قال: وإذا أصاب المسلمون غنائم في دار الحرب، فلم يخرجوا إلى دار الإسلام، فلا بأس أن يأكلوا ما كان مأكولًا، ويشربوا ما كان مشروبًا، ويعلفوا دوابّهم ما كان فيه من العلف؛ وذلك لما روى عبد الله بن المغفّل قال: "دُلّي عليّ جرابٌ من شحمٍ يوم خيبر، فأتيته فالتزمته وقلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليوم شيئًا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم" (^١).
وعن ابن عمر: "أن جيشًا غنموا في زمان النبي ﵊ طعامًا وعسلًا فلم يأخذ منهم الخمس" (^٢).
وعن ابن أبي أوفى: "إنّ الطعام يوم خيبر لم يخمّس، كان الرجل إذا احتاج إلى شيء ذهب فأخذه" (^٣).
وروي أنَّ أمير الجيش بالشام كتب إلى عمر: إنا دخلنا إلى أرضٍ كثيرة الطعام، وإنّي كرهت أن أقوم على شيءٍ إلا بأمرك، فكتب إليه: (مرهم فليأكلوا وليعلفوا، ولا [يبيعوا] (^٤) بذهبٍ ولا فضّةٍ، فمن باع بذهبٍ أو فضّةٍ وجب فيه الخمس) (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٨٤)، ومسلم (١٧٧٢).
(٢) رواه أبو داود (٢٧٠١)؛ وصححه ابن حبان حديث (٤٨٢٥).
(٣) رواه أبو داود (٢٧٠٤).
(٤) في أ (تنتفعوا)، والمثبت من ب.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٦٠).
[ ٩ / ٩٨ ]
ولأنّ المسلمين يتعذّر عليهم حمل الطعام والعلف من دار الإسلام، ولا يبيعهم أهل الحرب، فلو لم يَجُز أن يأكلوا ويعلفوا، ضاق عليهم الأمر، وهذا لا يصحّ؛ ولأنّ الطعام لا يقع فيه الممانعة في الغالب، ولا يمكن حمله إلى دار الإسلام؛ لأنه يفسد، فلذلك جاز الانتفاع به.
وقد قال أصحابنا: إنّه يجوز للفقير والغني الانتفاع به؛ لأنّه على أصل الإباحة كسائر المباحات.
قال: ولا ينبغي أن يبيعوا شيئًا من ذلك بذهبٍ ولا فضّةٍ ولا عروضٍ، وإن باعوا شيئًا من ذلك فليردّوه إلى المغنم؛ وذلك لأنّه أبيح لهم الانتفاع به للحاجة، فلم يجز لهم البيع، كمن أباح الطعام لغيره، وإنّما وجب ردّ الثَّمَن إلى الغنيمة؛ لأنّه صار مالًا يقع فيه التمانع كسائر الغنيمة.
قال: فإن لم يبيعوه وخرجوا بشيء من ذلك إلى دار الإسلام (^١)، ردّوا ما كان في أيديهم من ذلك إلى الغنيمة إن كانت [لم] تقسم؛ وذلك لأنّهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام زالت الحاجة؛ لأنّه لا يتعذّر عليهم فيها الطعام والعلف، والإباحة إذا تعلّقت بشرطٍ زالت بزواله؛ ولأنّ الانتفاع لا يجوز بعد استقرار الحقّ، وقد استقر حقّ الغانمين بالحيازة حتى يورث عنهم، فلم يجز لبعضهم أن ينتفع بشيءٍ منه إلا بإذنهم.
قال: فإن كانت القسمة وقعت تصدّقوا بذلك إن كانوا أغنياء، وإن كانوا محتاجين انتفعوا به؛ لأنّه لا يمكن أن يقسم ذلك بين جماعة أهل (^٢) العسكر،
_________________
(١) في ب (وأخرج ذلك إنسان إلى دار الإسلام).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٩٩ ]
فصار كمالٍ لا يمكن إيصاله إلى مستحقّه، فيتصدّق به كاللُّقَطة، وإن كان الذي هو معه محتاجًا انتفع به كما ينتفع الفقير باللقطة، وإن كان غنيًا تصدّق به.
