قال ابن سَماعة عن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الغنيمة يغنمها المسلمون في دار الحرب من المشركين، كيف تُقسَم؟ وهل تُقسَم في دار الحرب أو بعدما يخرجونها (^١) إلى دار الإسلام؟ فقال: إذا أصاب المسلمون غنيمةً فلا ينبغي أن تقسم في دار الحرب؛ لأنّ المسلمين لم يحرزوها.
وقال أبو يوسف: إن قسم في دار الحرب، جاز، وأحبّ إليّ أن يخرج إلى دار الإسلام فيقسم.
وقال الشافعي: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب (^٢).
لنا: أنّ النبيّ ﵊ قسم غنائم بدر بالمدينة، ولو جاز قسمتها قبل ذلك لم يؤخّرها إلا برضا الغانمين؛ لأنّ الحقّ لا يجوز تأخيره عن مستحقّه مع حاجته إليه إلا بإذنه؛ ولأنّ دار الحرب في حكم يدهم، والمملوك إذا كان في حكم يد من ملك عليه لا يقسم، كالمبيع في يد البائع، والمبيع المقبوض بغير إذن البائع؛ ولأنّ الملك غير مستقرٍّ فيها، بدلالة جواز إسقاط [الإمام] الحقّ عمّا شاء منها.
وبدليل أنّه يجوز الانتفاع بالعلف والطعام، والقسمة لا تجوز إلا في ملكٍ مستقرٍّ؛ ولأنّ القسمة في دار الحرب تضرّ بالمسلمين؛ لأنّ المدد ينقطع طمعهم
_________________
(١) في ب (يخرجوا بها).
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٢٨٢؛ المزني ٢٧٠.
[ ٩ / ٧٩ ]
عن المشاركة، فلا يلحقوهم، فلا يُؤمَن عليهم كرّة الكفّار.
وفيه ضررٌ من وجهٍ آخر: وهو أن يجدوا في دار الحرب ما لا ينقسم على جماعتهم، كالفرس الواحد، والرمح والسيف، فما لم تقسم الغنيمة ضمّ إليها، وإن قسمت وضع في بيت المال، فلا يقسم، وإذا كان في ذلك ضررٌ من هذين الوجهين، لم يجز للإمام القسمة.
والذي روي عن النّبي ﷺ أنّه قسم غنائم حنين (^١) فيها، وقسم غنائم بني المصطلق فيها، فإن تلك البقعة فُتِحَت، وصارت في دار الإسلام، فالقسمة فيها وفي المدينة سواءٌ.
وأمّا قوله: إنّ الإمام إذا قسم، جاز؛ فلأنّ هذا موضعٌ يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا حكم فيه الإمام بأحد وجهي الاجتهاد، نفذ حكمه كسائر مسائل الاجتهاد.
قال: فإن لم يجد الإمام لها حمولةً، قسمها في دار الحرب، وقد قال أصحابنا: إنّ الإمام يفرّقها على الغانمين ليحملوها، ثم يرتجعها في دار الإسلام، فيقسمها، فتكون هذه القسمة قسمة حمل، وليست بقسمة تمليكٍ.
فإن قال أبو يوسف بهذا، فهو قولهم، وإن أراد قسمة التمليك، فكأنّه يقول: الأولى أن يقسم في دار الإسلام، فإذا تعذّر الحمل جاز ترك الأولى للعذر.
قال: وإذا ظهر الإمام (^٢) على بلاد أهل الشرك، فهو بالخيار، يفعل الذي يرى أنّه أفضل وخيرٌ للمسلمين، إن رأى أن يخمّس الأرض والمتاع ويقسم أربعة أخماسه بين الجند الذين فتحوها، فعل، وقسم الخمس على ثلاثة أسهمٍ، وإن
_________________
(١) في ب (خيبر).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٨٠ ]
رأى أن يترك الأرض ويترك أهلها فيها ويجعلهم ذمّةً، ويضع عليهم وعلى أرضهم الخراج، فعل كما صنع عمر بن الخطاب في السواد (^١).
