قال أيّده الله: وجملة هذا الباب: أنّ كلّ من كان من أهل القتال غالبًا، فإنّه يُقتَل إذا كان حربيًا، قاتل أولم يقاتل، ومَن لم يكن من أهل القتال غالبًا كالنساء والصبيان، فإنّهم لا يُقْتَلُوْن إلّا أن يقاتلوا، وقد بيّنا هذا فيما تقدّم.
وإنّما زاد في هذا الباب: ما اقتضى إعادة حمل ما مضى، فنقول: إنّه لا يقتل النساء، ولا الصبيان، ولا الشيوخ، ولا المجانين، ولا الرُّهبان في الصوامع و[لا] السّيَّاحون الذين لا يخالطون الناس، ولا من طيّن عليه كنيسةً أو ديرًا وترهّب، ولا الأعمى، ولا اليابس الشقّ، (ولا مقطوع اليد والرجل من خلافٍ) (^١)، ولا مقطوع اليد اليمنى خاصّةً؛ لما قدّمناه.
فإن قتل رجلٌ مسلمٌ (^٢) واحدًا منهم، فلا قيمة عليه ولا دية ولا كفّارة، وعليه الاستغفار؛ وذلك لما روي عن رباح بن ربيع قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: "انظر على ما اجتمع هؤلاء" قالوا: على امرأةٍ، قال: "ما كانت هذه تقاتل"، وخالد بن الوليد على المقدّمة، فبعث رجلًا فقال: "قل لخالد: لا تقتلن [ذريّةً] (^٣) ولا عسيفًا" (^٤).
وروي عن ابن عباسٍ قال: مرّ رسول الله ﷺ بامرأةٍ يوم خيبر مقتولةً، فقال:
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في ب (من المسلمين).
(٣) في أ (جارية)، والمثبت من ب، وهو الصحيح في الرواية.
(٤) رواه أبو داود (٢٦٦٩)، وابن ماجه (٢٨٤٢)؛ وصححه ابن حبان حديث (٤٧٨٩).
[ ٩ / ١٢٨ ]
"من قتل هذه"، قال رجلٌ: أنا يا رسول الله، أردفتها خلفي فأهوت إلى سيفي، فأخذته فقتلتها، فقال ﷺ: "ما شأن قتل النساء، ما شأن قتل النساء، ادفنها (^١) ولا تعد" (^٢)، ولم يوجب ﵇ عليه بقتلها ضمان ديةٍ (^٣)؛ ولأنّ دماءهم لم تحرز بدار الإسلام، فحظر القتل (^٤) لا يوجب تقويمها، (كمن أسلم في دار الحرب) (^٥).
فأمّا الاستغفار؛ فلأنّ قتلهم معصيةٌ.
قال: وللمسلم أن يقتل الذي يجنّ ويفيق، والأخرس والأصمّ، وأقطع اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين، وإن لم يقاتلوا؛ لأنّ هؤلاء من أهل القتال، ألا ترى أنّهم يقدرون على ذلك غالبًا، فالنقص فيهم لا يمنع القتل، كالمقطوع الأصبع.
قال: ويقتل القسيسون والشمامسة والسيّاحون الذين يخالطون الناس؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل القتال، فأمّا من انفرد وترك مخالطة الناس، فإنّه ليس من أهل القتال غالبًا.
وإذا ثبت أنّ من ليس من أهل القتال لا يُقتَل، فينبغي أن يؤسروا أو يحملوا إلى دار الإسلام إذا قدر المسلمون على ذلك؛ لأنّ النساء والصبيان في حملهم منفعةٌ للمسلمين، وهي الاسترقاق، وفي تركهم معونةٌ للكفار؛ لأنّ الصبيان يكبرون، والنساء يلدن، ولا يجوز لنا أن نترك [لهم] (^٦) ما يستعينون به على قتالنا
_________________
(١) في ب (وارها).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٣)؛ وهو من مرسل عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، كما في التلخيص الحبير (٤/ ١٠٢)؛ والبيهقي في الكبرى (٩/ ٨٢) من مرسل عكرمة.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) سقطت من ب.
(٥) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٦) في أ (عليهم)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ١٢٩ ]
إذا قدرنا على أخذه.
فأمّا الشيخ الفاني الذي لا يقاتل، ولا رَأْيَ له، ولا هو ممّن يلقّح: فإن شاءوا أسروه، وإن شاءوا تركوه؛ لأنّ في أسره منفعةً ليفادوا به، وليس في تركه ضررٌ على المسلمين.
فأمّا المعتوه فلا يجوز تركه مع القدرة؛ لأنه يولد له من يُستَعان بقتاله.
وأمّا الرهبان وأصحاب الصوامع والسياحون، فلا يقتلون ولا يؤسرون؛ لأنهم لا يخالطون الناس فيقاتلون، ولا يطؤون (^١) النساء فيلقحون، فلم يكن في تركهم (منفعةٌ للمشركين.
