وأمّا المراهق إذا كان يعقل الإسلام، فلا يجوز أمانه عند أبي حنيفة حتّى يبلغ، وقال محمدٌ في السير الكبير: أمان المراهق والمختلط العقل إذا كانا يعقلان الإسلام ويصفانه، جائزٌ (^٢).
وجه قول أبي حنيفة: أنّ الغلام لا يملك العقود، والأمان عقدٌ من العقود؛ ولأنّه لا يملك أن يعقد في حقّ نفسه، ففي حقّ غيره أولى.
وجه قول محمدٍ: أنّ الغلام المراهق من أهل القتال كالبالغ.
وإنّما اعتبر أن يعقل الإسلام ويصفه، حتى يصير مسلمًا بنفسه، فأمّا إذا لم
_________________
(١) انظر: الأصل، ٧/ ٤٥٨ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٧/ ١٩٤ وما بعدها.
(٢) وعبارة السير الكبير: "فأما أمان الغلام الذي راهق من المسلمين، أو من الكافرين، فعقل الإسلام وَوَصَفه، جائز"، ١/ ٢٥٧.
[ ٩ / ٤٨ ]
يعقل ذلك، فإنّما يحكم له بالإسلام تبعًا لغيره، ولا يعتدّ بذلك.
قال: ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، ولا الأسير فيها، ولا من أسلم هنالك؛ وذلك لأنّ هؤلاء يضطرون إلى ما يريده الكفار ليتخلصوا بذلك من الضرر، فصار عقدهم كعقد المُكرَه؛ ولأنّ أهل الحرب في أمانٍ منهم؛ لأنّهم لا يقدرون على قتالهم، فلا معنى للأمان.
وأمّا الذمي، فلا يجوز أمانه وإن أُذِن له في القتال؛ لأنّ الذمي متّهمٌ على المسلمين، ألا ترى أنّه يقصد تقوية الكفار وإظهار كلمتهم، فلم ينفذ عقده مع التهمة.
قال محمدٌ (^١): ويجوز أمان المسلم الأعمى والزَّمن والمريض والشيخ الكبير؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل الوِلَاية على المسلمين، فصاروا كمن يقاتل؛ ولأنّهم من أهل الرأي في الحرب وإن لم يكونوا من أهل مباشرتها.
وذكر أبو الحسن عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف، عن الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ: "المسلمون يدٌ على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويعقد عليهم أولهم، ويردّ عليهم أقصاهم (^٢)، ويرد سراياهم على قعدهم" (^٣).
قال أبو يوسف: أمّا قوله: "يسعى بذمّتهم .. "، فأيّ رجلٍ أمّن رجلًا، جاز
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) (ويرد عليهم أقصاهم) سقطت من ب.
(٣) رواه - ولكن من طريق ابن إسحاق عن عمر بن شعيب به -: ابن خزيمة في الصحيح (٢٢٨٩)؛ ومن طريق هشيم ويحيى بن سعيد عن عمر بن شعيب به: أبو داود (٢٧٥١).
[ ٩ / ٤٩ ]
عليهم أمانه.
وأمّا قوله: "ويعقد عليهم أولهم .. "، فهذا في الصلح، أيّما رجلٌ من المسلمين صالح قومًا من أهل الحرب، وعقد لهم عقدًا فهو جائزٌ على المسلمين، ولكنّهم لا يتركون [في دار الإسلام] إلا على ما وصفت لك من عرض الإسلام عليهم أو الجزية، وإلا أُلحِقوا بمأمنهم حتى لا يقيموا في دار الإسلام بغير خراجٍ على رؤوسهم، إلا أن يسلموا.
وقال أبو يوسف في تمام الحديث: وأمّا قوله: "يردّ عليهم أقصاهم .. " فهذا في المتاع أو الرقيق يصيبه العدو ثم يصيبه المسلمون، فهذا يردّ إلى أهله إن أصابوه قبل القسمة.
وأمّا قوله: "يردّ سراياهم على قعدهم"، وهو [الخمس] (^١)، يُردّ على من فرض الله تعالى في كتابه على الفقراء وغيرهم من المسلمين.
وأمّا قوله ﵊: "تتكافأ دماؤهم"، فإنّ دم الشريف والوضيع واحدٌ في القصاص والدية، "وهم يدٌ على من سواهم"، يقاتلون من كان على غير دينهم، حتى يدخلوا في الإسلام، [أو يؤدوا الجزية.
قال محمدٌ: وإذا أبوا الإسلام أو الجزية، وقالوا: نقيم في دار الإسلام]، وأبَو أن يلحقوا بمأمنهم، وقد أمروا بذلك، فإن الإمام يقول لمن أمّن منهم: قد أجّلتك إلى كذا وكذا، فإن لحقت بمأمنك، وإلا فأنت لنا ذمّةٌ نضع عليك الخراج إلا أن ترجع إلى مأمنك، ويكون الأجل في ذلك على ما يرى الإمام أو الأمير،
_________________
(١) في أ (الجيش)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ٥٠ ]
فإن لحق بمأمنه وإلا صار ذمّةً، ولا يُترَك أن يرجع إلى مأمنه؛ لأنّ الكافر لا يجوز أن يقرّ على كفره إلا بجزيةٍ، فإذا أقام في دارنا وامتنع من الرجوع، يقوم (^١) إليه الإمام، ويضرب له أجلًا، فإن أقام إلى الأجل صار مقامه التزامًا للجزية، ورضًا بها، فلا يُمكّن بعد ذلك من الرجوع ونقض العهد، كما لا يُمكّن سائر أهل الذمّة. [والله أعلم] (^٢).
_________________
(١) في ب (تقدم).
(٢) انظر: الأصل ٧/ ٤٥٨، ٤٥٩؛ شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢ وما بعدها.
[ ٩ / ٥١ ]