وقالوا جميعًا: ليس للمأذون أن يهب درهمًا، ولا يتصدّق به، ولا يكسو ثوبًا؛ لأنّ ذلك صريح التبرع، والعبد لا يملك ما في يديه، فلا يملك التبرع فيه.
وقد كان القياس عندهم: أن لا يجوز تبرعه في جميع الأشياء، وإنّما استحسنوا في هدية الطعام اليسير الذي يفعل مثله التجار إذا وهب ذلك، أو أطعمه للناس، لما روي: "أن النبي ﷺ كان يجيب دعوة المملوك" (^٣)، وروي: "أنّ سلمان أهدى إلى النبي ﷺ وهو مملوكٌ، فقبل [وأكل]، وأكل أصحابه، وأتاهم بصدقة، فأمر الصحابة فقبلوها، ولم يأكل منها شيئًا" (^٤).
وسئل عمر عن العبد يتصدّق؟ فقال: "بالرغيف ونحوه" (^٥)، [فجوزوا
_________________
(١) في ب (حقهم).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) رواه أحمد (٢٣٧٦٣)، وصححه ابن حبان في صحيحه (٧١٢٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٩).
[ ٨ / ٥٤٣ ]
له] (^١) ذلك للأثر، فأمّا هبة الدراهم والثياب فعلى أصل القياس؛ ولأنّ من عادة التُّجَّار أن يطعموا الشيء اليسير [ويستجلبون] (^٢) بذلك المعاملة، والإذن يقع على ما تعتاده التجار، والكثير لم تجر به عادةٌ (^٣)، فبقي على أصل القياس.
وقد قال أصحابنا: لا بأس بأن تتصدّق المرأة من منزل زوجها بالشيء اليسير كالرغيف ونحوه؛ لأن ذلك غير ممنوعٍ منه في العادة، ولا يجوز في الكثير.
قال: وليس للمأذون أن يتكفل بنفسٍ ولا مالٍ، كان عليه دينٌ أو لم يكن؛ وذلك لأنّ الكفالة عقدٌ موضوع للتبرّع، وهو لا يملك التبرع، وليس هذا كالوكالة بالشراء؛ لأنّ عقد الشراء ليس بموضوعٍ للتبرع.
ولو أعار دابةً أو ثوبًا، فلا بأس بذلك، كان عليه دينٌ أو لم يكن؛ لأنّ من عادة التجار في الدوابّ إعارتها وإعارة الثوب، وقد بيّنا أنّ الإذن ينصرف إلى عادة التجار.
قال: وليس للمأذون أن يقرض؛ وذلك لقوله ﵊: "قرضٌ مرتين صدقةٌ مرةً" (^٤)؛ ولأنّ القرض موضوعٌ للتبرّع كالهبة.
قال: ولو أعتق عبدًا على مالٍ لم يجز؛ وذلك لأنّ العتق موضوعٌ للتبرع، فلا يدخل تحت الإذن؛ ولأنّه ليس من التجارة، وقد بيّنا أنّ ما ليس من التجارة مبقىً على [أصل] الحجر.
_________________
(١) في أ (فيجوز روي)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٢) في أ (ويستخدمون)، والمثبت من ب.
(٣) في ب (وما لم تجر به عادة).
(٤) رواه من حديث ابن مسعود ﵁ ابن حبان في الصحيح (٥٠٤٠).
[ ٨ / ٥٤٤ ]
فإن أجاز المولى عِتقه ولا دين عليه، جاز؛ لأنّ العتق موقوفٌ على المولى؛ لأنه يملك أن يبتدئه، فوقف على إجازته، وقبض [المال] (^١) للمولى دون العبد؛ لأن حقوق [العتق] (^٢) لا تتعلّق بالعاقد.
قال: وإن لحق العبد دينٌ بعد عتق هذا، لم يكن للغرماء من المال الذي على المعتَق قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّه بالعتق خرج من كسب المأذون، وما خرج من كسبه قبل لزوم الدين لا يتعلق به [الدين] (^٣).
وإن كان على العبد دينٌ مستغرقٌ (^٤)، فأجاز المولى العتق، جاز، وضمن قيمة العبد لغرماء المأذون، (والمال الذي على المعتَق للمولى) (^٥)، ولا سبيل للغرماء عليه.
ولا يشبه هذا المُكاتَب؛ وذلك لأنّ الدين [إذا لم] يستغرق فملك المولى في الأكساب بحاله، إلا أنّ حقوق الغرماء في الاستيفاء تتعلّق به، فلا يمنع ذلك العتق كالعبد المرهون، وإذا ملك المولى العتق، ملك الإجازة، ويغرم قيمة العبد؛ لأنّ حق الغرماء يتعلّق به، وقد أتلفه عليهم بالعتق، فيضمنه لهم كما يضمن الراهن القيمة بإعتاق العبد المرهون، والمال للمولى؛ لأنّه كسب المعتَق بعد الحريّة، فحقوق الغرماء لا تتعلّق به.
