ذكر حديث سليمان بن بردة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا أو صاحب سَرِيّة، أوصاه في خاصّة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدو الله من المشركين، فادعُهُم إلى ثلاث خصالٍ أو ثلاث خلالٍ، فأيتهنّ ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك إليه (فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم) (^١) ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو فأخبرهم أنّهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المسلمين، ليس لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيءٌ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبو ذلك فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل وكفّ عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، وإذا حاصرتم أهل حصنٍ فأرادوكم أن تُنزِلوهم على حكم الله، فلا تُنزِلوهم (على حكم الله) (^٢)، فإنّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثمّ اقضوا [فيهم] بما رأيتم، وإذا سألوكم ذمة الله وذمّة رسوله، فلا تعطوهم، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، ثم فُوا لهم" (^٣).
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) رواه مسلم (١٧٣١) وغيره من أصحاب السنن.
[ ٩ / ١٥ ]
أمّا وصيته ﵊ للأمراء، فلأنّهم يتقدّمون على الناس، فصلاحهم صلاح العامّة، وفسادهم فسادها، فالواجب أن يوصَوا عما يقع [عليهم عمله] (^١).
وتخصيص الأمراء بالوصيّة يدلّ على أنّ الجيش يجب عليهم طاعته، فلذلك وصَّاهُ بهم، ولم يُوْصِهم به.
وأمّا قوله: "أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيرًا"؛ فلأنّ الإنسان يجب أن يبتدئ بإصلاح نفسه، ثمّ بغيره؛ ولهذا قال النبي ﵊: "ابدأ بنفسك، ثم بأهلك، ثم بولدك (^٢)، ثم بمن تعول، ثم الأقرب فالأقرب" (^٣).
وأمّا قوله: "اغزوا باسم الله"، فافتتح الكلام بذكر الله تعالى تبرّكًا به.
وقوله: "وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله"، [بيان] لما خرجوا فيه من طاعة الله تعالى في قتال أعدائه.
وأمّا قوله: "لا تغُلُّوا"، فالغلول: الخيانة في المغنم، وهي محرمةٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، قيل في التفسير: إن الغُلول يُجعَل في قعر جهنم، ثم يقال للغالّ: احمله، فإذا حمله وبلغ إلى بابها عاد فيه إلى قعرها، وقال النبي ﷺ: "ردوا الخيط والمخيط، فإنّه عارٌ ونار وشنارٌ إلى يوم القيامة" (^٤).
وأمّا قوله: "ولا تَغْدِرُوا"، [فإنّ] الغدر: هو الخفر بالأمان، ونقض العهد،
_________________
(١) في أ (عملهم عليه) والمثبت من ب.
(٢) (ثم بولدك) سقطت من ب.
(٣) رواه مسلم (٩٩٧) من حديث جابر ﵁.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٨٥٠)؛ وحَسَّن البوصيري إسناده في مصباح الزجاجة (٣/ ١٧٣).
[ ٩ / ١٦ ]
وذلك محرمٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال ﵊: "يبعث الغادر يوم القيامة لواؤه عند إسته، يقال له: هذا لواء غدرك" (^١).
وأمّا قوله: "ولا تُمَثِّلوا"؛ فلِما روى عمران بن الحصين قال: (ما خطبنا رسول الله ﷺ بعد العُرنيّين خطبةً إلا نهانا فيها عن المُثلة) (^٢).
وقوله: "ولا تَقْتُلُوا وَلِيْدًا"، فقتل الصبيان لا يجوز إلا أن يقاتلوا، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، فدلّ على أنّ القتل يكون لمن يقاتل، والصبيّ لا يقاتل، وروي أنّ النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" (^٣) يعني شبابهم، وفي حديث عطيّة القرظي: "أنّ النبيّ ﵊ أمر في بني قريظة بقتل من اخضرّ مئزره" (^٤)، وبعث أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فقال له: "لا تقتل شيخًا كبيرًا، ولا صبيًّا صغيرًا" (^٥)، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ؛ ولأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، والصبيّ لا يُعاقَب.
وأمّا قوله: "وإذا لقيت عدوًّا من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصالٍ"،
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد، وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، وأصله عند مسلم (١٧٣٨)، على أنه ليس في الحديث (يقال: هذا لواء غدرك).
(٢) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٦/ ٥٥٤)، ولكن من حديث أنس ﵁؛ وأصله في البخاري (٣٩٥٦).
(٣) رواه أبو داود (٢٦٧٠)؛ والترمذي (١٥٨٣) من حديث سمرة ﵁، وقال الترمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ).
