قال أبو الحسن: ينبغي أن يولّى على الجيوش الرجل البصير بوجوه الحرب، المتأنّي في تدبيرها؛ ليتقدّم على القتال في الحالة التي يَصلحُ فيها التقدّم، ويكفّ عن القتال في الحالة التي يرى فيها أنّ التأخر والكفّ أصلح، ويكون ممّن يعدل بينهم في القِسمة.
قال محمد: يولى الرفيق العالم بأمر الحرب، العادل بينهم في القسمة وغيرها، فإذا كان هكذا فهو موضع الإمارة عربيًّا كان أو مولىً.
وإنّما وجب أن يولّى البصير بالحرب المتأني؛ حتى لا يقدم بالمسلمين على المهالك فيضر بهم، ولا يتوقف فيحصيهم (^١).
وروي عن عمر بن الخطاب أنّه كتب إلى بعض عماله بالعراق: (لا يتولّى البراء بن مالك جيشًا من المسلمين؛ فإنّه هلكةٌ من المهالك يقدم بهم) (^٢).
وأمّا اعتبار العدل في القسمة، فلأنّها ولايةٌ، فلا بد من اعتبار العدالة فيها كسائر الولايات.
وإنّما استوى العربيّ وغير العربيّ؛ لقوله ﵊: "أطيعوا ولو وُلِّيَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ ما حَكَم فيكم بكتاب الله" (^٣).
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٦).
(٣) رواه الترمذي (١٧٠٦) من حديث أم الحصين الأحمسية، وقال: (حسنٌ صحيحٌ).
[ ٩ / ٤٣ ]
قال محمدٌ: وإذا أمرهم أمير الجيش من أهل الحرب بأمرٍ لا يدرون أينتفعون به أو لا ينتفعون، فينبغي لهم أن يطيعوه وإن كانوا يرون خلاف [ذلك]، ما لم يأمرهم بأمرٍ يخافون فيه الهلاك، وعلى ذلك رأي أكثرهم لا يشكّون فيه، فلا طاعة له عليهم.
وإن اختلف الناس، فمنهم من يقول فيه الهلكة، ومنهم من يقول فيه النجاة، فليطيعوا الأمير فيما أمرهم به.
وجملة هذا: أنّ الأمير له عليهم حقّ الولاية، فيجب عليهم طاعته وإن خالف رأيهم، كما يجب اتباع الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وإن خالف ذلك رأي المحكوم عليه.
وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا اختلف المعسكر فيما أمر به الإمام، والخطأ ليس بظاهرٍ فيه، وإنّما هو مُجتَهدٌ فيه، فالواجب اتّباع الأمير كما يُتّبَع القاضي فيما يختلف الناس فيه.
فأمّا إذا أمرهم الأمير بما فيه معصية الله تعالى، فلا يحلّ لهم اتّباعه؛ لأنّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وقد روي أنّ النبيّ ﷺ بعث خالد بن الوليد بعد فتح مكة إلى بني جذيمة، ومعه بنو سليم وطائفةٌ من المهاجرين والأنصار، فأمر بقتلهم، فامتنعت المهاجرون والأنصار، وأطاعته بنو سليم فقتلوهم، فأنكر رسول الله ﷺ قتلهم، ولم ينكر على من امتنع من طاعته من المهاجرين والأنصار (^١).
وأمّا إذا أمرهم بأمرٍ لا يُؤمَن فيه الهلاك لا محالة، وذلك ظاهرٌ لا يختلفون
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٨٤).
[ ٩ / ٤٤ ]
فيه، فلا يجوز لهم أن يُطيعوه؛ لما روي أنّ النبي ﷺ أنفذ سريّةً فخالفوا أميرهم، فغضب وأوقد لهم نارًا، وأمرهم بأن يلقوا أنفسهم فيها، فمنهم من قال: [نلقي] نفوسنا، فإنّ الطاعة واجبةٌ، ومنهم من قال: إنّا لا نتبعك، فلمّا قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك [له]، فقال: "لو ألقيتم أنفسكم فيها لم تخرجوا منها" (^١)، يعني أنّ الله يعذبهم بالنار. [والله أعلم] (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٢٦)، ومسلم (١٨٤٠).
(٢) انظر: الأصل ٧/ ٤٦٩ وما بعدها.
[ ٩ / ٤٥ ]