ ما أصابوا من أطفال المسلمين أو ممّن أسلم هناك، أو من الأسرى، فعلى الذي أصابه الكفارة، وعليه الدية إن كان
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) انظر: الأصل ٧/ ٤٣٨، ٤٥٥.
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) في ب (وهو).
[ ٩ / ٢٩ ]
أسيرًا أو تاجرًا، وإن كان أسلم منهم فلا دية له.
وجه قولهم: أنّا لو امتنعنا من الرمي لتترّس المشركين بمن لا يجوز قتله، فلم نتوصّل إلى قتلهم أبدًا؛ لأنّهم إذا علموا ذلك تترّسوا بأطفالهم، وما أدى إلى إسقاط القتل لم يجز فعله.
ولأنّا قد دلّلنا على جواز رمي الحصن بالمنجنيق وتحريقه، وإن كان فيهم أسيرٌ، فكذلك يجوز أن نرميهم وإن تترّسوا بالأطفال.
وإذا ثبت أنّ الرمي جائزٌ مع العلم بحال المُرْمَى، لم يجب بالرمي كفّارةٌ ولا ضمانٌ، كرمي الحربيّ والمرتد.
وإنّما قال: إنّهم يقصدون بالرمي الكافر دون المسلم؛ لأنّ المسلم (^١) لا يجوز اعتماد قتله، وإنّما يجوز رمي الكافر، وإن أدى ذلك إلى إصابة المسلم، (فوجب أن ينوي الرامي رمي من يجوز قصده دون غيره) (^٢).
وجه قول الحسن: أنّ قتل الكافر يجوز تركه، وقتل المسلم لا يجوز الإقدام عليه، فاجتمع الحظر والإباحة، فكان الحظر أولى.
وإذا ثبت أنّ الرمي ممنوعٌ منه، صار كقتل المسلم ابتداءً في دار الحرب، فتجب الكفارة، أسيرًا كان أو تاجرًا أو مسلمًا أسلم منهم.
فأمّا الدية، فلا تجب فيمن أسلم منهم هناك؛ لأنّه لم يحرز دمه بدار الإسلام، فلا يتقوّم، وأمّا الكفارة، فواجبةٌ في الجميع.
_________________
(١) (لأن المسلم) سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين في ب (فوجب أن يقصد بالرمي من يجوز قصده دون غيره).
[ ٩ / ٣٠ ]
وقال أبو حنيفة: إن كان مع المشركين امرأةٌ تقاتل، أو مجنونٌ، أو زَمِنٌ، أو شيخٌ كبيرٌ، فلا بأس أن يقتله المسلمون، وذلك لأنّا نقتل الرجال وإن لم يقاتلوا؛ لأنّهم من أهل القتال، فمن قاتل (^١) أولى بالقتل؛ ولأنّا لا نقاتل النساء والصبيان؛ لأنّهم من غير أهل القتال، فإذا قاتلوا صاروا كغيرهم (^٢).
قال أبو حنيفة: وإن طعن بعض المسلمين برُمْحٍ وأنفذ في جوفه، فلا بأس بأن يمشي فيه المسلم إلى من طعنه بالرمح حتى يقتل طاعنه؛ وذلك لأنّ هذا فيه إعزازٌ للإسلام، ونكايةٌ للمشركين، فلا يمنع [منه] وإن كان فيه تلف النفس، كما لا يمنع المسلم من الحمل على الجماعة الكثيرة وإن علم أنّه يُقتَل، إذا كان في ذلك نكايةٌ في العدو.
وقد روي أنّ النبيّ ﵊ رأى كتيبةً من اليهود، فقال: "من لي بهذه الكتيبة؟ "، فقال: وهب بن قابوس: أنا لها، فحمل عليهم حتى فرّقهم، (ثمّ رأى النبيّ ﵊ كتيبةً أخرى فقال: "من لي بهذه؟ " فقال وهبٌ: أنا، فحمل عليهم ففرّقهم) (^٣)، ثم رأى ﵊ كتيبةً أخرى فقال مثل ذلك، فحمل عليهم وهب، فقتلوه ﵀ (^٤).
وروي: "أنّ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح حَمِيّ الدِّبْر لمّا هرب عنه أصحابه، وقف فقاتل حتى قُتِل" (^٥)، فهذا يدلّ على أنّ الخطر بالنفس والتعرّض
_________________
(١) في ب (فعل القتال).
(٢) انظر: الأصل ٧/ ٤٥٥.
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٤٧).
(٥) رواه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري (٣٧٦٧).
[ ٩ / ٣١ ]
للقتل غير محظورٍ إذا كان في ذلك إعزاز الدين.