(٤) رواه أبو داود (٤٤٠٤)؛ والترمذي (١٥٨٤) وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، على أن الحديث: (فكان من أنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلّي سبيله)، والنسائي (٣٤٣٠)، وابن ماجه (٢٥٤١).
(٥) رواه مالك في الموطأ ص (٣٢٨)، دار الحديث، القاهرة، ط ١٤٢١ هـ.
[ ٩ / ١٧ ]
فهذا عندنا على وجهين: إن كان الكفار لم تبلغهم دعوة النبيّ ﷺ، لم يجز مقاتلتهم حتى يُدعَوا إلى الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال ابن عباسٍ: (ما قاتل النبي ﵊ قومًا حتى دعاهم إلى الإسلام) (^١).
فأمّا إذا بلغتهم الدعوة، فالأفضل أن تُكَرَّر عليهم الدعوة؛ لجواز أن يسلموا عند الدعاء، فيُكفى المسلمين القتال، وإن قوتلوا من غير تجديد الدعوة جاز؛ لما روي: "أنّ النبيّ ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارّون، ونَعَمُهم تسقي الماء" (^٢)، وهذا يدل على جواز القتال من غير تجديد الدعوة، وعن أسامة بن زيد قال: "عهد إلي رسول الله ﷺ أن أغر على أُبْنَى (^٣) صباحًا وأُحرِّق" (^٤).
وأمّا قوله: "فإن أجابوا إلى الإسلام، فكفّ عنهم"؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقال النبيّ ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها" (^٥).
وأمّا قوله: "ثمّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم [إلى دار المهاجرين] "؛ فلأنّ
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٥٣)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٠) وقال: (هذا حديث صحيح من حديث الثوري ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه البخاري (٢٤٠٣)؛ ومسلم (١٧٣٠)، من حديث نافع ﵁.
(٣) في ب (بني الأصفر). وأُبْنَى: "هي يُبنا فلسطين" كما في رواية أبي داود (٢٦١٧).
(٤) رواه أبو داود (٢٦١٦)؛ وابن ماجه (٢٨٤٣).
(٥) رواه البخاري (٢٧٨٦)؛ ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٩ / ١٨ ]
الهجرة كانت فرضًا على كل مسلم حتى فتحت مكة، فقال ﵊: "لا هجرة بعد الفتح" (^١).
وقوله: "فإن فعلوا، فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين"؛ لأنّ المهاجرين يثبت لهم حقٌّ في الخُمس والغنيمة، ولا يثبت لغيرهم.
ثم قال: "فإن أبَوا فَأَخْبِرهُم أنّهم كأعراب المسلمين، ليس لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيءٌ إلا أن يجاهدوا [في سبيل الله] مع المسلمين"؛ وذلك لأنّ من لم يهاجر، لم يحصل للمسلمين به قوةٌ، فلا يثبت له حقٌّ في الخمس، كالأعراب الذين لم يثبتوا في الديوان لا يستحقّون من خمس المسلمين شيئًا؛ لأنهم لا يدافعون عنهم.
وأمّا قوله: "إلا أن يقاتلوا مع المسلمين"؛ فلأنّ من حضر الوقعة يستحقّ بالحضور سهمًا من الأربعة الأخماس (^٢)، سواءٌ كان من أهل الديوان أو غيرهم.
وأمّا قوله: "وإن أبَوا فَادْعُهُم إلى إعطاء الجِزْيَةِ"؛ فهذا عندنا على وجهين: إن كانوا من أهل الكتاب أو المجوس أو عبدة الأوثان من العجم، دُعُوا إلى الجزية (^٣)، وإن كانوا عبدة الأوثان من العرب، لم تقبل الجزية منهم، فلا معنى لدعائهم إليها، فيجوز أن يكون النبيّ ﷺ ذكر هذه الوصيّة حين بعث إلى من يجوز قبول الجزية منهم، وقد دلّ على سقوط [القتال] (^٤) ببذل الجزية قوله
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس ﵁.
(٢) في ب (أسهم).
(٣) (إلى الجزية) سقطت من ب.
(٤) في أ (الكتاب)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ١٩ ]
تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، [فأمر بقتال أهل الكتاب، وجعل غاية ذلك إعطاء الجزية].
وقوله: "فإن فعلوا فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم"، فلأنّهم إذا بذلوا الجزية، قام ذلك في حقن الدم والمال مقام الإسلام.
وأمّا قوله: "وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم"؛ فلأنّه أعذر إليهم، فأقاموا على عدواتهم، فوجب مناجزتهم (^١) والاستعانة بالله.
