[قال]: وإذا بيع العبد، اقتسم غرماؤه ثمنه بالحصص؛ وذلك لأنّ ديونهم (^٣) متعلّقة برقبته، ويتحَاصَّون (^٤) في بدله كغرماء الميت في تركته.
قال: ولا فرق بين أن تثبت ديونهم بإقرارٍ من العبد (^٥) أو ببيّنةٍ قامت عليه؛ لأنّ إقراره جائزٌ مع الإذن كإقرار الحرّ، ومعلومٌ أنّ ما لزم الحرّ بإقراره وبالبينة سواءٌ، فكذلك العبد.
قال: ولا يجوز بيع المولى العبد إلا بإذن الغرماء له في ذلك، أو يقضي الدين، أو يكون القاضي هو الذي أمره ببيعه للغرماء؛ وذلك لأنّ الملك للمولى، وللغرماء فيه حقٌّ، وفي بيعه إسقاط حقّهم، ألا ترى [أنّهم] يختارون ترك البيع ليستوفوا الديون من الكسب، فإذا كان لهم حقٌّ في ذلك، لم يجز إسقاطه إلا
_________________
(١) في ب (فذهب بها ووطئها).
(٢) وتَحَاصَّ: من الحصص، وأحصصته: أعطيته حصّةً. "وتحاص الغرماء: أي اقتسموا المال بينهم حصصًا". المغرب؛ المصباح (حصص).
(٣) في ب (ديونه).
(٤) انظر: الأصل ٨/ ٥٣٦، ٥٣٧.
(٥) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥١٣ ]
بإذنهم، فإذا باع بغير إذنهم وقف البيع كما نقول في بيع الرهن والإجارة، فإن قضى المولى الديون نفذ البيع؛ ولأنّ القاضي ملك البيع، فإذنه للمولى في البيع كإذنه للأجنبيّ.
قال: ولو باع المولى بإذن بعض الغرماء لم يجز بيعه، إلا أن يجيز الباقون؛ وذلك لأنّ امتناع البيع حقٌّ لجماعتهم، فإذا أذن بعضهم فقد رضي بإسقاط حقّه، فبقي حقّ الآخرين بحاله.
قال: ولو رافعه (^١) بعض الغرماء إلى القاضي، ومن بقي منهم غائبٌ، فباعه القاضي للحضور، جاز بيعه، ويدفع إلى الحضور حصّتهم من ثمنه، ويوقف حصّة الغُيّب حتى يحضروا فيأخذوا حقوقهم؛ وذلك لأنّ البيع حقٌّ لجماعتهم، فغيبة بعضهم لا تسقط حقّ الحاضرين، ولأنّ القاضي له ولايةٌ على الغائب فيما يؤدي إلى حفظ ماله، ونقل الدين من الرقبة إلى الثمن حفظٌ للمال؛ لجواز أن تتلف، فينفذ قول القاضي في البيع لمطالبة الحاضرين، [فيدفع] (^٢) إلى من حضر حصّته؛ لأنّ البيع وقع لحقّه، وإنّما قصد بالبيع سلامة الحقّ من الثمن، ويقف نصيب الغائب؛ لأنّه ليس [له] من يملك [قبضه] (^٣)، فيجعله القاضي في يد أمين.
قال: فإن قال العبد قبل أن يُبَاع: لفلانٍ عليّ كذا [وكذا]، وصدّقه المولى أو كذّبه، وفلانٌ غائبٌ، وأنكر غرماؤه الحضور، فإنّ العبد يُصدّق ويُبَاع، ويُوقف من ثمنه حصّة الغائب الذي أقرّ له العبد حتى يحضر.
_________________
(١) في ب (رفع).
(٢) في أ (لم يدفع) والمثبت من ب، والسياق يدل عليه.
(٣) في أ (حصته)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق.
[ ٨ / ٥١٤ ]
فإن ادعى ما قال العبد (^١) أخذ حقّه، وإن كذّبه قُسم ما وُقف من ثمنه بين
الغرماء؛ لأنّ العبد ما لم (^٢) يبع على حكم الإذن، وإقرار المأذون بالدين جائزٌ؛ ولأنّ لزوم الدين لا يوجب الحجر في الإقرار، كالحرّ إذا لزمته الديون، لم يوجب [ذلك] الحجر [عليه] عند أبي حنيفة.
