قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: ليس للعبد المأذون أن يكاتب عبدًا من عبيده ولا أمةً من إمائه، إلا أن يجيز ذلك المولى ولا دين عليه؛ وذلك لأنّ الإذن يقتضي التصرّف في التجارة، والكتابة ليست من التجارة، وما لم يتناوله الإذن [فهو فيه] باقٍ على أصل الحجر، أصله التزويج (^١).
وأمّا إذا كاتب ولا دين عليه فأجاز المولى، جاز؛ لأنّ هذا العقد له مجيزٌ؛ بدلالة أنّ المولى يملك ابتداء الكتابة، فوقف العقد على إجازته، فإذا أجاز فمال الكتابة للمولى لا سبيل للعبد على قبضه؛ وذلك لأنّ حقوق عقد الكتابة لا يتعلّق بالعاقد، وإنّما يتعلّق بالمعقود له، وقبض المكاتبة من حقوق العقد، فيملكها المولى دونَ العبد.
قال: فإن دفع المكاتب إلى العبد، لم يبرأ منها، إلا أن يوكله المولى بقبضها؛ لأنّ العقد اقتضى التسليم إلى المولى، فإذا سلّمَ إلى غيره لم (^٢) يعتق.
قال: فإن لحق المأذون دينٌ بعد إجازة المولى الكتابة، فالمكاتبة للمولى ليس للغرماء فيها قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّ الكتابة لمّا صحت بإجازة المولى، خرج العبد من كسب [المأذون] (^٣)، وصار في يد المولى، وما أخذه المولى من
_________________
(١) في ب (كالتزويج).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في أ (المولى)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٤١ ]
أكساب المأذون (^١) قبل الدين، لا يتعلّق به حقوق الغرماء.
قال: ولو كان العبد كاتب عبدًا، وعليه دينٌ قليلٌ أو كثيرٌ، فالكتابة باطلةٌ وإن أجازها المولى؛ لأنّ المولى لا يملك التصرّف في أكساب العبد مع وجود الدين، فلا يملك إجازة المُكاتَب.
قال: فإن لم يؤد (^٢) المكاتبة حتى أدّى المكاتب جميع الكتابة، فإن كان المولى لم يجز الكتابة، لم يعتق، ورُدّ رقيقًا، وكان جميع ما أخذ المأذون من المكاتب له يقضي به دينه، والمكاتَب عبدٌ على حاله.
وإن كان المولى أجاز الكتابة وأمر العبد بقبضها، فقبضها، وعلى العبد دينٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، فهذا والأول سواءٌ في قياس قول أبي حنيفة، والمكاتب عبدٌ بحاله يباع في الدين.
وأمّا في قول أبي يوسف: فالمكاتب حرٌّ، والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء، والمكاتبة التي قبض العبد للغرماء يستوفونها من دينهم؛ وذلك لأنّ العبد إذا كاتب، فالكتابة موقوفةٌ، فإذا أدّى [قبل] الإجازة، لم يتعلق بالأداء في [عقدٍ] (^٣) موقوفٍ عتقٌ، فبقي العبد على حاله.
وأمّا إذا كان المولى أجاز الكتابة وأذن المأذون في القبض، فقبض وعليه دينٌ مستغرقٌ، لم ينفذ العتق عند أبي حنيفة؛ لأنّه لو ابتدأ بالعتق لم يقع، كذلك لا يقع العتق المعلّق بالشرط، وأمّا على قولهما: فلو ابتدأ المولى عتق هذا العبد،
_________________
(١) في ب (العبد).
(٢) في ب (يجز).
(٣) في أ (عبد)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٤٢ ]
نفذ عتقه فيه، كذلك إذا عتق بالأداء، والكسب الذي أدّاه المكاتَب، يُردّ إلى الغرماء؛ لأنّ دينهم (^١) متعلّقٌ بكسب عبد المأذون كما يتعلق بكسب المأذون، فلم يجز للمولى أن يستوفيه من دين الكتابة.
وأمّا إذا كان (^٢) الدين غير مستغرقٍ، عتق المكاتب في قولهم، وضمن المولى قيمته؛ لأنه يملك العتق بالإيقاع، فكذلك يملكه بالشرط، ويضمن القيمة؛ لأنّه أتلف على الغرماء رقبة العبد، وحقهم متعلّقٌ بها.