فأمّا الأعمى، والمقعد، واليابس الشقّ، والمقطوع اليد والرجل، أو اليد اليمنى، فإنّهم يؤسرون؛ لأنّ في تركهم) (^٢) منفعةً للكفار، ألا ترى أنهم يطؤون النساء، فيلقحون ويكثر بهم عدد الكفار.
قال: وكل من جاز للمسلمين أن يقتلوه، فلهم أن يأسروه ويسترقّوه؛ لأنّ الأسر يخرجه من دار الحرب ويمنع استعانة الكفار به، ويحصل باسترقاقه فائدةٌ للمسلمين، فيجوز ذلك.
قال: ومن لا ينبغي للمسلمين أن يقتلوه، فلم يقدروا على إخراجه، [لأنّهم] (^٣) جريدة خيلٍ، فليدعوه ولا يقتلوه؛ لأنّ القتل معصيةٌ، ولا يجوز لنا أن نتعجّل المعصية لما نخافه في الثاني من ضرر الكفار.
_________________
(١) في ب (يعلون).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في أ (كانوا)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ١٣٠ ]
قال: والعجوز الكبيرة من النساء (^١) التي لا يُرجَا ولادها، إن شاؤوا أسروها، وإن شاؤوا تركوها؛ لأنها لا تصلح للولادة، ولا ينتفع باسترقاقها، إلا أنها تصلح للفداء، فصارت كالشيخ الفاني.
قال: وإن كان الشيخ ذا رأيٍ ومشورةٍ في الحرب، فإنّي أكره إذا ظفر المسلمون به أن يتركوه حتى يخرجوه، وأكره للمسلمين أن يفتدوه بمالٍ (^٢)؛ وذلك لأنّ [ذا] الرأي يُنتَفع به في الحرب أكثر من القوة، فإذا لم يجز ترك قتل (^٣) المقاتل، فذو الرأي أولى.
قال: وإن قاتلت امرأةٌ منهم، أو غلامٌ، أو مقعدٌ، أو أحدٌ ممّن [ذكرنا أنّه] لا يقتل، فلا بأس بقتله، وكذلك إن حرّض على القتال، أو كان ممّن يطاع؛ لأنّ الرجل الصحيح يقتل لأنّه يصلح للقتال، وفعل القتال أكثر من الصلاح، فلأن يبيح القتل أولى، وكذلك التحريض معونةٌ في الحرب كالقتال.
فأمّا إذا كان ممّن يطاع، ففي قتله تفريق الجمع، وهو أنفع من قتل المقاتلة.
قال: ولو أنّ راهبًا في صومعته، أو سيّاحًا دلّ المشركين على عورة المسلمين، [فاطلع المسلمون على ذلك]، فلا بأس بقتله أو أسره؛ لأنّه قد حصل منه معونةٌ في الحرب، فهو كالقتال.
قال: وإن كان ملكهم [غلامًا] صغيرًا، فأحضروه للناس، وكان قتله كسرًا لهم وهزيمةً، فلا بأس بقتله وإن كان صغيرًا، وكذلك إن كان الملك امرأةً؛ لأنّ
_________________
(١) في ب (من الكفار).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ١٣١ ]
في قتل الملك تفريق جمعهم، فصار أنفع من قتل المقاتلة، وكذلك الشيخ إذا أحضروه ليشير عليهم؛ لأنّه صار من أهل القتال بالمعونة بالرأي.
قال: وإذا قاتلت المرأة، فأخذها المسلمون، فلا بأس بقتلها، وإن شاؤوا جعلوها فيئًا.
وكذلك الشيخ إذا حضر وحرّض الناس، والأعمى والمُقْعَد؛ لأنّ هؤلاء كلّهم صاروا (^١) من أهل المعونة في الحرب، فهم كالرجال الأصحّاء.
فأمّا الصبيّ أو المعتوه الذي لا يعقل، فلا بأس بقتلهما ما داما يقاتلان أو يحرّضان؛ لأنّ في ذلك دفع ضررهما، كما يدفع ضرر الفحل إذا صال، فإن صارا في أيدي المسلمين لم ينبغ أن يقتلوهما؛ لأنهما ليسا بمكلفين فيقتلان عقوبة، وإنّما كانا (^٢) يقتلان دفعًا، وقد استغني عن ذلك.
قال: وكذلك إن قتلا غير واحدٍ؛ لأنّ جنايتهما لا توجب العقوبة، كجناية البهيمة.
قال: وإن لم يقدروا على إخراج الصبيّ والمعتوه، وهم يخافون إن خلّوا سبيلهما أن يعودوا إلى قتالهم، وغلب ذلك على أكثر ظنّ المسلمين، فلا بأس بقتلهما؛ وذلك لأنّ في تركهما ضررًا؛ لأنّهما (^٣) صارا من أهل القتال كالرجال (^٤).
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (وقد).
(٤) انظر: الأصل ٧/ ٤٥٤؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ٢٩ وما بعدها.
[ ٩ / ١٣٢ ]