فأمّا إذا رأى المولى العبد يبيع متاعًا للمولى أو لغيره فلم ينهه، كان إذنًا من المولى للعبد في التجارة، ولا يجوز بيع العبد متاع المولى ولا متاع غيره إذا لم يأذنا في بيع ذلك، وقد كان القياس أن لا يكون السكوت إذنًا؛ لأنّ الساكت قد يكون راضيًا وساخطًا، فلم يدل السكوت على الرضا.
وهذا هو القياس في البكر إذا سكتت؛ [لولا] قوله ﵊: "سكوتها رضاها" (^٤)، وهو القياس في [الشفيع] (^٥) إذا سكت، لولا قوله ﵊: "الشفعة
_________________
(١) في ب (قالوا).
(٢) في ب (لو اشترى).
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي ٨/ ٤٨٣ وما بعدها.
(٤) رواه مسلم (١٤٢١)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) في أ (البيع)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٥٠٨ ]
لمن واثبها، والساكت ليس بمواثب" (^١).
وإنّما استحسنوا في سكوت المولى؛ لأنّ العادة أنّه إذا أذن لعبده في التجارة لم يشهد على نفسه، وإنّما يتصرف العبد فلا ينهاه (^٢)، فصار المعتاد كالمنطوق [به]؛ ولأنّ العبد يتصرّف بنفسه، وللمولى حقٌّ في المنع، فسكوته عن الإنكار يجوز أن يكون إذنًا، كما أن المشتري يتصرف في ملك نفسه وللشفيع حقّ الاعتراض، فكان سكوته إسقاطًا لحقّه؛ ولأنّا لو لم نجعل سكوته إذنًا، كان ذلك تغريرًا بالناس؛ لأنّهم إذا عاينوا المولى لا ينكر عليه بايعوه، فيؤدّي الغرور إلى إسقاط حقّهم، وهذا لا يصحّ.
وأمّا إذا باع العبد مال مولاه، والمولى ساكتٌ، فسكوته عن تصرّفه يتضمّن أمرين: أحدهما: الإذن في التجارة، والآخر: التوكيل في البيع، والإذن يثبت بالسكوت، والوكالة لا تثبت بالسكوت، فصار مأذونًا [له]، فلم يجز البيع، وكذلك لو رآه يبيع متاع الأجنبيّ، كان مأذونًا وإن لم يجز البيع.
ولا يقال: إنّ الملك إذا لم ينتقل بهذا العقد، فكيف يثبت به الإذن؛ لأنّ البيع بشرط الخيار يثبت بسكوت المولى عند الإذن (^٣)، [والوكالة لا تثبت بالسكوت، فصار مأذونًا له، ولم يجز البيع]، وإن كان لا ينقل الملك.
وعلى هذا، لو رآه المولى يشتري أو يبيع بيعًا فاسدًا فلم ينهه، فهو إذنٌ؛
_________________
(١) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٧٦)، وقال: (غريبٌ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من قول شريح، وكذلك ذكره القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب غريب الحديث في باب كلام التابعين). ومثله في الدراية لابن حجر (٢/ ٢٠٣)
(٢) في ب (بلا شهادة).
(٣) (عند الإذن) سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٠٩ ]
لأنّ البيع الفاسد ينقل الملك بانضمام القبض إليه، فهو كالصحيح.