قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: لا سهم لصبيٍّ، ولا امرأةٍ، ولا عبدٍ، ومن قاتل منهم رضخ له من الغنيمة ولا يبلغ به السهم، وكذلك الذميّ إذا قاتل مع المسلمين، رضخ له، ولا يبلغ به سهمًا.
وجملة هذا أنّ كلّ من لا يلزمه القتال في غير حال الضرورة، لا يُسهم له، ومن يلزمه القتال يُسهم له.
والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: "أنّ النبي ﵊ كان لا يسهم للعبيد والنساء والصبيان" (^١).
وعن ابن عباس في العبد والمرأة يحضران مع الناس قال: "ليس لهما سهمٌ، وقد يرضخ لهما" (^٢)، وروي عن النبي ﵊ أنّه قال: "لا نجعلهم كأهل الجهاد" (^٣)، وروي عن فضالة بن عبيد قال: "كان النبي ﵊ لا يسهم للمملوكي" (^٤)، ولأنّ من لا يلزمه القتال في غير حال الضرورة، فليس من أهله، فلو أسهمنا لهم لسوّينا سهمهم وسهم أهل القتال (^٥)، وذلك لا يجوز.
فإن قيل: [إنّ] الكافر مخاطبٌ بالشرعيات، إذا قاتل فهو من أهل الوجوب.
قيل له: الكافر عندنا مخاطبٌ بشرط تقدّم الإسلام، فما فعله قبل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٩٢؛ ومسلم في صحيحه. انظر: نصب الراية ٣/ ٤٢٠.
(٢) رواه مسلم مرفوعًا، حديث (١٨١٢).
(٣) ذكره الواقدي في المغازي، ولكن من فعله ﷺ وليس من قوله، وصيغته: (ولم يجعلهم كأهل الجهاد). انظر مغازي الواقدي (٢/ ٦٨٧)، ط عالم الكتب، بيروت، ت: مارسدن جونس.
(٤) وذكره السرخسي في المبسوط (١٠/ ٤٥).
(٥) في ب (لسوينا بينهم وبين أهل القتال).
[ ٩ / ٩٣ ]
الإسلام لم يعتدّ به كسائر العبادات.
قال: ولا يسهم للتُّجَّارِ ولا للأُجَرَاءِ، فإن قاتل التجار مع أهل العسكر استحقّوا السهمان، كما يستحقّ ذلك أهل العسكر، الفارس سهم (^١) فارسٍ، والراجل سهم راجلٍ.
وإن قاتل (^٢) الأجير مع العسكر، قال محمدٌ: إن ترك خدمة صاحبه وقاتل، استحقّ السهمان (^٣) (كما يستحقّ ذلك أهل العسكر) (^٤)، وإن لم يترك ذلك فلا شيء له في الغنيمة، ولا يجتمع له أجرٌ ونصيبٌ في الغنيمة.
وجملة هذا أنّ من دخل [للقتال] (^٥) استحقّ السهم قاتل أو لم يقاتل، ومن دخل لغير القتال لم يستحقّ السهم إلا أن يقاتل وهو من أهل القتال؛ [وذلك لأنّه إذا دخل للتجارة، فلم يحصل من أهل القتال]، فلم يسهم له، إلا أن يفعل القتال، فيصير بفعله كمن دخل للقتال.
وكذلك الأجير إنّما دخل لخدمة المستأجِر ولم يدخل للقتال، [فإن] ترك الخدمة وقاتل صار كأهل العسكر.
وقد روي أنّ عبد الرحمن بن عوف استأجر أجيرًا بثلاثة دنانير، فلمّا فتح الله على نبيه قال رسول الله ﷺ: "هذه حظّك من الدنيا والآخرة" (^٦)، وأمّا قول
_________________
(١) في ب (منهم)، وكذلك في الجملة بعدها.
(٢) في ب (كان).
(٣) في ب (السهم).
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) في أ (القتال) والمثبت من ب.
(٦) رواه إسحاق بن راهويه في المسند كما في المطالب العالية (٩/ ٤٢٥)، (دار العاصمة، =
[ ٩ / ٩٤ ]
محمدٍ: إنّه لا يجتمع الأجر والسهم، إنّما يريد بذلك أنّه إذا ترك الخدمة وقاتل، سقطت الأجرة واستحقّ السهم، وأمّا أجرة (^١) ما قبل ذلك فاستحقاقها لا يمنع من أخذ السهم.
قال: ومن دخل مقاتلًا مع العسكر، فقاتل أو لم يقاتل، لمرضٍ أو غيره، فله [سهمه] (^٢)، إن كان فارسًا ففارسٌ، وإن كان راجلًا فراجلٌ؛ وذلك لأنّه لمّا دخل للقتال صار من أهله، فلا يعتبر فعله للقتال؛ ولأنّ الشبّان يوم بدر تسرّعوا وأقام غيرهم، واشتركوا في الغنيمة، فدلّ على أنّ الاستحقاق لا يقف على فعل القتال (^٣).
_________________
(١) = السعودية، ط ١، ١٤١٩ هـ).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في أ (سهمان) والمثبت من ب.
(٤) انظر: الأصل ٧/ ٤٣٩ وما بعدها؛ التجريد، ٨/ ٤١٤١ وما بعدها شرح مختصر الطحاوي ٧/ ١٢٠ وما بعدها.
[ ٩ / ٩٥ ]