وعلى قولهما: يحجر القاضي لأجل الدين، ولم يحجر [له] في مسألتنا، [فنفذ] (^٣) الإقرار، ووجبت المحاصّة بنصيب المُقَرّ له، فإن حضر وصدّق العبد أخذ ذلك؛ لأنّ التصديق انضم إلى الإقرار، فكأنّه صدّقه حين أقرّ، وإن كذّبه بطل الإقرار ووجب ردّ ما أقرّ [به] إلى الغرماء.
قال: ولو لم يقرّ العبد حتى بيع في الدين، ثمّ أقر بعد البيع، لم يجز إقراره وإن صدّقه المولى؛ لأنّ البيع سببٌ للحجر، بدلالة أنّ الإذن كان ثابتًا في الملك الأول، وقد زال الملك الأول، فلم يجز تبقية الإذن في ملك من لم يأذن، فإذا صار محجورًا لم [ينفذ] (^٤) إقراره.
قال: فإن قَدِم الغائب فأقام بيّنةً على حقّه، اتّبع الغرماء بحصّته فيما أخذوا من الثمن، ولم يكن له على العبد ولا على مولاه البائع ولا على المشتري سبيلٌ؛ وذلك لأنّ (ثبوت الدين) (^٥) بالبينة لا يلحقها ثمنه (^٦)، فيثبت الدّين
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في أ (فنقف) والمثبت من ب.
(٤) في أ (ينقل) والمثبت من ب.
(٥) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٦) في ب (تهمة).
[ ٨ / ٥١٥ ]
بها، وحقوق الغرماء تتعلّق بالثمن كتعلّق حقّهم بتركة الميت، ومعلومٌ أنّ القاضي لو قسم التركة بين الغرماء ثم ظهر غريمٌ (^١) آخر، شاركهم (^٢) فيما قبضوا، كذلك هذا.
وإنما قالوا: إنّه لا سبيل لهم على العبد؛ لأنّ الدين أُبطِل (^٣) من [رقبته] (^٤) بالبيع، فصار كعبدٍ لا دين عليه، ولا سبيل على المشتري؛ لأنّ الثمن الذي يتعلّق به حقّ الغرماء استوفي منه، ولا سبيل لهم على المولى الأوّل؛ لأنّه لم يكن له صنعٌ في القسمة، وإنّما باع القاضي وقسم، فلم يلزم المولى الضمان.
قال: وما لحق العبد من دينٍ من تجارته من سائر ما ذكرت لك، فحقّهم (^٥) في رقبته وكسبه الذي في يده، وما يحدث له من الكسب بعد ذلك، وقد بيّنا أنّ الدين يتعلّق بالرقبة والاكتساب، وإنما استوى [الكسب] الحاصل له قبل الدين وبعده؛ لأن أكساب المأذون كتركة الحرّ، ومعلومٌ أنّ ديون الحر تستوفى من أكسابه التي كانت في يده قبل لزوم الدين وما اكتسب بعد الدين، كذلك هذا.
قال: وكذلك ما وُهب له أو تُصدِّق به عليه قبل لحوق الدين وبعده، وقال زفر: الهبة للمولى لا حقّ للغرماء فيها.
وجه قولهم: أنّ الهبة من اكتساب العبد؛ بدلالة أنّه يملكها بقبوله، فصار كالاكتساب [بالشراء والبيع].
_________________
(١) في ب (طرأ شريك).
(٢) في ب (قاسمهم).
(٣) في ب (انتقل).
(٤) في أ (قيمته)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٥) في ب (فهو).
[ ٨ / ٥١٦ ]
وجه قول زفر: أنّ الهبة ليست من المعاملة، وإنّما ملكها المولى من جهة [الواهب]، فلم يتعلّق بها حقّ الغرماء كسائر أموال المولى.
قال: ولو اكتسب العبدُ مالًا فأخذه المولى، ثم لحقه دينٌ، سَلِم للمولى ما أخذ [منه]، ولم يكن فيما أخذه المولى شيءٌ من دين العبد؛ وذلك لأنّ المولى يملك الكسب، فإذا أخذه من يد العبد فقد حجر عليه، ألا ترى أنّ تصرّفه فيه لا يجوز، فصار كسائر أموال المولى، فلا يتعلّق به الديون الحادثة.
