قال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا أذن الرجل لعبده في التجارة، وأمره رجلٌ أن يشتري له عبدًا أو أمة أو طعامًا أو غير ذلك بألف درهمٍ نقدًا، ولم يدفع إليه الألف، أو دفعها إليه فاشترى له العبد [على] ما أمره به، فالشراء جائزٌ، والعُهْدَة (^١) عليه.
وليس هذا كمال الكفالة (^٢)، وقد كان القياس عندهما أن لا تجوز الوكالة؛ وذلك لأنّ المأذون إذا ابتاع لزمه الثمن في ذمّته، وحصل المبيع ملكًا لغيره، فيصير كالكفيل عن الموكل بالثمن، وكفالة المأذون لا تجوز، وكذلك وكالته.
وإنما استحسنوا إذا وكلّه أن يشتري بالنقد؛ لأنّ المبيع ينتقل إلى الوكيل ويثبت له حقّ الحبس حتى يستوفي الثمن، فيصير كالبائع.
ويفارق ذلك الكفالة؛ لأنّها تبرعٌ، ألا ترى أنّ حقّ الكفيل لا يتعلّق بعينٍ يتوثّق بها، وفي مسألتنا يتعلّق الدين بعين المبيع، فيخرج من معنى التبرع.
قال: ولو كان الآمر أمر العبد أن يشتري له ذلك نسيئةً، فاشترى العبد ذلك
_________________
(١) العُهْدَة: - من العَهْد - الذي يَرِدُ بمعنى الإلزام والالتزام. والمقصود بالعهدة: الضمان والكفالة. فتعني: تضمين كل عيب يحدث في المبيع. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٤٩؛ معجم المصطلحات الاقتصادية (عهد).
(٢) في ب (وليس هذا كالكفالة).
[ ٨ / ٥٢٨ ]
كما أمره [الأمر] (^١) جاز (^٢) جميع ما اشترى العبد من ذلك للعبد، ولا شيء للآمر؛ وذلك لأنّ الشراء للموكل بثمن [نسأً] (^٣) لو صح لم يملك العبدُ حبس ذلك المبيع، ولزمه تسليمه، وصار الثمن دينًا عليه للبائع، ويثبت له على الموكل مثله، فيصيرُ في معنى الكفالة، وكفالة العبد لا تجوز إلا أن يأذن فيها المولى ولا دين عليه، فإذا [لم] يصح له الشراء بالوكالة، صار مشتريًا لنفسه.
قال: ولو وكّل المأذون رجلًا ببيع شيءٍ مما في يده، أو شراء شيءٍ، فهو جائزٌ، وهو في ذلك بمنزلة الحرّ؛ وذلك لأنّ الإذن ينصرف إلى العادة بين التُّجَّارِ، ومن عادتهم التوكيل؛ ولأنّ الإنسان لا يقدر أن يتولى جميع العقود بنفسه، بل يحتاج إلى من يتولاها له، فالمأذون والحرّ في ذلك سواءٌ.
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى المأذون جاريةً يبيعها نقدًا أو نسيئةً، فالبيع جائزٌ؛ وذلك لأنّ العبد لا يلحقه في البيع ضمانٌ في الحال، فلم يكن في معنى الكفالة، فلذلك جاز؛ ولأنّ المحجور لو وكّل بالبيع جاز بيعه، فالمأذون أولى، إلا أنهما مختلفان في أنّ المحجور لا يتعلّق به الحقوق في الحال؛ لأنّه لا يملك التصرّف في حقّ مولاه، والمأذون يملك التصرف، فتتعلّق به الحقوق.
ولا يجوز أن يقال: إنّه يلحقه ضمان (^٤) الدَّرَك، وهذا بمعنى الكفالة؛ لأنّ
_________________
(١) في أ (المولى)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة، لأنّ الكلام عن الآمر عمومًا وإن لم يكن المولى.
(٢) في ب (كان).
(٣) في ب (سبب) والمثبت من ب.
(٤) ضَمَان الدَّرَك، "والدَّرَك - بفتحتين وسكون الراء لغة -: اسم من أدركت الشيء، ومنه: ضمان الدرك: ضمان البائع بردّ الثمن للمشتري عند استحقاق المبيع، بأن يقول: تكفلت أو ضمنت =
[ ٨ / ٥٢٩ ]
ذلك يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، فلا يبطل العقد في الحال بالتجويز.
وليس كذلك الوكالة بالشراء نسيئةً؛ لأنّ الضمان يلزمه في الحال؛ فلذلك لم يجز الشراء للموكِّل (^١).
_________________
(١) = بما يدركك في هذا المبيع. انظر: المصباح؛ معجم المصطلحات الاقتصادية (درك).
(٢) في ب (للوكيل).
[ ٨ / ٥٣٠ ]