قال أبو الحسن: وهذا إجماعٌ من أصحابنا في الأرض.
والأصل في جواز قسمتها أنّ النبيّ ﷺ قسم خيبر بين الغانمين (^٢)؛ ولأنّ الأرض مالٌ مغنومٌ، فيجوز قسمتها كسائر الأموال، وكذلك الرقاب؛ لأنّ حقّ الرقّ تعلّق بهم، فصاروا في معنى الأموال، فجاز قسمتهم.
وأمّا جواز الترك وإقرارهم على أرضهم بالجزية والخراج؛ فلأنّ النبي ﵊ فتح مكّة فترك ما فيها من سراتها وأموالها، وعملُ مكّة تَجَاوَزَ الحرم، وفيه أموالٌ كثيرةٌ من النخل والشجر والمياه، وافتتح النبيّ ﵊ بني قريظة والنضير فلم يقسم شيئًا منها، وافتتح المسلمون أرض العراق والشام ومصر فلم يقسمها أصحاب رسول الله ﷺ، ووضعوا عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية.
فإن رأى الإمام أنّ ذلك أصلح، جاز أن يفعله اقتداءً بالأئمة الراشدين؛ ولأنّ أهل الأرض قد يكونون أعلم بعمارتها، فإذا قسمت بين المسلمين خربت ولم ينتفع بها، وإذا أقرّ أهلها انتفع بخراجها، فكان ذلك أولى.
قال محمدٌ في السير: فإن أسلم أهلها قبل القسمة، فإن رأى الإمام قسمتهم فهم عبيدٌ؛ لأنّهم أسلموا بعد القهر، وإن رأى أن يتركهم في أرضهم يؤدّون الخراج، فهم أحرارٌ؛ وذلك لأنّ الإمام يثبت له فيهم ثلاث خيارات: إن شاء
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٩٧).
(٢) رواه مسلم (١٥٥١).
[ ٩ / ٨١ ]
قتلهم، وإن شاء استرقّهم، وإن شاء أقرّهم (^١).
والدليل على جواز قتل الأسرى بعد تقضّي الحرب، خلاف ما قال حماد: "أنّ النبي ﵊ قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن [الحارث] (^٢) بعدما حصلا في يديه" (^٣)، وقتل بني قريظة بعد ثبوت اليد عليهم؛ ولأنّه قد لا يؤمن منهم الغدر والعود إلى دار الحرب، ففي قتلهم احتياطٌ للمسلمين.
وإذا ثبت هذا، فمتى أسلموا سقط القتل، كما لو أسلموا قبل الأخذ، فإذا سقط القتل بقي الخيار في [الاسترقاق] (^٤) والإقرار.
ولا يجوز أن يقال: إنّ الاسترقاق لا يجوز أن يبتدأ مع الإسلام؛ لأنّه عقوبةٌ كالقتل؛ وذلك لأنّ الاسترقاق يبتدأ مع الإسلام، بدلالة ولد المملوكَيْن، يثبت الرقّ فيه ابتداءً وهو مسلمٌ؛ ولأنّ حقّ الاسترقاق تعلّق برقابهم بالأخذ، فإذا رآه الإمام استقرّ بالسبب السابق، فكأنّه استرقهم قبل الإسلام.
وقال ابن سَماعة في موضع آخر في النوادر: سمعت أبا يوسف قال في غنيمة العساكر من أهل الشرك: أربعة أخماسها للذين غنموها، يقسم ذلك الإمام بينهم، وأمّا الخمس: فيقسم بين الذين سمّى الله لهم.
وما افتتح عنوةً من القرى والمدائن فالإمام (^٥) في ذلك بالخيار: إن شاء
_________________
(١) انظر: شرح السير الكبير ٣/ ١٠٢٤ وما بعدها.
(٢) في أ (شميل)، والمثبت من ب، وهو الصحيح في الرواية.
(٣) رواه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٠): (فيه عبد الله بن حماد بن نمير، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقاتٌ).
(٤) في أ (الاستقرار)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٥) في أ (بدأ الإمام) بزيادة (بدأ)، وليست الزيادة في ب، والسياق لا يقتضيها.