قال: وإن كان [أخذ المولى ما في يد العبد] (^١) وعليه دينٌ، فللغرماء أن يأخذوا من المولى ما أخذه، وإن كان استهلكه [ضَمَّنُوه] (^٢)؛ وذلك لأنّ ديونهم متعلّقةٌ بالكسب، فقد أخذ المولى ما تعلّق حقّهم به، فيجب [عليه] ردّه أو ردّ عوضه، كما يجب ردّ الرهن إلى المرتهن، وكما لو أخذ الوارث التركة وعلى الميت دينٌ وجب عليه ردّها، واشترك في ذلك الغرماء الأولون ومن حدث له دينٌ بعدهم؛ وذلك لأنّ حال المأذون حالٌ واحدةٌ، فالمتقدّم من دينه والمتأخّر منهما سواءٌ كديون المريض.
قال: ولو كان المولى يأخذ الغَلَّة من العبد في كل شهرٍ عشرة [دراهم]، حتى أخذ مالًا كثيرًا، فإنّ هذا جائزٌ للمولى، ولا يرجع الغرماء عليه بشيءٍ؛ لأنّه قبض غلّة مثله، وهذا استحسانٌ، وكان القياس أن لا يجوز قبضه للغلّة مع وجود الدَّيْن؛ لأنّ ما يُقبَض من جملة الكسب، وحقّ الغرماء مقدّمٌ على حقّ المولى في الاكتساب.
_________________
(١) في أ (المولى أخذها من يد العبد) والمثبت من ب.
(٢) في أ (ضمنه) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥١٧ ]
وإنّما استحسنوا إذا أخذ غلّة مثله أن يجوز؛ لأنّ في ذلك منفعةً للغرماء، ألا ترى أنّه إذا أخذ الكسب بقاه على التصرّف واكتسب لهم، فإذا لم يأخذ الغلّة حجر عليه [فانقطع الاكتساب] (^١)، وإذا كان في ذلك منفعةٌ لهم (^٢) كان جائزًا؛ ولأنّ الغلّة بدلٌ عن المنفعة، ولو استخدمه جاز، فكذلك إذا أخذ عوضها.
فإن أخذ أكثر من غلّة مثله ردّ الفضل على الغرماء؛ لأنّ الزيادة ليس في مقابلتها شيءٌ، فيصير كأنّه أخذها بغير عوضٍ.
قال: وإذا أذن الرجل لأمته في التجارة، فلحقها دينٌ، وقد ولدت ولدين: أحدهما قبل أن يلحقها دينٌ، والآخر بعدما لحق الدين، فإنّ الغرماء يثبت دينهم فيما ولدت بعد الدين، فيباع معها، ولا يباع ما ولدت قبل الدين في [دينها] (^٣).
ولو كان وُهِب لها هبةٌ ولا دين عليها، ولم يقبضه المولى حتى لحقها دينٌ، فإنّ الدين يلحق الأمة وما وُهِب لها وإن كانت الهبة قبل أن يلحق الدين؛ وذلك لأنّ الدين حقٌّ مستقرٌّ في الرقبة؛ بدلالة أنّه ينتقل إلى القيمة، والحقوق المستقرّة في الرقاب تسري إلى الأولاد، كالاستيلاد والتدبير؛ فلذلك دَخَل الولد الحادث بعد الدين.
وأما الولد قبل الدين فلم يكن في الرقبة حقٌّ يسري إليه، فإذا حدث (^٤) الدين بعده في الرقبة، فالولد منفصلٌ لم تثبت السراية مع الانفصال.
_________________
(١) في أ (كالقطع للاكتساب) والمثبت من ب.
(٢) في ب (منفعتهم).
(٣) في أ (ذمتها)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٤) في ب (تجدد).
[ ٨ / ٥١٨ ]
وليس كذلك الموهوب والكسب؛ لأنّ الدين لا يتعلّق به من طريق السراية، وإنّما يتعلّق به لأنّه كسب المديون، (والكسب الأوّل والآخر سواءٌ، يبيّن الفرق بينهما أن الأمة لا تملك بيع ولدها وتملك بيع كسبها، فما لا تملك بيعه لا يتعلّق به الدين إلا على وجه السراية) (^١).
قال: وما وجب لها من أرشٍ (^٢) [هو] كالولد؛ وذلك لأنّ الأرش ليس من كسبها، وإنّما يتعلّق به الدين لتعلّقه بالرقبة، فما كان من أرشٍ قبل الدين لم يتعلّق به حقّ الغرماء، وما كان من أرشٍ بعد الدين تعلّق به حقّهم.