قال: فإن انتفعوا بذلك بعد خروجهم إلى دار الإسلام بأكلٍ أو شربٍ أو علفٍ لدوابّهم، فينبغي له إن (^١) كان غنيًا أن يتصدّق بقيمته بعد القسمة، ويردّه إلى المغنم قبل القسمة، وإن كان فقيرًا ردّه قبل القسمة، ولم يلزمه بعد القسمة شيءٌ؛ وذلك لأنّه انتفع مما تعلّق به مما تعلّق به حق غيره، فكان مضمونًا عليه.
فإن كان غنيًا والقسمة لم تقع، فقد أمكن إيصاله إلى مستحقّه، فيرده إلى الغنيمة، وإن وقعت القسمة فقد تعذر إيصاله إلى مستحقّه، فيتصدّق به، وأمّا الفقير فيردّه قبل القسمة؛ لأنّه حقٌّ للغير قد لزمه إيصاله إليه، وإن كان بعد القسمة لم يتصدّق به؛ لأنّه لو تصدّق به لتصدّق على من هو في مثل حاله.
قال: ولا بأس بما كان مأكولًا مثل السمن والزيت والخلّ أن يدّهن به الرجل في دار الحرب، ويمرّخ به دابّته؛ وذلك لأنّه انتفاعٌ في فرسه ونفسه، فهو كالأكل والعلف.
وقد استدلّ محمدٌ على هذا فقال: إذا جاز له الأكل منه، جاز الإدهان، ألا ترى أنّه لو مسح قصعته بعد الأكل فادّهن بها جاز، [قال]: فكذا قبل الأكل.
قال: وما كان من الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخِيرِيّ وما أشبههما، فلا ينبغي أن يُنتفع به، ويُردّ إلى الغنيمة؛ لأنّ هذا ليس بمأكولٍ، وإنما يستعمل للزينة والتطيّب، فهو كالثياب.
_________________
(١) في ب (فينبغي لمن).
[ ٩ / ١٠٠ ]
قال: وكلّ شيءٍ لا يؤكل ولا يشرب فلا ينبغي أن ينتفع بشيءٍ منه قلّ أو كثر، لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "ردوا الخيط والمخيط" (^١)، وهذا تنبيهٌ على ما زاد عليه.
قال: وإذا انقطع سيف الرجل وهو يقاتل، أو انكسر رمحه، فلا بأس أن يأخذ سيفًا من سيوف العدو (التي قد غلبوا عليها) (^٢) فيقاتل به، فإذا استغنى عنه ردّه، وكذلك إن دعته حاجةٌ إلى ركوب فرسٍ من الغنيمة ليقاتل عليه، فلا بأس أن يفعل ذلك، فإذا زالت الحاجة عنه ردّه إلى الغنيمة؛ وذلك لأنّ الانتفاع بالقتال بسلاحهم أكثر من الانتفاع بالعلف والأكل، فإذا جاز أحد الأمرين، جاز الآخر؛ ولأن الرجل لو رُمي بسهمٍ أو حربةٍ فأصابته وليس في يده سلاح، لم يمنع أن يأخذها ويدفع بها عن نفسه وإن كان انتفع بسلاحهم، فكذلك ما غلب عليه.
قال: ولا ينبغي أن يستعمل شيئًا من السلاح ولا الدوابّ ليقي بذلك سلاحه ودوابّه، ولا يلبس ثوبًا يقي بذلك ثيابه، حتى إذا حسر الدابّة وأخلق الثوب ردّه في الغنيمة؛ وذلك لما روي عن النبي - عليه الصلاة السلام - أنّه قال: "إياكم وربا الغلول" مرّتين، قالوا: يا رسول الله، وما ربا الغلول؟ قال: "أن يركب دابّةً حتى تحسر قبل أن تؤدّى إلى المغنم، أو يلبس ثوبًا حتى يخلق قبل أن يؤدى إلى المغنم" (^٣)، ولأنّ هذا انتفاعٌ بالمال من غير حاجةٍ، فكما لا يجوز أخذه من غير حاجةٍ لا يجوز الانتفاع به.
قال: وإذا وجد رجلٌ من الجيش في دار الحرب شيئًا من المباح ليس في
_________________
(١) رواه أحمد (٢٢٧٥١)؛ والنسائي (٤١٣٨)؛ وصححه ابن حبان حديث (٤٨٥٥).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٢٢)، من طريق الأوزاعي عن بعض أصحابه عن النبي ﷺ.
