قال أبو الحسن: قال محمدٌ في الأصل: قال أبو حنيفة: لا أقسم الحائط، ولا الحمّام، وكذلك البيت الصغير إذا لم يصب واحدًا [منهم] ما ينتفع به، وقد بيّنا ذلك (^١).
قال: ولو كان بيتٌ بين رجلين في أرض رجلٍ قد بنيا فيها بإذنه، ثم أرادا أن يقسما البيت وأن يهدماه، وصاحب الأرض غائبٌ، فلهما ذلك، وأن يهدماه إن اتفقا (^٢) على ذلك، فإن أبى أحدهما لم يُجبَر على قسمته، فإن أخرجهما صاحب الأرض هَدَمَاه؛ وذلك لأنّ البناء لو قسم كان لكلّ واحدٍ من المتقاسمين منع الآخر من بقية ما أصابه، ألا ترى أنّ الأرض مستعارةٌ لهما أو مستأجرةٌ، وكلّ جزءٍ منها حقّهما، ولأحدهما (^٣) أن يمنع الآخر من الانفراد بها، فصارت القسمة تؤدي [إلى] نقض البناء، وذلك ضررٌ على الشريكين، فلا يجوز إلا بتراضيهما (^٤).
فأمّا إذا أخرجهما صاحب الأرض، فالنقض واجبٌ، وذلك لأنَّه ملكٌ مشترك يمكن فيه القسمة، فوجب أن يقسم.
وقال أبو حنيفة: إذا اجتمع صاحبا الحائط على قِسْمَتِه قَسَمْتُه، وكذلك
_________________
(١) انظر: الأصل ٣/ ٢٧٥.
(٢) في ب (اجتمعا).
(٣) في ب (ولكل واحدٍ منهما).
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧٥.
[ ٨ / ٤٦٤ ]
الحمّام؛ لأنّ هذه القسمة فيها ضررٌ عليهما، ولهما فيها منفعةٌ، ألا ترى أنّ كلّ واحدٍ منهما يجوز أن يتّخذ من نصيبه من الحمّام بيتًا، وإذا كان لهما [فيه] ضربٌ من المنفعة، جاز أن يقسم (^١).
فأمّا الحائط فيجب أن يكون محمولًا على أنّهما اقتسماه، فأخذ هذا طائفةً منه، والآخر مثلها، فيجوز كالحمّام، وأمّا إذا أراد نقضه وقسمة آلته، فيجب أن لا يتولى الحاكم [ذلك]، ويتركهما وما اختارا؛ لما فيه من الإتلاف بالنقض.
قال أبو حنيفة (^٢): إذا كان طريقٌ بين قومٍ، إذا اقتسموه كان لكلّ قومٍ طريقٌ نافذٌ، فإنّي أقسم ذلك بينهم إذا طلب واحدٌ منهم وإن أبى الآخر، وإن كان بعضهم لا يجد طريقًا، لم أقسم ذلك بينهم إلا أن يتراضوا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم إذا أصابه ما يمكن الاستطراق فيه، فهذا ملكٌ مشترك لا ضرر في قسمته، فإن كان لا يصيبه ما يستطرق فيه، فالقسمة فيها ضررٌ، فلا يجوز إلا بالتراضي كالحمّام.
قال: وإن كان طريقٌ بين رجلين لو اقتسماه لم يكن لواحدٍ (^٣) منهما فيه ممرٌّ، وكلّ واحدٍ منهما يقدر أن يفتح من منزله بابًا ويجعل طريقه من وجهٍ آخر، فأراد أحدهما قسمته، وأبى الآخر، فإنّي أقسم بينهما؛ وذلك لأن الضرر في الطريق إنما هو لبطلان الاستطراق، فإذا أمكن كلّ واحد منهما أن يستطرق من جهةٍ أخرى، ولم يستضرّ بقسمته هذا الطريق، فوجب أن يقسم.
قال: وإذا كان مسيل ماءٍ بين رجلين، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن كان له موضعٌ يسيل فيه [ماؤه] سوى هذا قسمته بينهما، وإن لم يكن له
_________________
(١) انظر: الأصل، ٣/ ٣٢٥، ٣٢٦.
(٢) في ب (أبو يوسف).
(٣) في ب (لكل واحدٍ).
[ ٨ / ٤٦٥ ]
موضعٌ إلا بضررٍ لم أقسمه، وهذا على ما بيّناه في الطريق.
قال: وإن كان زرعٌ بين رجلين في أرضٍ، [والأرض] لغيرهم، وأرادا قسمة الزرع دون الأرض، وقد بلغ [وسَنْبَلَ] (^١)، لم أقسمه حتى يحصد، فأقسمه بالكيل؛ لأنّه إذا بلغ دَخَله الربا، فالقسمة [فيها يدخله] (^٢) الربا لا تجوز مجازفةً، وقِسْمته قبل الحصاد مجازفةً فيه ربًا، فلم يجز.