قال: وإذا أذن لعبده في التجارة ودفع إليه مالًا يعمل به، فباع واشترى، ولحقه دينٌ، فإنّه لا يكون في المال [الذي] دفعه إليه المولى من دينه شيءٌ، والمولى [أحقّ] (^٣) بما دفع إلى العبد؛ وذلك لأنّ الدين إنما يتعلّق بأكساب العبد، وهذا مالٌ للمولى ليس بكسبٍ، فصار كسائر أموال المولى؛ ولأنّ المولى لم يرض بتعلّق حقّ الغرماء بهذا المال، فلم يتعلّق به.
قال: وإن أقرّ العبد بجنايةٍ على عبدٍ أو حرٍّ، أو بمهرٍ وجب عليه بنكاحٍ جائزٍ أو فاسدٍ أو بشبهة نكاحٍ، فإقراره باطلٌ لا يلزمه حتى يعتق؛ لأنّ المأذون يملك الإقرار بالتجارة وما كان من أنواعها، والجناية والتزويج ليسا من التجارة في شيءٍ، فإقراره فيها كإقرار المحجور.
_________________
(١) ما بين القوسين في ب (ولهذا يملك المأذون بيعه، والولد ليس من كسبها، بدلالة أنها لا تملك بيعه، فلا يتعلق به الدين إلا على وجه السراية).
(٢) الأَرْش، والجمع أُرُوش: الدية، ومنه: أرش الجراحات، وأرش الكسور. انظر: المغرب؛ معجم الفقهاء (أرش).
(٣) في أ (أذن)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٥١٩ ]
قال: فإن صدّقه المولى جاز عليه ولم يجز على الغرماء؛ وذلك لأنّ تصديق المولى يجوز في حقّه، ولا يجوز في حقّ غيره (^١).
قال: فإن قامت على العبد بيّنةٌ: بأنَّه تزوّج بإذن مولاه (^٢)، لزمه المهر، تحَاصّ به المرأةُ الغرماءَ؛ وذلك لأنّ هذا الدين لزمه بسببٍ ثابتٍ في حقّه وحقّ مولاه، فهو كالدين اللازم بالبيع؛ ولأنّ دخول البضع في ملكه متقوّمٌ، فتحاصّ المرأة في عوضه، كما تحاصّ بثمن المبيع.
قال: فإن أقرّ بوطء أمةٍ بنكاحٍ، وجحد المولى، فإقراره باطلٌ حتى يعتق؛ وذلك لأنّه لا يملك الإقرار بالنكاح؛ لأنّ الإذن لم يتناوله، فصار فيه كالمحجور.
قال: وكذلك لو أقرّ أنّه افتضّها بأصبعه غصبًا، كان إقراره باطلًا في قياس قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وفي قياس قول أبي يوسف: إقراره جائزٌ، كان عليه دينٌ أو لم يكن [عليه]، ويضرب مولاها بمهرها مع الغرماء.
وجه قولهما: أنّ هذا إقرارٌ بجناية؛ بدلالة أنّه إتلاف جزءٍ من الآدمي لا يتعلّق بسبب التجارة، فصار كالإقرار بسائر الجنايات.
ولهذا قال أبو حنيفة في المأذون: إذا غصب جارية ثم افتضّها بإصبعه، فأراد مولاها تضمينه بالغصب، قُبِل إقراره؛ لأنّ ضمان الغصب من التجارة، وإن أراد تضمينه بالافتضاض، لم يكن له ذلك؛ لأنّه جنايةٌ، فلا يثبت بإقراره.
وكذلك قال في المأذون يتزوّج جاريةً بغير إذن مولاها [وينقلها] (^٣) إلى
_________________
(١) في ب (على غيره).
(٢) في ب (سيده).
(٣) في أ (في نقلها) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٢٠ ]
منزله، فافتضّها وهي بِكْرٌ: إنّ لمولاها أن يضمّنه النقصان بنقلها، وليس له أن يضمّنه بالافتضاض.
وجه قول أبي يوسف: أنّ هذا الضمان يجري مجرى ضمان الغصب دون ضمان الجناية، بدلالة أنّه لو ثبت بالبينة لزم المولى [بيعه فيه]، وضمان الأموال يثبت بإقرار المأذون، فيصير (^١) كسائر الديون (^٢).
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) انظر: الأصل ٥٣٧ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٢١ ]