وأمّا قوله: "فإن أرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم"، فقد اختلف أبو يوسف ومحمدٌ في هذه المسألة، فقال أبو يوسف: يجوز إنزالهم على حكم الله؛ لأنّ الأحكام قد استقرّت وعُرفَت، وإنّما كان لا يجوز ذلك في زمن رسول الله ﷺ؛ لأنّ الأحكام لم تستقرّ، فيجوز أن [ينسخ] (^٢) الحكم بعد فراقهم، فإذا أنزلوهم على حكم الله وهم لا يعرفونه، كان حكمًا مما قد نُسِخ؛ فلذلك منع النبي ﵊ منه، فأمّا الآن فقد استقرت الأحكام، وعُرِف حكم الله، فيجوز أن ينزلوا عليه.
وقال محمدٌ: لا يجوز أن يُنزَلوا على حكمه؛ لأنّ من أحكامه الاجتهاد، وهم لا يعرفون ذلك، وإنّما يعرفون النص، ولو علموا أنّ الأمير يجتهد فيهم لم ينزلوا، وقد قيل إنّ حكم الله ظاهرٌ في المشركين إذا غلبناهم وظهرنا عليهم عنوةً، (وإذا أسلموا أو صاروا ذمّةً، وحكمه فيمن نزل إلينا بغير غلبةٍ أو أمانٍ شبيه؛ فلذلك لم يجز أن يشترط لهم) (^٣).
_________________
(١) في ب (محاربتهم).
(٢) في أ (يفسخ) والمثبت من ب.
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٩ / ٢٠ ]
[وأمّا قوله] (^١): "وإذا سألوكم ذمّة الله وذمّة رسوله فلا تعطوهم ذمّة الله ولا ذمّة رسوله، ولكن أعطوهم ذممكم، [وذمم آبائكم، ثم فوا لهم"؛ [وذلك أنّ المسلمين قد يضطرون إلى ترك الوفاء ويتفق ذلك لهم، فإذا أعطوهم ذممهم] فالغدر حرامٌ، لكن الغدر بذمّة الإنسان أيسر من الغدر بذمّة الله تعالى، فأمرهم ﷺ بالوفاء، ثم أمرهم أن لا يعطوا ذمّته احترازًا من الغدر بذمته.
وذكر بعد هذا حديث زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ إذا بعث جيشًا من المسلمين، قال: "انطلقوا باسم الله [وفي سبيله] وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليهم، وادعوا القوم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، فإن أجابوكم فإخوانكم، وإن أبوا فناصبوهم حربًا واستعينوا بالله، ولا تقتلوا وليدًا طفلًا، ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا، ولا تغوّروا عينًا، ولا تعضدوا شجرًا، إلا شجرًا يضركم، ولا تمثلوا بآدميٍّ ولا بهيمةٍ، ولا تغلوا، ولا تغدروا، وأيّ رجل من أقصاكم أو أدناكم أشار إلى رجل من المشركين فأقبل إليه بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فإخوانكم، وإن أبى فردوا إليه مأمنه، واستعينوا بالله ولا تعطوا ذمّة الله ولا ذمّتي، فإن ذمّتي ذمّة الله، والمُخفِر لذمّة الله لاقى الله وهو عليه ساخطٌ، أعطوا القوم ذمّتكم وفُوا لهم" (^٢)، وهذا الخبر في معني حديث سليمان بن بردة.
[وقوله: "لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليه"، يريد: حتى تدعوهم؛ لأنّ
_________________
(١) في أ (ثم قالوا)، والمثبت من ب.
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ٩٠)، وقال: (في هذا الإسناد إرسالٌ وضعفٌ، وهو بشواهده مع ما فيه من الآثار يقوى، والله أعلم).
[ ٩ / ٢١ ]
الدعاء ليس يكون إلا بإظهار الحجة].
وقوله: "لا تقتلوا طفلًا" فقد بيّناه، وقوله: "ولا امرأةً" فلا يجوز قتل النساء إلا أن يقاتلن، أو تكون المرأة مَلِكةً فتُقتَل ليتفرّق المشركون بقتلها، والدليل على تحريم قتل النساء: أنّه ﵊ مرّ بامرأةٍ مقتولة، فوقف عليها وقال: "إن هذه لا تقاتل" (^١)، وهذا تنبيهٌ على أنّه لا يقتل إلا من كان من أهل القتال، وروي "أنّه ﵊ نهى عن قتل النساء والولدان" (^٢).