وإن كان الزرع بقلًا لم أقسمه؛ لأنّه إذا قسم من غير قطعٍ، فلكلّ واحدٍ منهما منع الآخر [من] تبقية ما أصابه من الزرع لشريكه في موضعه، فصار في القسمة ضررٌ على الشريكين، وإن قطعه القاضي ثم قسمه، ففي قطعه ضررٌ عليهما؛ وذلك لا يجوز إلا بالتراضي.
(قال: وكذلك الزرع بين رجلين في أرضٍ) (^٣) لغيرهما؛ لأنّهما إمّا أن يكونا استأجرا، أو استعارا، [وأيّهما كان] فإذا قسم الزرع فلكلّ واحدٍ منهما منع الآخر من تبقية نصيبه، فيدخل عليهما الضرر.
قال: وكذلك طَلعٌ بين قوم أرادوا قسمة الطلع دون النخل ودون الأرض، فإن اقتسموه وشرطوا تَرْكه، فإن ذلك فاسدٌ، وإن اقتسموا على أن يقطع كلّ واحدٍ منهما ما أصابه، فهو جائزٌ؛ لأنّهما إذا شرطا التبقية، فقد شرط كلّ واحدٍ منهما في القسمة الانتفاع يملك شريكه، وذلك لا يجوز، وإن شرطا القطع، فقد رضيا بإدخال الضرر عليهما، فيجوز.
_________________
(١) في أ (وسمن)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٢) في أ (فيها) والمثبت من ب.
(٣) بدل ما بين القوسين في ب (لأنّ الأرض إذا كانت).
[ ٨ / ٤٦٦ ]
قال: وإن استأذن رجلٌ (^١) منهم أصحابه بعد القسمة في ترك ما أصابه، فأذنوا له في ذلك، فأدرك، وبلغ، فإن الفضل له طيّبٌ؛ وذلك لأنّه لمّا حصل بإذنهم، فقد حصل له النماء من غير وجهٍ محظورٍ، فيطيب، وإن تركه بغير إذنهم تصدّق بالفضل؛ لأنّه حصل له من وجهٍ محظورٍ.
قال: وإن كان ثوبٌ بين رجلين، أراد أحدهما قسمته وأن يشقّ نصيبه منه وأبى الآخر، لم أجبره على ذلك، ولم أقسمه بينهما، وكذلك السيف والخاتم والإناء الفضة والذهب (^٢)، والشَّبَه (^٣) والصُّفْر (^٤)، وذلك لأنّ القسمة لا تمكن إلا بإتلاف جزءٍ منه بالقطع، فلا يجوز للحاكم أن يتولّى ذلك، وإن تراضيا فإنّما يتولّيان ذلك بأنفسهما (^٥).
قال: وإن أوصى رجلٌ بصوفٍ على ظهر غنمٍ بين رجلين، فأرادا قسمة ذلك قبل أن يجزّ، لم يقسم، وكذلك اللبن في ضروعها، وأولادها (^٦) في بطونها؛ لأنّ الصوف واللبن يدخلهما الربا، فلا يجوز القسمة فيهما إلا بكيلٍ أو وزنٍ، وذلك لا يمكن مع اتصاله بالأصل، فأمّا الأولاد، فلا يمكن التعديل فيهم قبل الانفصال، والقسمة موضوعةٌ للتعديل.
قال: فإن كان ساجةً (^٧)، أو خشبةً، أو بابًا، أو رحًا، أو دابّةً، أو بعيرًا بين
_________________
(١) في ب (كل واحدٍ منهم).
(٢) في ب (فضة كان أو ذهبًا).
(٣) (الشبه: النحاس الأصفر). القاموس المحيط (شبه)
(٤) (الصُّفر: بالضم، من النحاس، وصانعه الصفار). القاموس المحيط (صفر)
(٥) انظر: الأصل ٣/ ٣٠٧.
(٦) في ب (والأولاد).
(٧) (الساج - بتخفيف الجيم - نوعٌ من الخشب، وهو من أجوده، والواحدة منه ساجةٌ، وجمعه السيجان). تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ١٥٠)، دار الفكر، ط ١٩٩٦ م
[ ٨ / ٤٦٧ ]
رجلين، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن هذا لا يقسم، وكذلك اللؤلؤة والياقوتة والفصّ بين اثنين؛ لأنّ القسمة في هذا لا يمكن إلا بالقطع، وفي ذلك ضررٌ عليهما، فلا يجوز.
[قال: وإن كان لؤلؤًا أو ياقوتًا قسمته؛ لأنّ التعديل في ذلك ممكنٌ من غير ضررٍ].
قال: وإن كان رحلٌ (^١) بين رجلين، أو جوالق، أو بساطٌ، أو شقّ محمل، فإنّي لا أقسمه؛ لما في ذلك من الضرر عليهما جميعًا (^٢).
فإن كانت جُبْنَةٌ (^٣) بين رجلين، فأراد أحدهما قسمتها وأبى الآخر، فإن كان في قطعها ضررٌ [على أحدهما لم أقسمها، وإن لم يكن ضررٌ قسمتها، وإن كان جبنًا كثيرًا قسمته بينهما، وكذلك المصل والبيض والجوز، وإن أبى بعضهم ذلك، وكذلك الثياب المَرَويّة والهَرَويّة والإبل والبقر والغنم والخيل والحمير، أمّا الجبنة الواحدة فإن كان في قطعها ضررٌ]، فهي كالثوب الواحد، وإن كان جبنًا كثيرًا فالتعديل يمكن من غير ضررٍ.
