قال ﵀: يجوز الإذن للعبد في التجارة (^٢)، والدليل عليه ما روي: (أنّ النبي ﷺ كان يركب الحمار، ويجيب دعوة المملوك) (^٣)، ومعلومٌ أنّه لا يجيب المحجور، فلم يبق إلا أنّه يجيب المأذون، وهذا يدلّ على جواز الإذن.
وروي أنّ العباس كان له عشرون عبدًا، كلّ واحدٍ يتجر بعشرة آلاف (^٤)، وكان هذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ؛ ولأنّ العبد ممنوعٌ من التصرف لحقّ المولى، فإذا أذن المولى فقد أسقط حقّ نفسه، فجاز التصرف، ولا خلاف في هذا.
والإذن [للعبد] عندنا: إطلاقٌ من حجرٍ؛ لأنّ المانع من تصرّف العبد مع صحة قوله الحجر الثابت بالرّقِّ، فإذا أذن المولى زال الحجر بالإذن، كما يزول بالعتق، فيجوز تصرف العبد؛ ولهذا نقول: إنّه يتصرف لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع
_________________
(١) المأذُون -بضم الذال- من أذن، أباح، ومنه: "أذنت للعبد في التجارة، فهو مأذون له. والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفًا، فيقولون: "العبد المأذون". المصباح (أذن). وشرعًا: "فكّ الحجر وإسقاط الحق". الهداية ٣/ ٢٥٨؛ في ومعجم لغة الفقهاء: "المأذون له بالتصرف: الذي أبيح له التصرف؛ لأن الإذن يفيد الإباحة، ومنه المحجور عليه: الذي أباح له مولاه" ممارسة البيع والشراء. (المأذون).
(٢) انظر: الأصل ٨/ ٤٩٦.
(٣) رواه الترمذي (١٠١٧) وقال: (هذا حديثٌ لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس، ومسلم الأعور يضعف)؛ وابن ماجه (٤١٧٨).
(٤) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٦٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣٢٢)، وقال الحاكم: (صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
[ ٨ / ٥٠٥ ]
بالديون على مولاه، فلو تصرّف بالإذن لرجع عليه (^١) كالمضارب والوكيل.
والإذن [يثبت] لمعانٍ: منها: أنّ من أُذِن له في التجارة إذنًا عامًا، أو أُذِن له في شيءٍ خاصٍّ يفوّض إليه الرأي فيه ممّا لا يُفعل في العادة على وجه الاستخدام، أو يراه يتصرّف ولا ينكر عليه، أو يضع عليه غلّةً في كلّ يومٍ، أو في كلّ شهرٍ، أو يقول له: إذا أدَّيْتَ إليّ ألفًا فأنت حرٌّ، (أو أدِّ إليَّ ألفًا وأنت حرٌّ) (^٢).
وأمّا إذا أذن له إذنًا عامًا جاز تصرّفه في جميع الأشياء؛ لأنّها دخلت تحت الإذن الصريح، فيجوز التصرّف كما يجوز في المضارب
وأمّا إذا أذن في نوعٍ خاصٍّ، جاز له أن يتصرّف في كلّ نوعٍ استحسانًا، والقياس أن لا يجوز تصرّفه إلا في ذلك النوع، وهو قول زفر.
وجه القياس: أنّه أذن له في نوعٍ فلم يجز أن يتجاوزه كالمضارب والوكيل.
وجه الاستحسان: أنّه أطلق حجره بالإذن كما أطلقه بالعتق، ولو أعتقه لم يتخصّص الإذن (^٣)، كذلك إذا أذن [له]؛ ولأنّ الإذن في نوعٍ يدخل فيه كل الأنواع من طريق المعنى؛ بدلالة أنّه إذا قال له: أذنت لك في البزّ (^٤)، جاز أن يبيع البزّ بالحنطة، ثم يبيع الحنطة بالدراهم، وجاز [له] أن يشتري البزّ بالحنطة، ثم يبتاع الحنطة ويوفيها، فلو اختصّ الإذن بنوعٍ دخل غيره فيه حكمًا، فلذلك قلنا: إنّه عامٌّ.
_________________
(١) في ب (على مولاه).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في ب (التصرف).
(٤) البَزُّ - بالفتح: نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت". كما في المصباح (بزّ)؛ "والبزّ: هو الثياب من القطن والكتاب، والبزاز: بائع القماش". كما في معجم لغة الفقهاء (بزّ).
[ ٨ / ٥٠٦ ]
وليس هذا كالوكيل والمضارب؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يرجع بما يلزمه من الدين، وللآمر غرضٌ صحيحٌ في أن لا يوجب الرجوع على نفسه في كلّ شيءٍ، ولا [غرض] (^١) للمولى في التخصيص؛ لأنّ العبد لا عليه، وإنما تعلق رقبته بالدين، ولا فرق بين استحقاقها في النوع الذي عينه أو في غيره.
وعلى هذا قال أصحابنا: إذا أذن لعبده دهرًا (^٢) أو شهرا، كان مأذونًا أبدًا، إلا أن يحجر عليه؛ لأنّ الإذن إطلاقٌ من حجر، فلا يتوقّت كالبلوغ.
وقالوا: إذا قال له: أذنت لك في شراء البزّ، فلا تشتر غيره، ولا تتّجر في غيره، فهو إذنٌ في جميع التجارات؛ لأنّه حجر عليه مع بقاء الإذن، وهو لا يملك إلا الإذن على الإطلاق، أو الحجر على الإطلاق.
وقالوا: لو أمره بضربٍ من الصنائع فقال: [اقعد] (^٣) قصّارًا أو صبّاغًا، فقد أذن له في جميع الصنائع وجميع التجارات، وله أن [يقعد] (^٤) صيرفيًا، وأن يشتري ما بدا له من الدوابّ (^٥) والرقيق وغير ذلك؛ لأنَّه لمّا أذن له في الصِّناعة، فقد أذن له في ابتياع آلاتها، وفي استئجار الأُجَرَاء للعمل، والإذن في نوعٍ [من] الشراء إذنٌ في كلّ نوعٍ؛ لأنّ العمل (^٦) يلزمه في جميعها على وجهٍ واحدٍ.
وأمّا إذا أمره فيما يجري مجرى الاستخدام، فلا يكون إذنًا، وهو مثل أن
_________________
(١) في أ (عوض) والمثبت من ب.
(٢) في ب (يومًا).
(٣) في أ (افعل)، والمثبت من ب، وهو أولى في العبارة.
(٤) في أ (يفعل)، والمثبت من ب.
(٥) في ب (البز).
(٦) في ب (الدين).
[ ٨ / ٥٠٧ ]
يرسله ليشتري له ثوبًا أو لحمًا بدرهمٍ، أو ثوبًا يلبسه المولى أو العبد أو طعامًا لرزق المولى أو لرزق أهله، فالقياس أن يكون هذا إذنًا؛ لأنّ الإذن [لا] يتبعض، وإنّما استحسنوا فقالوا: إنّه لم يفوّض إليه الرأي، وإنّما عيّن له التصرّف؛ ولأنّا لو جعلنا هذا إذنًا تعذّر على المولى استخدام عبده؛ لأنّه يستخدمه بهذه الألفاظ؛ فلذلك لم يكن إذنًا.
وعلى هذا، لو قال (^١): اشتر (^٢) من فلانٍ ثوبًا فاقطعه قميصًا، أو طعامًا ففعله، فهو كالأوّل؛ لِمَا بيّنا أنّه لم يفوّض الرأي إليه على الإطلاق، وإنّما هو استخدامٌ في العادة (^٣).