قال أصحابنا ﵏: إذا ظهر المشركون على شيءٍ من أموال المسلمين فأحرزوه في دارهم، ثم ظهر المسلمون بعد ذلك عليه، فإن وجده صاحبه قبل أن يُقسَم أخذه بغير شيءٍ، وإن وجده وقد قُسم فوقع في سهم رجلٍ أخذه بقيمته إن شاء، وإن شاء ترك، [ولا سبيل له عليه إلا بالقيمة].
وهذا مبنيٌّ على أصلنا: أنّ أهل الحرب إذا غلبوا على أموالنا فأحرزوها مَلَكوها، وعند (^١) الشافعي: لا يملكونها (^٢).
لنا: ما روى طاوُوس عن ابن عباسٍ: أنّ المشركين غلبوا على بعيرٍ لرجل، ثم ظهر المسلمون عليه، فسأل النبي ﵊ عن ذلك، فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيءٍ، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة" (^٣).
وروى سماك بن حربٍ عن تميم بن طرفة أنّ العدو غلبوا على ناقةٍ أو بعيرٍ لرجلٍ، فاشتراه رجلٌ من العدو، وقد ذُكر (^٤) ذلك للنبيّ ﷺ، فقال: "خذه بالثمن
_________________
(١) في ب (وقال).
(٢) انظر مختصر المزني ص ٢٧٣.
(٣) رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ١١١)، وقال: (هذا الحديث يعرف بالحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة، والحسن بن عمارة متروكٌ لا يحتجّ به).
(٤) (وقد ذكر) سقطت من ب.
[ ٩ / ١١٦ ]
إن شئت، وإلا فهو له" (^١).
وفرّق ﵊ في الخبر الأول بين ما قبل القسمة وبعدها، فيدلّ على أنهم ملكوها، لولا ذلك لم يكن للفرق بين الأمرين معنًى، وإلزامه في الخبر [الثاني] المالك الأوّل الثمن، يدلّ على صحة ملك أهل الحرب، ولولا ذلك لم يلزمه الثمن، وقد روى عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر مثل قولنا.
ولا يقال: فإذا ملكوه عندكم، فلِمَ يؤخذ من المشتري؟ وذلك لأنّه لا يمتنع أن ينتقل الملك ويثبت لمن ملك عليه فسخ الملك، كما يثبت للواهب عندنا الرجوع إذا كان أجنبيًّا، وعندهم إذا كان والدًا، وكما يثبت للشفيع أخذ الملك من المشتري من غير رضًا، وإن كان المشتري قد ملكه بالعقد؛ ولأنّ الحيازة والغَلبة سببٌ (^٢) يملك به عليهم، فجاز أن يملكوا به علينا، كالبيع والهبة؛ ولأنّ كلّ واحدٍ من السببين كالآخر، وإنّما يتعلّق الحظر بفعلهم، والإباحة بفعلنا، وذلك لا يمنع التساوي في وقوع الملك.
أصله: ما نأخذه منهم على وجه الغنيمة، وما نأخذه من أموالهم بالغدر، أنّ الملك يقع بالسببين، وإن اختلفا في الإباحة.
وإذا ثبت أنّهم يملكون علينا، قال أصحابنا: إنّ [من] وجد ملك المسلمين في الغنيمة قبل القسمة أخذه بغير شيءٍ، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة، وإن اشتراه منهم مشترٍ أخذه بالثمن إن شاء.
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٠٤)؛ والبيهقي في الكبرى (٩/ ١١١)، وهو عند الطبراني موصولًا من حديث جابر بن سمرة ﵁، وقال الهيثمي في المجمع: (رجاله رجال الصحيح) (٤/ ١٧٤).
(٢) في ب (معنى).
[ ٩ / ١١٧ ]
وقال الزُّهْرِي والحسن البصري: لا سبيل لمالكه الأوّل عليه، وقال الشافعي: يأخذه في الوجهين بغير شيءٍ (^١).
وإنّما افترق ما قبل القسمة وما بعدها بخبر ابن عباسٍ الذي قدّمناه؛ ولأنّه مملوكٌ عليهم بغير عوضٍ، فما دام باقيًا على حكم الملك الأوّل، جاز أن يثبت فيه حقّ الرجوع كالهبة.
ولأنّ حقّ الردّ مستحَقٌّ على جميع المسلمين، فإذا وجد قبل القسمة فقد حصل لهم [بغير عوضٍ، والردّ مستَحَقٌّ عليهم فلزمهم الدفع المستحَقّ، وأمّا بعد القسمة فقد حصل لهم] بعوضٍ، وهو نصيبهُ من المغنم الذي سلم للغانمين، ولم يستحقّ عليه بذل المال في الردّ، وإنّما استُحِقّ عليه الردّ؛ فلذلك وجب له أن يغرم [له] العوض [من] الذي ليس بمستحِقٍّ.
فأمّا المشتري منهم، فقد سلم له الملك بعوضٍ، والردّ مستحَقٌّ عليه، وبدل العوض ليس بمستحَقٍّ؛ فلذلك رجع بالثمن.
وقد قالوا في أهل الحرب إذا وهبوه لرجلٍ من المسلمين: إنّ المالك الأوّل يأخذه بالقيمة إن شاء؛ وذلك لأنّ حق المالك الأوّل لمّا تعلّق به وهو مملوكٌ بعقدٍ، لم يجز أن يُؤخَذ بغير عوضٍ كالمبيع، وإذا لم يكن هناك عوضٌ مسمّىً أخذه بالقيمة، كالموجود بعد القسمة (^٢).