وقال أبو حنيفة: وإن غزا المسلمون في البحر والسفن، فأحرق العدو السفينة والمسلمون فيها، فلا بأس أن [يطرح] (^١) المسلمون أنفسهم في البحر إذا خافوا أن يحترقوا بالنار، ولا بأس بأن يثبتوا في السفينة [حتى تحرقهم النار، وأيّ ذلك فعلوا فهم منه في سعةٍ] إذا لم يمكنهم أن يتخلّصوا من النار، فإن أمكنهم مع إلقاء أنفسهم أن يسبحوا حتى يخرجوا إلى الجَدِّ (^٢)، فلا ينبغي لهم حينئذٍ أن يثبتوا في السفينة، وهذا قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمدٍ والحسن.
أمّا إذا غلب على ظنّهم (أنّهم إذا ثبتوا سَلِموا، أو غلب على ظنّهم) (^٣) أنّهم إن ألقوا أنفسهم [في] الماء سلموا، وجب عليهم ذلك؛ لأنّ إحياء النفس واجبٌ إذا علم ذلك أو غلب على ظنّه، فمتى دُفِع إلى أحد أمرين كان اختيار ما فيه السلامة واجبًا.
وأمّا إذا كانوا إن أقاموا في السفينة احترقوا، وإن وقعوا في الماء غرقوا، فهم بالخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف (^٤): إن شاؤوا أقاموا في السفينة، وإن شاؤوا وقعوا في الماء.
وقال محمدٌ: لا يجوز لهم أن يلقوا أنفسهم في الماء.
وجه قولهما: أنّهم قد دُفعوا إلى التلف بأحد وجهين، فكان لهم اختيار
_________________
(١) في أ (يطيح) والمثبت من ب.
(٢) أي الشاطئ. انظر القاموس المحيط (جدد).
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) (وأبي يوسف) سقطت من ب.
[ ٩ / ٣٢ ]
الأسهل، كما لو قال لهم العدو: إن شئتم قتلناكم بالسيف، وإن شئتم بالنار، كان لهم اختيار الأسهل؛ ولأنّهم يضطرون من جهة العدو إلى إلقاء أنفسهم في الماء من خوف النار، فكأنّ العدو أكرههم على ذلك.
وجه قول محمدٍ: أنّهم إذا بقوا في السفينة تلفوا بفعل الكافرين، وإذا وقعوا في الماء تلفوا بفعل أنفسهم، فلم يجز أن يفعلوا ما يؤدي إلى التلف ويتركوا السبب الحاصل من جهة الكفار.
قال محمدٌ: في السِّيَر الكبير: إذا ظهر المسلمون على أهل الحرب في قريةٍ أو مدينةٍ، فلا ينبغي أن يقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا شيخًا فانيًا، ولا معتوهًا، ولا راهبًا في صومعةٍ، ولا سائحًا في جبال يأويها لا يخالط الناس، ولا قومًا في ديرٍ ولا كنيسةٍ قد طيّنوا عليهم الباب وترهبوا فيه، ولا أعمى، ولا مقعد، ولا يابس الشق، ولا مقطوع اليد والرِّجل من خلافٍ، ولا مقطوع اليد اليمنى، وقد بيّنا الكلام على الصبيّ والمرأة، فكذلك الباقون؛ لأنّهم ليسوا من أهل القتال.
فأمّا الراهب والسائح إذا لم يخالط الناس، لم يكن منه ضررٌ على المسلمين؛ لأنّه لا يقاتل ولا يجتمع مع النساء فيلقح؛ فلذلك لم يقتل.
قال: وإن قتل رجلٌ من المسلمين منهم أحدًا فلا شيء عليه من ديةٍ ولا قيمةٍ ولا كفّارةٍ، وعليه الاستغفار؛ وذلك لما قدّمنا أنّ حظر القتل لا يوجب تقويم الدم، كالحربيّ إذا قتل على وجه محظورٍ.
فأمّا الاستغفار؛ فلأنّ قتلهم معصيةٌ، فيستغفرون [الله تعالى] منها كسائر المعاصي.
[ ٩ / ٣٣ ]
قال: وللمسلم أن يقتل الرجل يجنّ ويفيق، والأخرس، والأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين، وإن لم يقاتل منهم أحدٌ؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل القتال، ألا ترى (^١) أنّ قطع يد اليسرى لا يمنع من القتال باليمنى، وقطع إحدى الرجلين لا يمنع من الركوب والقتال، وكذلك الأصم والأخرس، وإذا كانوا من أهل القتال قُتِلوا.
