قال أبو الحسن: قال أصحابنا: أمان الحُرِّ (^١) المسلم - رجلًا كان أو امرأة - جائزٌ إذا كان في منعةٍ من المسلمين آمنًا بهم، وسواءٌ أمّن جماعةً كثيرةً أو قليلةً، أو أهل قريةٍ، أو أهل مصر، فأمانه جائزٌ على جماعة المسلمين، لا يحلّ لأحدٍ من المسلمين أن يتعرّض لأحد منهم بقتلٍ ولا سبيٍ (^٢) ولا أخذ مالٍ ولا غيره.
والأصل في جواز أمان الواحد: قوله ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" (^٣)، وهذا يدلّ على أنّ الواحد من المسلمين يسعى بذمّة جميعهم. فأمّا المرأة، فقد روي: "أنّ زينب بنت رسول الله ﷺ أمنت زوجها، فأجاز النبي ﷺ أمانها" (^٤)، وروي أنّ أمّ هانئ أجارت رجلين من المشركين، فتغلّب عليٌّ ﵁ عليهما ليقتلهما، وقال لها: أتحبين المشركين على رسول الله ﷺ، فقالت: والله لا تقتلهما حتى تقتلني قبلهما، ثمّ أغلقت الباب دونه، وجاءت إلى النبيّ ﵊، فقالت: يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي وأبي .. وذكرت له القصة،
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) (ولا سبي) سقطت من ب.
(٣) رواه من حديث علي ﵁: أبو داود (٤٥٣٠)؛ والنسائي (٤٧٣٤)؛ والحاكم في المستدرك (٢٦٢٣)، وقال: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
(٤) رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٨)، والطبراني في الكبير (١٠٤٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١٣): (فيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات).
[ ٩ / ٤٦ ]
فقال: "ما كان له ذلك، قد أجرنا من أجرت، وأمّنّا من أمّنت" (^١).
وإذا ثبت أنّ أمان الواحد جائزٌ، لم يجز لأحدٍ من المسلمين أن يتعرّض إليه بعد الأمان، كما لا يجوز أن يتعرض له لو أمّنه الإمام.
قال: وينبغي للإمام إذا جاؤوه بالأمان أن يدعوهم إلى الإسلام أو إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوه إلى الإسلام، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
وإن أبوا الإسلام وأجابوا إلى إعطاء الجزية، قبل ذلك منهم، وكانوا أهل وذمة عهد، لهم ما لأهل الذمة، وعليهم ما عليهم.
وإن أبو الأمرين، ردهم إلى مأمنهم، ثم قاتلهم؛ وذلك لأنّه لا يجوز أن يتعرّض لهم مع الأمان، ولا يجوز أن يتركوا آمنين مع الكفر من غير جزية، فلا بد من أن يعرض عليهم الإسلام أو الجزية التي يجوز أن يستمر معهما [الأمان] (^٢)، فإن أبوا ذلك لم يجز أن يتركوا، ووجب ردّهم إلى مأمنهم، ثم يقاتلهم كما لو خرجوا إلى الإمام بأمان.
قال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد، إلا أن يكون يقاتل مع مولاه، فإن كان إنّما يخدمه، لم يجز أمانه.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: أمان العبد جائزٌ، قاتل أو لم يقاتل.
وجه قول أبي حنيفة: أنّ العبد لا يملك القتال بنفسه، وهم آمنون منه، فلم يصحّ أمانه، كالأسير في أيديهم؛ ولأنّ الأمان عقدٌ من العقود، فلا يملكه بغير
_________________
(١) رواه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٣٣٦).
(٢) في أ (الإمام)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ٤٧ ]
إذن المولى كسائر العقود؛ [ولأنّه لا يملك العقود] لما فيها من إسقاط حقّ المولى، وعقد الأمان إسقاطٌ لحقّ المولى ولحقّ جميع المسلمين، فهو أولى أن لا يملكه.
وأمّا إذا كان مأذونًا في القتال، وصار من أهله بالإذن، فهو كالحرّ؛ ولأنّه لمّا أذن له في القتال وهو من جملة المسلمين، فقد جعل إليه الرأي فيه، وقد يكون الرأي القتال مرّةً، والكفّ أخرى؛ فلذلك جاز أمانه لما فيه من الكفّ عن القتال.
وجه قولهما: قوله ﵊: "ويسعى بذمّتهم أدناهم"، ولأنّ العبد يملك الأمان إذا قاتل، فيملكه وإن لم يقاتل، كالمرأة، وعكسه الذميّ (^١).