والجهاد من فروض الكفاية: إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين، وإن لم يقم أحدٌ وجب على جميع الناس ولحقهم الإثم بتركه، والدليل على ذلك: أنّ النبي ﵊ كان يخرج في السرايا ولا يخرج جميع أهل المدينة، ولو كان الفرض على الأعيان لم يتركهم؛ ولأنّ الجهاد أمرٌ بمعروفٍ ونهيٌ عن منكرٍ، فكان على الكفاية.
ولأنّه لو وجب على جميع الناس، لتعطّلت مصالح دار الإسلام، وبطلت الزراعة والمنافع، فلا يقدر المجاهدون على الجهاد، فيؤدي ذلك إلى إبطاله.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فرض الله تعالى الجهاد على الناس فرضًا مجملًا، فإذا قام به فريقٌ منهم فيهم جرأة [وغَنَاءٌ] (^٣) ومكافأة للعدو ومقاومةٌ له،
_________________
(١) روى حصار أهل الطائف مسلم (١٠٥٩)، من حديث أنس ﵁.
(٢) والأحاديث كثيرة جدًّا في الباب، حتى قال الرازي -بعد أن ساق بعض أحاديث المسألة-: "والآثار الواردة في فرض الجهاد أكثر من أن يحتمل ذكرها هذا الكتاب". شرح مختصر الطحاوي ٧/ ٨.
(٣) في أ (وأغناه)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ٧ ]
سقط فرض الجهاد عن الباقين (^١)، وليس فرض الجهاد لازمًا لكلّ أحدٍ في نفسه، وهذا لمَا قدّمنا.
قال: ولا ينبغي أن يَخْلو ثغور المسلمين من ذلك: ومن أن يكون فيها من يفي بالعدو وقتالهم، والاستظهار عليهم، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]: أراد به التقاء المقاتلين (^٢)؛ لأنّه [لا] يجب قتال جميع الكفار، وهذه الآية تدلّ على وجوب الجهاد، وقد بيّنا ذلك.
قال: فإن ضَعُف مَنْ بالثغور بإزاء العدو، ولحق من العدو أمرٌ يُخَاف عليهم منه من قَتْلٍ أو سَبْيٍ، أو ظهورٍ عليهم، فضعفوا عن دفعهم عن ذلك، فعلى من وراءَهُم من المسلمين أن ينفروا إليهم الأقرب فالأقرب منهم، حتى يزول ما يخاف عليهم من ذلك، وأن يمدّوهم بالسلاح والرجال والكراع حتى يكون الجهاد أبدًا قائمًا، والدعاء إلى الله تعالى وإلى دينه متصلًا، وهذا لما بيّنا أنّ الجهاد فرضٌ على الكفاية، فإذا قام به فريقٌ سقط عن الباقين، فإذا ضعف أهل
_________________
(١) في ب (الناس).
(٢) في ب (أراد به المقاتلين لا المقاتلين).
[ ٩ / ٨ ]
الثغور، وليس هناك من يقوم به، [تعيّن] (^١) الفرض على جميع الناس، والأقرب فالأقرب أخصّ به، فيجب عليهم جميعًا أن يسدّوا الثغور بأنفسهم وبأموالهم إذا احتيج إلى السلاح والكراع، وجب على الناس ذلك لتحصل المقاومة، فيسقط عنهم الفرض.
قال: وكذلك لو احتيج إلى من يَقرُب من الثغور، ومن ينأى عنها في سدّ الثغور والقيام في مجاهدة العدو، لم يسع أحدًا ممّن فيه غناءٌ ودفاعٌ أن يتأخّروا؛ وذلك لأنّ الفرض إنّما يسقط بحصول الكفاية، فإذا لم تحصل تعيّن الفرض على كلّ الناس، فلزمهم القيام به.
وإنّما شُرط من فيه غناءٌ ودفاعٌ؛ لأنّ من لا يُنتَفع به في الحرب بنفسه ولا ماله ولا رأيه، لا يتوجّه عليه القيام به للعجز عنه، كما لا يخاطب بسائر العبادات من يعجز عنها.
قال: فإن كان فيمن احتج إليه عبدٌ، جاز أن يخرج بغير إذن سيّده.
وجملة هذا: أنّ العبد لا يجوز له الجهاد مادام بالمسلمين غناءٌ عنه إلا بإذن مولاه؛ ولأنّ الفرض لا يجب عليه إذا كان هناك من يقوم به، وما لا يتعيّن وجوبه على العبد، فحقّ المولى مقدّمٌ عليه، كصوم التطوّع، وصلاة التطوّع.
فأمّا إذا وقع النفير واحتاج الناس إليه، فالفرض قد تعيّن، والفروض المتعيّنة تقدّم على حقّ المولى كصلاة الفرض؛ ولهذا قالوا: إنّه يقاتل بغير إذن مولاه (^٢).
_________________
(١) في أ (فيتعلق) والمثبت من ب.
(٢) في ب (سيده).
