قال محمد: إذا اقتسم الورثة دارًا للميت، وعلى الميت ديونٌ، فجاء الغرماء يطلبون دَيْنَهُمْ، فإن القسمة تردّ قليلًا كان الدين أو كثيرًا، فإن كان للميت مالٌ سوى ذلك، جعلته في الدين وأنفذت القسمة؛ وذلك لأنّ الدين يمنع الوارث من التصرف؛ لتعلّق حقّ الغرماء بالمال، وإذا لم يجز التصرّف - والقسمة تصرّفٌ - لم تنفذ؛ ولأن الدين [إذا] كان مستغرقًا، فالورثة لا يملكون الدار، فلا تصحّ قسمتهم، وإذا كان غير مستغرقٍ، فالحقّ متعلّقٌ بالتركة، فيمنع التصرف كالرهن.
وأمّا إذا كان للميت مالٌ، جُعِل الدين فيه؛ لأنّ الحاكم لا حاجة به إلى إبطال القسمة، ألا ترى أنّ الغرماء لا حقّ لهم إلا في مقدار دينهم، فإذا استوفوه من بقية المال، لم يُحتَج إلى فسخ القسمة.
قال: فإن لم يكن للميت مالٌ، فأدّى الورثةُ الدينَ من مالهم على قدر واريثهم، فالقسمة جائزةٌ؛ وذلك لأنّ القسمة إنّما بطلت (^١) لأجل الدين، فإذا قضي الدين (^٢) زال المعنى المانع، فنفذت القسمة.
قال: وكذلك إن كان الميت قد أوصى بالثلث، فاقتسم الورثة وصاحب الثلث غائبٌ، ثم جاء، فإنّه يبطل القسمة إذا كانوا اقتسموا بغير قضاء القاضي؛
_________________
(١) في ب (وقفت).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٤٩٣ ]
وذلك (^١) لأن الموصى له شريك الوارث، فصار غيبته كغيبة أحد الورثة، فتمنع القسمة، وإنما شرط أن تكون [القسمة] بغير قضاءٍ؛ لأنّ القاضي إذا قسم مع غيبة أحد الشركاء نفذ حكمه؛ (لأنّه موضعٌ يسوغ فيه الاجتهاد.
قال: ولو كان للميت وصيٌّ، فقسم حصّة صاحب الثلث، لم يجز عليه؛ لأنّه لا ولاية له على الموصى له) (^٢)، فلم يجز قسمته في حقّه.
قال: وكذلك إن اقتسم الورثة وفيهم وارثٌ غائبٌ، وليس للميت وصيٌّ ولا للغائب وكيلٌ، ثم قدم الغائب، فله أن يبطل القسمة.
وكذلك لو كان في الورثة صغيرٌ ليس له وصيٌّ، [فكبر، فله] (^٣) أن ينقض القسمة، فكذلك كلّ قسمةٍ وقعت بين الشركاء وأحدهم غائبٌ؛ وذلك لأنّه لا ولاية لهم على الغائب والصغير، فلا يجوز قسمتهم لحقّه.
قال: ولو أدّى بعض المقتسمين دينًا، وأقام بيّنةً، فله أن ينقض القسمة، فلا تكون قسمته إبراءً من دينه؛ وذلك لأنّ القسمة قد تقع مع وجود الدين [ثم يقضى] (^٤) الدين من مالٍ آخر، أو تقضيه الورثة من أموالهم، فتنفذ القسمة، فلم يكن في دخول هذا الوارث معهم في القسمة إقرارًا بعدم الدين؛ فلذلك جاز أن يقيم عليه البيّنة.
فإن ادّعى وارثٌ وصيةً لابنٍ له صغيرٍ بعد القسمة، فإن القسمة لا تُبطِل
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في أ (فللورثة)، والمثبت من ب، وهو المناسب؛ لأنّ المسألة في ورثةٍ تقاسموا، فكيف ينقض الورثة القسمة.
(٤) في أ (بقضاء) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٩٤ ]
حقّ الصغير، ولكنّ الأب لا يملك أن يقيم البيّنة؛ وذلك لأنّه لمّا قاسم فقد اعترف بصحة القسمة، والوصية لابنه حقٌّ في عين الدار، فيمنع من جواز القسمة، فصار الأب مدّعيًا لبطلان القسمة، فلا تقبل بيّنته على ذلك، ولا يسقط حقّ ابنه من الوصيّة؛ لأنّ الأب لا يملك إسقاط حقّ الولد، وليس في دخوله معه في العقد أكثر من الاعتراف بسقوط حقّه.
قال: و[كذلك] لو ادّعى بعض المقتسمين أنّ أخًا له من أبيه وأمّه قد ورث أباه معهم، وأنّه مات بعد أبيه، وورثه هو وأراد ميراثه، وقال: إنّما قسمت (^١) ميراثي من أبي، وجحد بقية الورثة، وأقام المدّعي البيّنة؛ فإنّه لا يُقضَى له بحقّه، ولا تُقبَل بيّنته على ذلك، ولا تبطل القسمة إن كانوا كتبوا في القسمة أن لا حقّ لبعضهم فيما اقتسموا، أو لم يكتبوا؛ لأنّ المدّعي يدّعي ملكًا في غير ما قاسم عليه، وذلك يمنع من صحّة القسمة، فكان في دخوله في القسمة إسقاطٌ لحقّه في هذه الدعوى، فلم تُقبَل.
وكذلك كلّ ميراثٍ يدّعيه أو هبةٍ أو شراءٍ أو صدقةٍ؛ لأنّ هذه الحقوق تقتضي ثبوت ملكه فيما قاسم فيه، وقسمته على أنّه ميراثٌ يخالف ذلك، فلم تُقبَل.
قال: وقسمة المُكاتَب شركاءه مثل قسمة الحرّ، [وكذلك قسمة المأذون؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يملك التصرّف فيما في يده كما يملك الحرّ]، وكذلك قسمة الأب على الصغير والمعتوه، وكذلك كل من يجوز بيعه على الصغير، فقسمته عليه جائزةٌ؛ لأنّه يلى عليه، فجاز [له] أن يقسم بحقّ الولاية، كما يجوز [له أن يبيع] (^٢).
_________________
(١) في ب (أنا أقسم).
(٢) في أ (في البيع) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٩٥ ]
قال: وإذا قاسم على الصغير وصيُّ أمّه، أو وصيُّ أخيه، أو [وصيّ] عمّه، جازت قسمته في غير العقار، ولا يجوز في العقار؛ لأنَّه يملك بيع غير العقار، فيملك قسمته لِمَا في ذلك من الحظّ وللميت من الحفظ لماله (^١)، ولا يملك العقار، فكذلك لا يملك قسمته (^٢).
_________________
(١) في ب (الحفظ له ولماله).
(٢) انظر: الأصل ٣/ ٣١٣، ٣١٤.
[ ٨ / ٤٩٦ ]