قال: وكذلك نُقْرَة (^٤) فضةٍ أو ذهبٍ، وكلّ ما يوزن من القطن (^٥) والأدهان؛ لما بيّنا.
وكذلك علوٌ بين رجلين، يصيب كلّ واحدٍ منهما ما ينتفع به، والسفل
_________________
(١) في ب (حبل).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) "الجُبْنَة: القرص من الجُبْن". المغرب (جبن).
(٤) "والنُّقْرَةُ: القطعة المذابة من الفضة، وقبل الذوب: هي تبر". المصباح (نقر).
(٥) في ب (العطر).
[ ٨ / ٤٦٨ ]
لغيرهما، وكذلك سفلٌ بين رجلين علوه لغيرهما؛ لأنّ القسمة ممكنةٌ في العلو كما يمكن في السفل، فجازت في (^١) كلّ واحدٍ منهما.
وكذلك اللحم بين رجلين، والزيت، والسمن، والخلّ، والأشربة، والماء [في الإناء]؛ لأنّ التعديل في جميع ذلك ممكنٌ.
قال: فإن كانت بئرٌ بين رجلين (^٢)، أو عينٌ، أو قناةٌ، أو نهرٌ، وليس لهم معه أرضٌ، فإن أراد (^٣) أحدهما القسمة وأبى الآخر، فإنّي لا أقسم ذلك بينهما؛ لأنّ القسمة في البئر والنهر تبطل المقصود لهما، وتدخل الضرر على كلّ واحدٍ من الشريكين، فلم يجز.
قال: فإن كان مع ذلك أرضٌ ليس لها شِرْب إلا من ذلك، قسمت الأرض بينهما وإن أبى أحدهما (^٤)، وتركت القناة والنهر والبئر والعين لكلّ واحدٍ [منهما] شربه منها؛ لأنّ الأرض يمكن قسمتها بغير ضررٍ، والبئر والنهر لا يمكن ذلك فيهما، فتركا على الشركة.
قال: فإن كان كلّ واحدٍ منهما يقدر أن يجعل [لأرضه] (^٥) شربًا من مكان الآخر، وكانت أنهار الأرضين متفرقةً، أو عيونا متفرقةً، أو آبارًا] (^٦)، قسمت ذلك كلّه بينهما، العيون والآبار والأرضين؛ لأنّه يمكن أن يفرد كلّ واحدٍ ببئر
_________________
(١) في أ (في إناء).
(٢) في ب (اثنين).
(٣) في ب (فأراد).
(٤) في ب (أحد منهما).
(٥) في أ (الأرض)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٦) في أ (إذا كان)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
ماءٍ (^١) أو نهرٍ، فلا يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر.
قال: وإذا كان سرجٌ، أو درع حديدٍ، أو مصحفٌ، أو فرسٌ، أو قميصٌ، أو جبَّةٌ، أو طيلسان، أو فراشٌ، أو وسادةٌ (^٢)، أو بساطٌ، أو فسطاطٌ بين رجلين، أراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإنّي لا أقسمه؛ لأنّ القسمة فيها ضررٌ على المتقاسمين جميعًا، فلا يجوز للحاكم أن يفعلها بطلب أحدهما.
وقال أبو حنيفة: لا أجبر واحدًا منهما على أن يبيع نصيبه من شيءٍ ممّا سمّينا، فإن أراد أحدهما البيع وأبى الآخر، فإنّه لا يجبر على البيع، ويقال للآخر: بعْ نصيبك إن شئت أو دَعْ.
وقال مالكٌ فيما لا يمكن قسمته: إذا اختصم (^٣) فيه الشريكان باعه الحاكم وقسم ثمنه بينهما.
[وهذا فاسدٌ]؛ لأنّ البيع من غير رضًا حَجْرٌ، وليس من أصلنا الحجر على البائع العاقل الحرّ؛ ولأنّ في البيع إزالة ملك المالك بغير رضاه، وذلك غير مستحَقّ بالشركة، بدلالة ما يمكن فيه القسمة؛ ولأنّ كلّ واحدٍ منهما [يقدر] على بيع نصيبه على الانفراد، وإنّما يستضرّ؛ لأنّ الثمن يقلّ لأجل الشركة، ومَن لم يملك إلا نصيبًا مشتركًا لا يجوز أن يجبر الآخر على البيع [لينتفع من] (^٤) نصيب شريكه (^٥). [والله أعلم].
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) (أو وسادة) سقطت من ب.
(٣) في ب (اختلف).
(٤) ما بين المعقوفين سقطت من ب، وصورتها في أغير واضحة، وهي أقرب ما تكون لما أُثبت، والسياق يقتضيه.
(٥) انظر: الأصل، ٣/ ٣٢٥ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي، ٨/ ٤٦٧.
[ ٨ / ٤٧٠ ]