قال ابن سَماعة عن أبي يوسف في رجل قال: أقرَضني فلانٌ ألف درهمٍ، ثم قال: لم أقبضها منه، إنّما طلبت إليه فأقرَضني ولم أقبض، قال: لا أصدّقه، والمال لازمٌ له.
و[قد] كان القياس أنّ يصدق؛ لأنّ [القرض] (^١) اسمٌ للعقد، والقبض يتمّ العقد به كما يتمّ عقد البيع، ومعلومٌ أن الإقرار بالبيع لا يشتمل على الإقرار بالقبض، فكذلك القرض؛ ولأنّه أضاف الفعل إلى المقرض، ولم يضفه إلى نفسه، فلم يكن في اعترافه ما يدلّ على القبض.
وجه الاستحسان: أنّ القرض لا يتمّ إلا بالقبض، فهو كالقبول في البيع، ومعلومٌ أنه لو أقرّ بالبيع وجحد القبول لم يقبل قوله، كذلك إذا أقرّ بالقرض وجحد القبض.
وليس هذا كمن أقرّ أنّه اشترى عبدًا بألف درهمٍ، وزعم أنّه لم يقبضه؛ لأنّ عدم القبض في البيع لا يخرجه من أن يكون بيعًا، فلم يكن في دعواه عدم القبض رجوعٌ عمّا اعترف به من البيع، وعدم القبض في القرض يبطل القرض، فدعواه لذلك رجوعٌ.
قال ابن سَمَاعة عن محمدٍ في رجلٍ قال: أعطيتني ألفًا، أو أقرضتني ألفًا،
_________________
(١) في أ (القبض)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٨٥ ]
أو أودعتني ألفًا، أو أسلفتني ألفًا، أو أسلمت إليّ ألفًا، ثم قال بعد ذلك: لم أقبضها، لم أصدّقه، وإن وصل الكلام بهذا صدّقته.
والقياس في هذا على ما بيّنا: أنه أضاف العطاء والقرض والوديعة والسلف إلى المقَرّ له، فلم يدلّ ذلك على الاعتراف بفعله.
والاستحسان في القرض ما قدّمناه، وكذلك قوله: أعطيتني؛ لأنّه إذا لم يقبض فإنّما عرض عليه العطاء، ولم يعطه، وهو إنما اعترف بالعطاء، وقوله: أودعتني اعترافٌ بما قبض؛ لأنّه لو لم يقبض لكان قد عرض عليه الوديعة، [وأمّا] (^١) قوله: أسلفتني، أو أسلمت إليّ، فهي عبارةٌ عن القبض؛ لأنّ السلم والسلف في اللغة عبارةٌ عن عقدٍ يتضمن تعجيل أحد البدلين وتأخير الآخر.
فإذا قال: لم أقبض متصلًا بكلامه، فهو كالاستثناء المتصل، فيُصدّق فيه.
قال: ولو قال: نقدتني ألفًا فلم أقبضها، أو دفعتَ إليّ ألفًا (^٢) فلم أقبض، لم يصدّق في قول أبي يوسف وإن وصل، وقال محمدٌ: يُصدّق.
لأبي يوسف: أنّ قوله: نقدتني، يقتضي القبض؛ بدلالة أنّهم يقولون: فلانٌ يبيع بالنقد، فيفهم من ذلك التقابض، فكأنّه قال: أقبضتني، ثم رجع.
وجه قول محمدٍ: أنه أضاف النقد إلى فعل نفسه (^٣)، فهو كقوله: أقرضتني وأعطيتني، فيصدق إذا وصل.
_________________
(١) في أ (فإنما)، والمثبت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (غيره)، والمثبت من أ.
[ ٨ / ٥٨٦ ]
[قال]: فإن قال: بعتني دارك بألف درهمٍ، أو أجّرتني، أو أعرتني، أو وهبتها لي، أو تصدّقت بها عليّ، ثم قال بعد ذلك: لم أقبض، فإنّي أصدقه، وصل أو لم يصل؛ وذلك لأنّ البيع يتم دون القبض، وكذلك الإجارة، فلم يلزم الاعتراف بهما اعتراف بالقبض.
وأمّا الهبة والعارية والصدقة، فإذا قال: لم أقبضها، فإنّه أسقط حقّ نفسه عنها، وقول الإنسان مقبولٌ فيما يسقط به حقّه، وإن خالف ظاهر كلامه (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل، ٨/ ٢١٧ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٣/ ٣٠٨.
[ ٨ / ٥٨٧ ]