[ ٩ / ٨٢ ]
خمّسها، وقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها على قسمة الغنيمة، وكان الخمس على خمس الغنيمة بين من سمّاها (^١) الله له، وإن وضع الخمس في صنفٍ واحدٍ من أولئك فإنّه مستقيمٌ، ألا ترى أنّ الصدقة مجزّأةٌ على ثمانية أجزاء في كتاب الله تعالى، وإن وضعها في صنفٍ واحدٍ، فهو مستقيمٌ، وهذا كله قد بيّناه، إلا قوله: إنّ الخمس يجوز وضعه في صنفٍ واحدٍ.
والدليل عليه: أنّ الأصناف جهة الصرف، والمقصود [الفقر]، فجاز أن يدفع إلى صنفٍ واحدٍ [كأخذ] الزكاة.
وإنّما احتجّ أبو يوسف بالزكاة على الخمس؛ لأنّ المسألة كانت إجماعًا في عصره، وإنّما حدث خلاف الشافعي من بعده، ولم يقل بقوله أحدٌ مّمن تقدّمه؛ فلذلك لم يعتدّ بخلافه.
قال أبو يوسف: وهذه الأرضون المفتتحة إذا قسمت، فهي أرض عُشْرُ؛ وذلك لأنّه إذا قسمها، ملكها المسلمون، والحقّ الموضوع حقٌّ يُبتدأ به المسلم، والمسلم يبتدئ بالعشر، ولا يبتدئ بالخراج.
وأمّا إذا أقرّ أهلها عليها فهو على وجهين: إن كانت من أرض العرب، وضع عليها العُشْر؛ لأنّ النبي ﷺ والأئمة من بعده لم يضعوا على أرض العرب خراجًا، فدلّ على أنّها عُشْرِيةٌ.
ولا يقال: أليس قد كان يجوز إقرار أهل الكتاب من العرب على أرضهم، فهلا جاز أخذ الخارج منهم.
قيل له: لم يقرّ أحدٌ من أهل [الكتاب] على المقام في أرض العرب على
_________________
(١) في ب (سمى).
[ ٩ / ٨٣ ]
التأبيد، وإنّما أقرّهم ﵊ إلى مدّةٍ؛ ولذلك أجلاهم عمر، فصار ذلك الإقرار غير مستقرٍّ؛ فلذلك لم يجز وضع الخراج.
وأمّا إذا كانت الأرض من غير [أرض] العرب، وضع عليها الخراج؛ لإجماع الصحابة على وضع الخراج على [أرض] العراق والشام.
قال أبو يوسف محتجًا على جواز ترك القسمة، وقد أنزل الله تعالى في كتابه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] فهم (^١) الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فهذه إلى يوم القيامة.
بلغنا أنّ عمر تأوّل هذه الآية فيما ترك من ذلك (^٢)، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ عمر احتجّ على من طالبه بقسمة السواد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال: لو قسمته بينكم لم يبق لمن بعدكم حقٌّ، فرجعوا إلى قوله وأجمعوا عليه.
قال أبو الحسن وليس في الجزية خمسٌ، وكذلك القرى إذا تركت في أيدي أهلها، واستدلّ على ذلك بأن رسول الله ﷺ أخذ الفدية من أهل نجران، والجزية من مجوس هجر (^٣)، فلم يكن في ذلك خمسٌ، وكان ذلك بين جماعة المسلمين، وفرض على أهل اليمن على كلّ حالمٍ دينارًا (^٤)، ولم يكن في ذلك خمسٌ.
_________________
(١) في ب (فهؤلاء).
(٢) رواه أبو داود (٢٩٦٦).
(٣) رواه البخاري (٢٩٨٧).
(٤) رواه أبو داود (١٥٧٦)؛ والترمذي (٦٢٣) وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ)؛ والنسائي (٢٤٥٢).