[ ٩ / ١٠١ ]
يد إنسانٍ منهم، مثل المعادن والكنوز والخشب والسمك والطير، وسائر المباحات التي لها قيمةٌ في دار الحرب، أو في دار الإسلام إذا أخرجت إليها، فذلك كلّه في الغنيمة؛ وذلك لأنّه وصل إليهم بظهيرهم ومعونتهم، وهو مالٌ، فصار كسائر الأموال التي ينفرد بأخذها، وإن لم يكن له قيمةٌ في دار الحرب ولا في دار الإسلام، فهي له؛ وذلك لأنّ ما لا يتقوّم ليس بمالٍ، ولا يقع فيه التمانع، فيصير كالتراب.
قال: ولا يدخل في هذا الكلأ ولا الماء؛ وذلك لمن أخذه؛ لأنّ النبي ﵊ قال: "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" (^١).
قال: وإن أخذ شيئًا [ممّا] له قيمةٌ في دار الحرب مثل الخشب فعمله آنيةً [أو غير ذلك]، (ردّه في الغنيمة؛ وذلك لأنّه مالٌ في نفسه، والعمل فيه ليس بمالٍ متقوّمٍ، فكأنّه باقٍ على حاله.
قال: وإن أخذ شيئًا لا قيمة له في دار الحرب، فعمله قدحًا أو إناءً) (^٢) فهو له؛ لأنّه ليس بمالٍ، وإنما صار مالًا بفعله، فملكه.
قال: وما استهلكه من ذلك كلّه في دار الحرب ممّا له قيمةٌ، أو ليس له قيمةٌ، أو ممّا يجوز أن ينتفع به، أو لا يجوز، فذلك كلّه هَدَرٌ، [فمن] (^٣) استهلكه من الناس [لا يضمن شيئًا من ذلك]؛ لأنّ الحق فيها لم يستقرّ، فصار كأنّه أتلفه على أهل الحرب.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٤٧٣)؛ وقال ابن حجر: سنده صحيحٌ. انظر: التلخيص الحبير (٣/ ٦٥).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في أ (عمّن) والمثبت من ب.
[ ٩ / ١٠٢ ]
قال: وإذا دخل التجّار مع العسكر، لا يريدون القتال، لم يجز للتجار أن يأكلوا من الغنيمة إلا بثمنٍ ولا يعلفوا، فإن فعلوا فلا ضمان عليهم.
وما لم يستهلكوه أُخِذ منهم فردّ في الغنيمة؛ لأنّ التاجر لا حقّ له في الغنيمة، فلا يجوز له الأكل منها، كما لا سهم له فيها، إلا أنّه إذا استهلك شيئًا لم يضمنه؛ لأنّ حقّ المسلمين لم يستقرّ فيه، وما بقي في يده بعينه أُخِذ منه؛ لأنّه أخذه بغير حقٍّ، وأمّا العسكر فلا بأس أن يطعموا عبيدهم إذا دخلوا معهم ليعينوهم على سفرهم.
وكذلك نساءهم وصبيانهم؛ لأنّ هؤلاء نفقتهم واجبةٌ على المقاتل، فما يطعمهم كالواصل إليه، فكأنّه أكله بنفسه.
وأما الأجير للخدمة، فلا يأكل؛ لأنّ نفقته لا تجب على المقاتل، وإنّما يستحقّ الأجرة، فهو كالتاجر.
قال: وإذا دخل النساء لمداواة المرضى والجرحى، أكلن وأعلفن وأطعمن رقيقهنّ؛ لأنّ المرأة لها (^١) حقٌّ في الغنيمة، ألا ترى أنّه يُرضَخ لها، وإن كان لا يُسهم، فصارت كالرجال.
قال: وإذا ذبحوا البقر والغنم فأكلوا لحمها ردّوا الجلود إلى الغنيمة؛ لأنّ الجلد مالٌ [لا] يُحتاج إليه للأكل والعلف، وإنما يحفظ ويدّخر، فصار كالثياب (^٢).
_________________
(١) في ب (لأنّ لهنّ).
(٢) انظر: الأصل، ٧/ ٤٤٣ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ٢٥ - ٢٧.
[ ٩ / ١٠٣ ]