وقد كان النبيّ ﷺ أمر في ابتداء الشريعة باحتمال أذيتهم والصبر عليه لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ثمّ أمر بمخالفتهم (^٤) ومجادلتهم ودعائهم بالقول فقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ
_________________
(١) "السير هو جمع سيرة: وهي الطريقة في الأمور. وفي الشرع عبارة عن: الاقتداء بما يختص بسيرة النبي ﷺ في مغازيه. والسير هاهنا: هو الجهاد للعدو". الجوهرة ٢/ ٣٢٩.
(٢) "الجهاد لغة: مصدر من جاهد في سبيل الله. وشرعًا: الدعاء إلى الدين الحق، وقتال من لم يقبله". اللباب مع الجوهرة ٢/ ٣٢٩.
(٣) رواه البخاري (٨)؛ ومسلم (١٦)، والحديث مشهور وليس فيه ذكر الجهاد.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٥ ]
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
ثمّ أمر بمقاتلتهم إذا بدؤوا بالقتال، وبالكفّ عنهم إذا كفّوا، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
ثمّ أمر بالقتال بشرط مُضيّ المدّة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١) [التوبة: ٥]، [وخصّ القتال في الحرم بابتدائهم فيه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ثم نُسخ ذلك ووجب القتال في كلّ حالٍ وفي كلّ زمانٍ وفي كلّ مكانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقد قال أصحابنا: إنّ القتال في الأشهر الحرم جائزٌ، وقال عطاء: لا يجوز.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
_________________
(١) قال ابن عطية: "وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن، أو مهادنة، وما جرى مجرى ذلك، وهي على ما ذُكر: مائة آية وأربع عشرة آية، وقال الضحاك، والسُّدي، وعطاء: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وقالوا: لا يجوز قتل أسير البتة صبرًا، إما أن يُمنَّ عليه، وإما يُفادى، وقال قتادة، ومجاهد، وغيرهما: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ منسوخ بهذه الآية، وقالوا: لا يجوز إلا القتل، وقال ابن زيد: هما محكمتان". وأيّد ابن عطية هذا القول: "وقوله: هو الصواب، والآيتان لا يشبه معنى واحدة معنى الأخرى". المحرر الوجيز (تفسير ابن عطية) ص ٨٢٦.
[ ٩ / ٦ ]
وروي: (أنّ النبيّ ﷺ حاصر أهل الطائف لعشرٍ بقين من المحرّم) (^١)، والحصار نوعٌ من القتال؛ ولأنّ القتال أمرٌ بالمعروف ونهْيٌ عن المنكر، وذلك يجوز في الأشهر كما يجوز بغير قتال.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فقد قيل: إنها نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقيل: إنّ الأمان كان بين النبيّ ﷺ وبينهم إلى هذه المدّة، فأمر بقتالهم عند انقضائها ليقضى الأمان لا لذهاب الأشهر (^٢).