ولا بأس بأن يقتل القسيس والشَّمَامِسَة (^٢) والسياحين الذين يخالطون الناس؛ وذلك لأنّهم إذا خالطوا الناس فهم من أهل القتال، والحربيّ إذا كان من أهل القتال قُتِل وإن لم يقاتل.
قال: ولا ينبغي للمسلمين إن كانت بهم قوّةٌ على أَسْرهم وحملهم أن يدعوا النساء حتى يخرجوهنّ إلى دار الإسلام، وكذلك الصبيان؛ لأنّ النساء إذا تركوا في دار الحرب كان فيهنّ تقويةٌ للكفار، وكذلك الصبيان يبلغون فيقاتلون، وفي حملهم منفعةٌ للمسلمين [في تكثير الفيء، وما كان فيه إلحاق مضرّةٍ بالعدو وتحصيل منفعةٍ للمسلمين] ففعله واجبٌ.
قال: والشيخ الفاني الذي لا قتال عنده ولا هو ممّن يلقح، ولا ممّن له منفعةٌ، إلا أن يفادى به، فإن شاؤوا أسروه وأخرجوه إلى دار الإسلام، وإن شاؤوا تركوه؛ وذلك لأنّه لا منفعة فيه للعدو ببدنه ولا برأيه، ولا يلقح فيكثر به نسلهم، فجاز لهم تركه حين لم يجز [لهم] قتله.
_________________
(١) (ألا ترى) سقطت من ب.
(٢) الشَّمَامِسَة جمع الشَّمَّاسِ: من يقوم بالخدمة بالكنيسة ومرتبته دون القِسِّيس". المعجم الوجيز (شمس).
[ ٩ / ٣٤ ]
وأمّا حمله إلينا فيجوز على قول من يرى المفاداة بالأسرى، فأمّا من لا يرى ذلك فلا فائدة في حمله.
قال: ولا يتركوا المعتوه؛ لأنه يلقح، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النسل تكثيرٌ لعدد الكفار، فقطعه أولى.
قال: وينبغي أن يأسروا الأعمى، والمُقْعَد، واليابس الشق، والمقطوع اليد والرجل من خِلافٍ، والأقطع اليد اليمنى؛ وذلك لأنّ هؤلاء لا يجوز قتلهم على ما قدّمنا، وفي تركهم منفعةٌ للكفار؛ لأنّهم يطؤون النساء، فيكثر عدد الكفار بنسلهم.
قال: وكلّ من كان (^١) للمسلمين أن يقتلوه، فلهم أن يأسروه ويسترقّوه إن شاؤوا؛ وذلك لأنّ الرأي في أهل الحرب إلى الإمام، فإن كان قتلهم أنكى في العدو وأنفع للمسلمين قَتَلَهم؛ لأنّ النبيّ ﷺ قتل بني قريظة، وإن كان استرقاقهم أنفع، فعل ذلك.
فأمّا من لا يجوز قتله إذا لم يقدر المسلمون على نقله (^٢)؛ لأنّهم جريدة خيلٍ، فليدعوه ولا يقتلوه؛ لأنّ القتل معصيةٌ، فلم يجز أن يُتوصَّل إلى أذية الكفار بفعل معصيةٍ.
قال: والعجائز اللاتي لا يرجى ولادهنّ، إن شاؤوا أسروهنّ، وإن شاؤوا تركوهنّ؛ لأنّهنّ إذا كنّ ممّن لا ينتفع بهنّ في الاسترقاق، فليس في أخذهنّ فائدةٌ، إلا للمفاداة، فيجوز أخذهن على قول من يرى ذلك.
_________________
(١) (من كان) سقطت من ب.
(٢) في ب (حمله).
[ ٩ / ٣٥ ]
قال: وإن كان الشيخ ذا رأيٍ ومشورةٍ في الحرب، فإنّي أكره إذا ظفر به المسلمون أن يتركوه حتى يخرجوه، وأكره للمسلمين أن يفدوه بمالٍ؛ وذلك لأنّ الاستعانة بالرأي في الحرب أكثر من الاستعانة بالقتال، فلم يجز ترك من هذه صفته.
قال: لا يجوز ترك المقاتل.
وقد قَتَلَ المسلمون دُرَيد بن الصِّمّة، وكان شيخًا كبيرًا؛ لأنّه كان من أهل الرأي، وإذا لم يجز تركه فهم بالخيار بين قتله وبين إخراجه.