وأمّا الشيخ، فإنّما يراد به الشيخ الهِمّ (^٣) الذي لا يقدر على القتال، ولا له رأيٌ في الحرب، فلا يقتل؛ لأنّه ليس من أهل القتال، فصار كالصبيّ، والذي روي: "أنّ النبي ﷺ قتل دريد بن الصِّمّة، وقد أتت عليه مائة وثمانون سنةً" (^٤)؛ فلأنّه (أُخرج يوم حنين) (^٥) يُستعان برأيه في الحرب، وأشار عليهم بتأخير النساء والولدان، فأبوا عليه، فقتله ﵊، لأنّه ممن يستعان برأيه.
وأمّا قوله: "ولا تغوّروا عينًا، ولا تعضدوا شجرًا إلا شجرًا يضرّكم" فإنّما يعني بذلك الشجر الذي يكون بينهم وبين عدوّهم، فيمنعهم من القتال، فأمّا ما سوى ذلك، فإنّ المسلمين بالخيار: إن شاؤوا قطعوه، وإن شاؤوا تركوه؛ لأن الله قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]،: وروي: "أنّ النبيّ ﷺ لمّا حاصر بني النضير، أمر بقطع نخلهم" (^٦)، "وحاصر
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٥١)؛ ومسلم (١٧٤٤)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) هو الحديث الذي ذُكِر قبل هذا.
(٣) و(الهِمُّ) بالكسر: الشيخ الفاني"، مختار الصحاح (همم).
(٤) روي مقتله: البخاري (٤٠٦٨)؛ ومسلم (٢٤٩٨).
(٥) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٦) رواه البخاري (٣٨٠٧)؛ ومسلم (١٧٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩ / ٢٢ ]
الطائف وأمر بقطع كرومهم" (^١)، وإنّما نهى في هذا الخبر عن قطع الشجر وتغوير العيون؛ لأنّه علم أنّ المسلمين يغنمون ذلك، فأراد أن يبقيه على عمارته.
قال محمدٌ في السِّيَرِ الكبير في ذكر وصية أبي بكر ﵁: إنّا نأخذ بهذا، ولكن بعض الناس فسّر شيئًا منها على غير ما وضع [عليه]، أبو بكر لم ينه المسلمين عن هدم البيوت، وقطع الشجر المثمر، وتغريق النخل، وتحريقه، وذبح البقرة والشاة؛ لأنّه رأى ذلك مكروهًا، لكنّ الشام كانت ممّا أخبرهم رسول الله ﷺ أنّهم سيظفرون به، ألا ترى إلى قوله في وصيته: (إنكم ستأتون الشام، وإن الله ناصركم، وممكّنٌ لكم، حتى تتخذوا فيها مساجد، فلا يعلم الله أنكم تأتونها تلهّيًا) (^٢).
قال محمدٌ: ولم يكن لأبي بكرٍ ﵁ ليقول: إن الله ناصركم وممكّنٌ لكم، إلا بخبرٍ أخبره رسول الله ﷺ، وبلغنا أيضًا عن رسول الله ﷺ حديثٌ معروفٌ، أنّه ﵊ قال لأصحابه: "إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر" (^٣). وإنّما كره أبو بكر لهم أن يفسدوا ما علموا أنهم سيرثونه، ويكون لهم دون أصحابه، ولم يكرهه لأنّه لا ينتفي في الدين.
قال محمدٌ: وقد جاء في غير حديثٍ، ولا حديثين ولا ثلاثة، أن رسول الله ﷺ أحرق وقطع النخل وخرّب البيوت، وخرّب على بني النضير، وقول الله تعالى أصدق، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
_________________
(١) رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ٨٤)، من حديث عروة بن الزبير.
(٢) رواه ابن المبارك في الزهد (١/ ١٤٤)، ط دار الكتب العلمية، بيروت، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، د. ت.
(٣) رواه البخاري (٢٨٦٤)؛ ومسلم (٢٩١٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٩ / ٢٣ ]
فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].
قال محمدٌ: اللِّيْنَة: النخلة الكريمة.
قال: وأفضل ذلك عندنا ما كان فيه كبتٌ وغيظٌ للمشركين.
وروى محمد عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﵊ عهد إليه أن يغير على أُبْنَى (^١) صباحًا، ثم يحرِّق" (^٢)، وعن الزهري: "أنّ رسول الله ﷺ لمّا مرّ من أوطاس يريد الطائف، بدا له قصر عمرو بن مالك النضري، فأمر بتحريقه، وانتهى إلى الطائف، فأمر بكرومهم أن تقطع" (^٣).
قال الزُّهْرِي: وقطع رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وخرّب البيوت، روى ذلك نافع عن ابن عمر (^٤).
وذكر عن أبي بكرٍ أنّ محمد بن عمرو بن حزم قال: لمّا تحصَّنَ بنو النضير من رسول الله ﷺ، أمر بقطع نخلهم وتحريقه، فقالوا: يا أبا القاسم: ما كنت ترضى الفساد، فأوحى الله تعالى في ذلك: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] (^٥)، فبيّن أن ذلك ليس بفسادٍ.