_________________
(١) في أ (المولى)، والمثبت من ب.
(٢) في أ (العقد) والمثبت من ب.
(٣) في أ (الرق)، والمثبت من ب.
(٤) في ب (غير مستغرق)، بزيادة (غير)، وقد سقطت من أ، والسياق لا يقتضيها.
(٥) ما بين القوسين في ب (ويملك المال الذي على المعتق بالإجازة، ويغرم قيمة العبد لأنّه حقٌّ لغرمائه، ولا سبيل للغرماء على المولى).
[ ٨ / ٥٤٥ ]
وليس كذلك مال الكتابة؛ لأنّ [المُكاتَب] ما لم يعتق على حكم الرقّ، فأكسابه تتعلّق حقوق الغرماء بها.
وقالوا جميعًا: ليس للمأذون أن يتزوّج بغير إذن مولاه؛ لأنّه مأذونٌ [له] في التجارة، والتزويج ليس من التجارة، وما لم يدخل تحت الإذن يبقى على أصل الحجر.
وإذا لم يجز النكاح، فُرّق بينهما لفساد العقد، فإن كان دخل بها، فالمهر عليه [بعد] (^١) الحرية؛ لأنه دين لزمه بسببٍ غير ثابتٍ في حقّ [المولى، فهو كدين المحجور.
وقالوا جميعًا: ليس له أن يزوّج عبده؛ لأنّ تزويج العبد فيه ضررٌ؛ بدلالة أنّ رقبته تُستَحَقّ بالمهر والنفقة، ولأنّ تزويج العبد لا يملكه أحدٌ في حقّ] غيره.
وقال أبو حنيفة ومحمدٌ: ليس له أن يزوّج أمته، وقال أبو يوسف: يجوز [له] تزويجها.
وجه قولهما: أنّ تصرّفه خاصٌّ في التجارة، والتزويج ليس من التجارة.
وجه قول أبي يوسف: أنّه جعل المنفعة التي ليست بمالٍ مالًا، فصار كما لو آجرها.
قال: ويجوز عندهم جميعًا أن يأخذ المأذون مالًا مضاربةً [ويدفع مالًا مضاربةً]؛ لأنّ الإذن ينصرف إلى عادة التجار، ومن عادتهم أن يأخذوا المضاربة ويدفعوها؛ ولأنّه إذا أخذ مالًا مضاربةً فإنّه [يحصل] (^٢) لنفسه الربح والضمان،
_________________
(١) في أ (بهذا)، والمثبت من ب.
(٢) في أ (يجعل)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
[ ٨ / ٥٤٦ ]
ويرجع به على ربّ المال، فهو أنفع له من الشراء لنفسه.
وأمّا إذا أعطى مالًا فيجوز أن يستأجر فيه من يعمل مثل عمل المضاربة بأجرةٍ مضمونة، فإذا دفع المال بأجرةٍ (^١) غير مضمونة فهو أولى.
قال: ويجوز أن يشارك شركة عِنَان؛ لأن الشركة من التجارة، ولأن شركة العنان تتضمّن الوكالة، وهو يملك أن يوكّل ويتوكّل، ولا يجوز أن يشارك [شركة] مفاوضةٍ؛ لأنّ المفاوضة تنعقد على الكفالة، وهو لا يملك الكفالة، فإذا عقدها انعقدت شركة (^٢) عنان؛ لأنّ المفاوضة تشتمل على العنان وزيادة، فإذا بطل منها الكفالة بقي معنى العنان.
ويجوز له أن يأذن لعبده في التصرّف (^٣)؛ لأنه يتصرف على عادة التجار، ومن عادتهم أن يأذنوا لعبيدهم.
قال: ولو اشترك العبدان شركة عنانٍ على أن يشتريا بالنقد والنسيئة، (جاز ما اشترياه بالنقد، وكان بينهما، وما اشترياه نسيئة) (^٤) فهو للذي اشتراه خاصةً؛ لما قدّمنا أنّ العبد لا يجوز أن يتوكّل فيما يشتريه نسيئًا؛ لما فيه [من] معنى الكفالة، ويجوز أن يتوكّل فيما يشتريه نقدًا، فإذا تضمنت الشركة الأمرين، جاز أحدهما، ولم يجز الآخر (^٥).
_________________
(١) في ب (ببدل).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (التجارة).
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) انظر: الأصل ٨/ ٤٩٦ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٤٧ ]