[ ٩ / ٩ ]
قال: وكذلك النساء إذا اضطروا إلى قتالهنّ، فليخرجن بغير إذن أزواجهنّ، وهذا على ما قدّمنا في العبد؛ لأنّ المرأة لا يجب عليها القتال إذا كان هناك من يقوم به، وما لا يجب عليها القتال (^١)، لا يجوز لها (قطع حقّ الزوج بفعلها، كما لا يجوز لها) (^٢) التطوّع بالصوم.
فأمّا إذا تعيّن الفرض واحتاج الناس إليها، صار القتال من فروض الأعيان، فلم يقف على إذن الزوج كالصلاة والصيام.
والدليل على أنّ المرأة يجوز أن تقاتل إذا كانت تقدر على ذلك: "أنّ أم سُلَيم بنت ملحان كانت مع النبيّ ﷺ يوم حنين حين انهزم الناس عنه" (^٣).
وقالت أم عطية: "غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات، كنت أصلح لهم الطعام، وأُداوي الجرحى، وأقوم على المرضى" (^٤).
قال: وكذلك الولد، إذا احتيج إلى خروجه وَسِعَه أن يخرج بغير إذن أبويه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتًا.
والأصل في هذا: أنّ فرض الجهاد إذا لم يتعيّن، لم يجز للولد أن يخرج إلا بإذن والديه، أو بإذن (^٥) أحدهما إن كان الآخر ميتًا؛ وذلك لأنّ الجهاد إذا قام به بعض الناس سقط فرضه عن الباقين، وطاعة الوالدين فرضٌ، فلا يجوز أن يتركها لما ليس بفرضٍ.
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) رواه مسلم (١٨٠٩).
(٤) رواه مسلم (١٨١٢).
(٥) (أو بإذن) سقطت من ب.
[ ٩ / ١٠ ]
وقد روي أنّه ﵊ سئل عن [أفضل] (^١) الأعمال، فقال: "الصلاة لوقتها، ثم بِرّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله" (^٢)، فقدّم برّ الوالدين على الجهاد.
وروي أنّ ابن عباس بن مرداس [السلميّ] جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: إنِّي أريد الجهاد معك، (فقال: "ألك أمٌّ؟ " قال: نعم) (^٣)، قال: "الزم أمّك، فإن الجنة عند رِجْل أمك" (^٤).
وروي أنّ رجلًا قال للنبيّ ﵊: إني كنت أجاهد معك، وتركتُ أبويّ يبكيان، فقال: "ارجع فأضحكمها كما أبكيتهما" (^٥).
قال أصحابنا: إنّ كلّ سفرٍ لا يؤمن فيه الهلاك ويشتدّ فيه الخطر، لا يحلّ للإنسان أن يخرج إليه إلا بإذنهما (^٦)؛ لأنّ الإشفاق عليه يضرّ بهما، وقد أُمِر بمصاحبتهما بالمعروف، وترك أذيتهما، فأمّا السفر الذي لا خطر فيه، فيجوز أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيّعهما (^٧)؛ لأنّه لا يضرّ بهما بالخوف عليه، فيجوز له.
ومن أصحابنا المتأخرين من قال: يجوز السفر في طلب العلم بغير إذن
_________________
(١) في أ (فرض)، والمثبت من ب.
(٢) رواه البخاري (٥٠٤)؛ ومسلم (٨٥).
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) رواه أحمد (١٥٥٧٧)، وابن ماجه (٢٧٨١)؛ والطبراني في الكبير (٨/ ٣١١)؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٣٨): (رواه الطبراني عن ابن إسحاق وهو مدلسٌ، عن محمد بن طلحة، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح).
(٥) رواه أبو داود (٢٥٢٨)؛ وابن ماجه (٢٧٨٢)؛ وصححه ابن حبان في الصحيح (٧٢٥٥).
(٦) في ب (بإذن والديه).
(٧) في ب (يصبهما شيء).
[ ٩ / ١١ ]
الوالدين؛ لأنّه لا خطر على النفس فيه، وهو فرضٌ، فلم يقف على إذنهما.
فأمّا إذا وقع النفير واحتاج الناس، جاز الخروج بغير إذن الوالدين؛ لأنّ الخروج في هذه الحالة فرضٌ معيّنٌ لا يُستدرَك، وبرّ الوالدين والقيام [عليهما] يمكن استدراكه.
قال: وينبغي للمسلمين إذا استفرغوا جهدهم، ولم يبق لهم أمرٌ يمكنهم استعماله في جهاد العدو وإظهار حكم الله ودينه إلا وقد استعملوه، وأن يثقوا بوعد الله تعالى لهم بالنصر، فإنّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠] وهذا إخبارٌ من الله تعالى بأنّه ناصرهم.
وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقد وعد الله نبيّه ﵊ والمؤمنين بإتمام نوره، وأنّه حائلٌ بين عدوهم وما يقصد إليه من إطفاء نوره، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الله تعالى لمّا وعد بالنصر وهو صادقٌ في وعده، كان علينا بذل الجهد ليتحصّل ما وعد الله به، ويسقط عنّا التكليف، ويزول التفريط (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: الأصل ٧/ ٤٢١؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ٥ وما بعدها.
[ ٩ / ١٢ ]