قال الحسن بن زياد في تفسير حديث أبي بكرٍ وغيره، قال: وكان أبو حنيفة
_________________
(١) في ب (أبنا الأصفر).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه محمد بن الحسن في السير الكبير، رقم (٣٩)، (٤٠).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) محمد بن الحسن في السير الكبير، رقم (٣٧).
[ ٩ / ٢٤ ]
يأخذ بهذا الحديث، ويقول: إنّ قوله: (لا تخربنّ عمرانًا، ولا تحرقن نخلًا، ولا تقطعنّ شجرًا مثمرًا، ولا تقتلنّ راهبًا، ولا أكّارًا) (^١)، قال: وذلك إذا افتتح بلادهم وظفر بها وصارت في أيديهم، فلا ينبغي لهم أن يفعلوا شيئًا من ذلك؛ لأنّ ذلك قد صار فيئًا للمسلمين.
فأمّا إذا كان الجيش لا يقدرون على أن يقيموا في تلك البلاد، ولا أن يولّوا عليها أحدًا، ولا يقدروا على أن يحرزوها فتصير لهم، فليحرق حصونهم ومبانيهم وبِيَعِهم ومداينهم وكنائسهم، ويعقر نخلهم وشجرهم وتحرق، وما أصابوا من دوابّهم ومواشيهم فلم يستطيعوا أن يخرجوه معهم، ذبحوه وأحرقوه، وكذلك كان يقول زفر وأبو يوسف، وبه نأخذ.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النبي ﵊ إذا صحّ عنه (^٢): أنّه قطع النخل والشجر وأحرق البيوت، ودلّ القرآن على ذلك، لم يكن للنهي وجهٌ إلا ما ذكره محمدٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ومعلومٌ أنّ تخريب ديارهم وقطع نخلهم يُدخِل الغيظ عليهم، وهو عملٌ صالح بظاهر القرآن، وقد بيّن محمدٌ ما فعله النبيّ ﷺ من ذلك.
وروي أنّه أمر بتحريق البويرة، فقال حسان بن ثابت:
وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّ … حريقٌ بالبُوَيرَة مستطير (^٣)
_________________
(١) هو الحرّاث. ينظر القاموس المحيط (أكر).
(٢) في ب (عندنا).
(٣) رواه البخاري (٢٢٠١)، ومسلم (١٧٤٦)، من حديث ابن عمر ﵁.
[ ٩ / ٢٥ ]
فأمّا البهائم والمواشي، إذا لم يقدر المسلمون على إخراجها، فإنّها تُذبح وتُحرق، وقال مالكٌ: وتعقر، وقال الشافعيّ: تترك كما هي (^١).
والدليل على أنّها لا تُعقر، أنّ في عقرها مُثْلةً، وقد نهى ﷺ عن المُثْلة، وأمّا تركها فلا يجوز لما في ذلك من قوة المشركين بها على المسلمين، فإذا ذبحت وأحرقت ضعفوا، وما أدّى إلى ضعفهم جاز فعله؛ ولأنّ الذبح يجوز إذا احتاجوا إلى الأكل أو إلى الجلود، والانتفاع بإدخال الضرر على الكفار أعظم من الانتفاع بالجلد، فجواز الذبح بذلك أولى.
والذي روي: "أنّه ﵊ نهى عن ذبح الحيوان إلّا لمأكلةٍ" (^٢)، فبيّن أن الذبح يجوز لغرضٍ: وهو الأكل، فنبّه بذلك على جواز الذّبح لكلّ غرضٍ، وهو مثل الأكل في المنفعة أو أكثر، وقد بيّنا أنّ الانتفاع يوهن المشركين، وضعفهم أعظم، فالذّبح لأجله أولى.
وأمّا تحريقها بعد الذبح؛ فلأنّها لو لم تحرق انتفعوا بلحومها وجلودها، فوجب على الإمام أن يحرّقها ليُبطل عليهم الانتفاع بها (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: المزني ص ٢٧١، ٢٧٢؛ رحمة الأمة ص ٢٤٥؛ قوانين الأحكام الشرعية ص ١٦٧.
(٢) ذكره ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٢٠)، وقال: (لم أجده)، وذكره الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٤٠٦)، وقال: (غريب).
(٣) انظر: شرح السير الكبير للسرخسي ١/ ٦٠ - ٦٦؛ الأصل ٧/ ٤٢٧ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ٢٩ وما بعدها.
[ ٩ / ٢٦ ]