قال: وإن قاتلت امرأةٌ أو غلامٌ أو مقعدٌ أو حرّض على القتال، وكان ممّن يطاع، فلا بأس بقتلهم، وقد بيّنا أنّهم يُقتَلون إذا قاتلوا، فأمّا إذا حرّضوا أو كانوا ممن يطاع، فقد حصلوا من أهل القتال، ويستضرّ (^١) به المسلمون، فلذلك قُتِلوا (^٢).
قال: ولو أنّ راهبًا في صومعةٍ أو سيّاحًا دلّ المشركين على عورة المسلمين فلا بأس بقتله أو أسره؛ لأنّ الراهب لا يُقتَل لأنه لا يُستضَرّ به لانقطاعه عن الناس، فإذا دلّ على العورة صار الضرر به كالضرر بالمُقَاتِل؛ فلذلك قُتِل.
قال: وإن كان ملك القوم غلامًا صغيرًا، وحاصروا (^٣) الناس، وكان في قتله
_________________
(١) في الأصل (وليس يستضر) فحذف النفي والسياق على ذلك. قال الكاساني: "والأصل فيه أن كل مَن كان من أهل القتال يحل قتله، قاتل أو لم يقاتل، وكل مَن لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله، إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك". البدائع، ٧/ ١٠١.
(٢) يراد بالسيّاح: من ذهب للتعبد والترهب. انظر: المعجم الوسيط (ساح).
(٣) مكان هذه الكلمة بياض في ب.
[ ٩ / ٣٦ ]
كسرٌ لهم أو هزيمةٌ، فلا بأس بقتله، وكذلك لو كانت المرأة مَلِكةً فلا بأس بقتلها؛ وذلك لأنّ في قتل الملك تفريقًا لجمعهم، فالمنفعة بقتله أكثر من المنفعة بقتل الرّجل منهم؛ فلذلك جاز.
ولأنا لو جوّزنا قتلهم إذا تترّسوا بصبيان المسلمين لما في ذلك من التوصّل إلى قتل الكافر، فلأنْ يجوز قتل الصبيّ الكافر ليتوّصلوا بقتله إلى غلبة الكفار أولى.
قال: وإن قُتل من لا ينبغي قتلهم ممّن وصفت لك من الصِّبْيان والنساء والرُّهبان وغيرهم، خطأً أو عمدًا، لم يكن عليهم في قتلهم ضمانٌ ولا كفّارةٌ، ولكن أكره ما صنع إن كان صنع عمدًا، وإن رأى الإمام أن يَدِيه فعل.
أمّا سقوط الضمان والكراهة، فقد بيّناهما، وأمّا الدية إذا رآها الإمام؛ فلأنّ ذلك ممّا يسوغ فيه الاجتهاد، ألا ترى أنه يجوز لقائلٍ أن يقول: إن القتل المحظور يتعلّق به الضمان كقتل المسلم، ومتى رأى الإمام رأيًا يسوغ فيه الاجتهاد فَعَلَهُ.
قال: وإذا قاتلت المرأة من أهل [دار] الحرب مع المشركين، فأخذها المسلمون وهم يقدرون على إخراجها وسَبْيها، فلا بأس بقتلها؛ لأنّها لمّا فعلت القتال صارت من أهله، فهي كالرجل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أسروا.
وكذلك الشيخ الفاني إذا ظفر به المسلمون وقد كان شهد الناس وحرّضهم، وكذلك الأعمى والمُقْعد والرهبان إذا قاتلوا ودلّوا على عورة المسلمين، فلا بأس بقتلهم وأسرهم؛ لأنّهم صاروا من أهل القتال.
فأمّا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل، فلا بأس بقتلهما ما داما يقاتلان أو
[ ٩ / ٣٧ ]
يحرّضان، فإذا صاروا في أيدي المسلمين أسارى فقدر المسلمون على إخراجهما وسبيهما، لم يجز قتلهما وإن كانا قتلا جماعةً من المسلمين؛ وذلك لأنّ الصبيّ والمجنون لا تكليف عليهما، ولا يستحقّان العقوبة بجنايتهما، وإنما نقتلهما إذا قاتلا أو حرضا على طريق الدفع، فإذا أخذناهما فقد زال القتال، فلو قتلناهما، كان القتل عقوبةً، وهما لا يستحقان ذلك، فإن لم يقدر المسلمون على إخراجهما، وغلب في ظنهم أنهم إن تركوهما عادا إلى القتال والتحريض، جاز قتلهما؛ لأنّه يخاف الضرر بتركهما، فصارا كالرجال العقلاء (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل ٧/ ٤٣٦، ٤٥٤ وما بعدها؛ شرح السير الكبير للسرخسي ٥/ ١٤١٥ وما بعدها، ١٥٥٤ - ١٥٦٦.
[ ٩ / ٣٨ ]