قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: إذا لحق المأذون دينٌ كثيرٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، ثم إنّ المولى وطئ جاريةً من رقيق العبد، فجاءت بولدٍ، فادّعاه، فالولد ولد المولى، وأمّه أمّ ولدٍ له، ويغرم المولى قيمة الجارية، ولا يغرم من عقرها كثيرًا ولا قليلًا.
وقال: لا يشبه [الدعوة] (^١) في هذا العتق والتدبير.
أمّا [على] أصل أبي يوسف ومحمدٍ: فلا شبهة [فيه]؛ لأنّ المولى مالكٌ لها، ووطء الرجل لملكه يوجب ثبوت النسب والاستيلاد، [كوطء جارية الابن].
وأمّا على قول (^٢) أبي حنيفة: (فإنّه لا يملكها، إلا أنّ حقّ الملك كنفس الملك في ثبوت النسب والاستيلاد، كوطء جارية الابن) (^٣)؛ ولأنّ شبهة المولى في جارية عبده أقوى من شبهته في جارية ابنه، [ألا ترى أنّه يقدر أن يتملّك هذه،
_________________
(١) في أ (المدعوة) والمثبت من ب.
(٢) في ب (أصل).
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٣٧ ]
ولا يقدر أن يتملّك جارية ابنه] إلا باختياره.
فإذا كان الوطء في جارية الابن يثبتُ النسب والاستيلاد، فهذا أولى، وليس يمتنع أن لا ينفذ عتقه فيها ويثبت استيلاده كجارية الابن.
وإنّما غرم قيمتها؛ لأنّه أتلفها على الغرماء، وحقّهم متعلّقٌ بها، ولا عُقْر (^١) عليه؛ لأنّ ضمان العقر ضمان جزءٍ، وضمان القيمة ضمان الكلّ، فإذا اجتمعا وتعلقا بسببٍ واحدٍ دخل الأقلّ في الأكثر.
قال: وإذا كان على العبد دينٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، ثم إنّ المولى أعتق جاريةً من رقيق عبده، فعتقه باطلٌ في قول أبي حنيفة، فإن قضى العبدُ الغُرَمَاءَ دَيْنَهم، أو أبرأ الغرماءُ العبدَ من دينهم، أو أبرأه بعضهم حتى صار في يده فضلٌ عن الدين، فعتق المولى جائزٌ؛ وذلك لأنّ عتق المولى وإن لم [ينفذ] (^٢) فهو موقوفٌ، فإذا أبرأ الغرماء من دينهم أو استوفوا، زال المانع من تمليك المولى، فملك الجارية بسببٍ سابق للعتق، فينفذ عتقه فيها.
(وهذا كما قالوا فيمن مات وعليه دينٌ مستغرِقٌ، فأعتق الوارث جاريةً من التركة: لم ينفذ عتقه، فإن قضى الدين أو أبرأ الغرماء، نفذ العتق) (^٣)؛ لأنّ الدين لما سقط انتقل الملك إلى الوارث [فينفذ عتقه.
وقد قال الحسن بن زياد: إنّ عتق الوارث] والمولى لا ينفذ بعد قضاء
_________________
(١) (العُقْر: ما تعطاه المرأة على وطء الشبهة، لأن الواطئ إذا افتضها عقرها، فسمى مهرها عُقْرًا، ثم استعمل في الثيب وغيرها). تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٢١٢).
(٢) في أ (يقف)، والمثبت من ب.
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٣٨ ]
الدين؛ لأنّه ملكٌ بعد إيقاع العتق، فصار كالمضارب إذا أعتق عبدًا من المضاربة ولا فضل في المال، ثم صار فيه فضلٌ، لم ينفذ عتق المضارب؛ لأنّه ملك بعد العتق، فكذلك هذا.
وذكر هذا محمد بن الحسن فقال: هذا يُوجب أنّ النصراني إذا مات وترك ابنين نصرانيين، وعليه دينٌ مستغرِق، فأسلم أحدهما، ثم أبرأ الغرماء من دينهم، أن تنتقل التركة إلى النصراني دون المسلم، ولا خلاف أن الميراث لهما، فدل على أنّ الغرماء إذا أبرؤوا، انتقل الملك بالموت لا بالبراءة؛ فلذلك نفذ العتق.
فإن قيل: لو عتق المولى عبد مكاتَبه، ثم عجز المُكاتَب، لم ينفذ عتق المولى.
والجواب: أن ملك المُكاتَب موقوفٌ عليه وعلى مولاه، وليس أحدهما أخصّ من الآخر؛ لجواز أن يعتق فيملك، أو يعجز فيملك المولى، وإذا لم يكن أحدهما أخصّ بالملك من الآخر، لم ينفذ عتق أحدهما.
وفي مسألتنا: الملك موقوفٌ على المولى، والغرماء والمولى أخصّ به على ما بيّنا، فلذلك وقف عتقه فيه.
قال: ولو كانت المسألة [بحالها]، فوطئ المولى (^١) الجارية التي أعقتها، فجاءت بولدٍ وادّعاه، فدعوته جائزةٌ، والولد حرٌّ، والمولى ضامنٌ لقيمة الجارية للغرماء، والجارية حرّةٌ بالعتق الذي كان من المولى قبل الوطء، وعلى المولى العُقْر للجارية؛ وذلك لأنّ المولى لما أعتقها فالعتق موقوفٌ عند أبي حنيفة على ما قدمناه، فلما وطئها فجاءت بولدٍ فادّعاه، سقط حقّ الغرماء عنها [ونفذ العتق
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٣٩ ]
الموقوف، كما لو أبرؤوا من الدين]، ألا ترى أنّه لو لم يكن أعتقها يثبت نسب ولدها، وصارت أمّ ولدٍ، وإذا سقط حقّ الغرماء [نفذ] (^١) العتق الموقف كما لو أبرؤوا من الدين، وإذا عتقت بالإعتاق دون (^٢) الاستيلاد يثبت النسب، ولزمه [العُقْر] (^٣)، فصار كالوطء لامرأة حرّةٍ بشبهةٍ فيلزمه العُقْر لها (^٤).
_________________
(١) في أ (بعد)، والمثبت من ب.
(٢) في ب (قبل).
(٣) في أ (القيمة)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٤) انظر: الأصل ٥٣٧، ٥٣٨، ٥٦٣ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٤٠ ]