[ ٩ / ٨٤ ]
وهذا استدلالٌ صحيحٌ، وهو إجماع الأمّة حتى قال الشافعي قولًا خرج به عن الإجماع: إنّ الجزية فيها خمسٌ، وهذا خلافٌ غير معتدٍّ به؛ لما ذكرنا من الخبر والإجماع.
قال أبو الحسن: وهذا قولٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم، ولا أفتى به إلا بعض المتأخرين بعد سنة مائتين، وقال أقوالًا خالفَ فيها الأمّة (^١).
منها: أن مكة افتتحت صلحًا، وهذا غير صحيحٍ؛ لأنّ المرجع في الفتوح وصفتها إلى أهل السيرة، وقد أجمعوا على أنّ مكة افتتحت عنوةً، فلم يجز القول بما يخالف النقل المستفيض؛ ولأنّ الله تعالى منَّ على نبيه بالفتح والتمكين من قريش والغَلبة، فلو كان دخلها صلحًا لم يكن ذلك فتحًا ولا غلبةً؛ ولأنّه ﵊ دخلها مقاتلًا وعليه مغفرٌ وعبّأ العسكر، وقاتل خالد بن الوليد الناس في أسفل مكة، فقيل للنبي ﵊: "إن قريشًا أوبشت أوباشها"، فقال: "احصدوهم حصدًا حتى تلقوني على الصفا" (^٢)، فقال شاعرهم:
إنّك لو شهدتنا بالخندمة … إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
أبو يزيد كالعجوزِ المؤتمة … وجلدتنا بالسيوف المسلمة
لم تنطقي في اللّوم أدنى كلمة (^٣)
وقال النبي ﵊ بعدما دخل مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن
_________________
(١) في ب (الأئمة).
(٢) رواه مسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) الأبيات لحماس بن قيس بن خالد البكري، ويقال: هي للمرعاش الهذلي يخاطب امرأته حين لامته على الفرار من المسلمين. انظر: فتح الباري (٨/ ١١).
[ ٩ / ٨٥ ]
تعلق بأستار الكعبة فهو آمنٌ، ومن ألقى سلاحه فهو آمنٌ" (^١)، فلو كان الصلح قد سبق وقبل الأمان القوم، ودخل ﵊ على ذلك لم يكن لهذا القول معنًى.
وروي أنّه وقف على باب البيت وقال: "ما تدرون أنّى صانعٌ بكم؟ " فقالوا: ابن أخ كريم، ملكت فاصنع ما شئت، فقال لهم: "أقول لكم ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم" (^٢)، ولو كان دخل صلحًا لم يجز أن يقولوا (^٣): اصنع ما شئت.
[وقد] تعلّق الشافعي في هذه المسألة بما شرطه النبي ﵊ لأبي سفيان، ولا حجّة [له] فيه؛ لأنّه لم ينقل أنّ القوم قبلوا ذلك، ولو قبلوه لم يحتج إلى تجديده بعد الدخول، فصار وجود ذلك وعدمه سواءً.
ولا يقال: إنّ النساء خرجن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فاستنشد النبي ﵊ أبا بكر ﵁ أبيات حسان، وهي:
[ينازعن الأسنة مشرعاتٍ] (^٤) … على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا ممطرات … تلطمهن بالخمر النساء
وهذا هو الحجّة عليهم؛ لأنّ النساء يفعلن ذلك تعييرًا للرجال بترك القتال، وتحريضًا لهم، ويضربن وجوه الخيل بالخمر كما كان الرجال يضربونها بالسيوف، وليس في ذلك دلالةٌ على الصلح، بل هو دليل على ضده. [والله أعلم] (^٥).
_________________
(١) هو من الحديث قبله، مسلم (١٧٨٠).
(٢) رواه النسائي في الكبرى (١١٢٩٨).
(٣) في ب (يقول).
(٤) في أ، ب (ينازعن الأعنة مسرعات …)؛ وفي صحيح مسلم (يبارين الأعنة مصعدات) (٢٤٩٠)؛ والمثبت من السنن الكبرى ١٠/ ٢٣٨.
(٥) انظر: الأصل ٧/ ٤٣٩ وما بعدها.
[ ٩ / ٨٦ ]