قال ﵀: الأصل في لزوم الإقرار (^١) للمقِرِّ قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلو لم يلزم المقِرَّ ما أقرّ به لم يرجع إلى إملائه، ثم ذمّه على الكتمان، فلولا أنّه إذا ظهر تعلّق بإظهاره الحكم، لم يكن لذمّه معنًى، ألا ترى أنّ الله تعالى لما ذمّ الشهود على كتمان الشهادة، دلّ على أن إظهارها يتعلّق به حكمٌ، ويَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قال ابن عباس: [شاهدةٌ] (^٢)، وروي أنّ ماعزًا أقرَّ عند النبي ﵊ بالزنا، فرجمه النبي ﵊ (^٣).
وقال في قصة العَسيف: "واغد يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (^٤)، وهذا يدلّ على أنّ الاعتراف يثبت به الحدّ، فلأن يثبت به المال أولى.
ولأن المقرّ غير متّهمٍ على نفسه فيما يقرّ به، فوجب أن يلزمه حكم إقراره.
قال أبو الحسن: وإذا أقر البالغُ العاقلُ الحُرُّ بشيءٍ في ذمّته، أو فيما في يده، أو في بدنه بشيءٍ من حقوق الناس، جاز ذلك عليه وأُخِذ به، فإن رجع عنه
_________________
(١) الإقرار لغة: مشتق من قرّ الشيء إذا ثبت، وقيل: هو ضد الجحود. وشرعًا: "هو إخبار عن ثبوت حق الغير على نفسه، وليس بإثباته". كما في أنيس الفقهاء ص ٢٤٣. وفصّل الجوهرة: "عبارة عن إخبار عن كائن سابق، وإظهار لما وجب بالمعاملة السابقة، لا إيجاب ولا تمليك مبتدأ". ص ٣٢٠.
(٢) مزيدة من ب، رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٩/ ١٨٥)، دار الفكر، ط ١٤٠٥ هـ.
(٣) رواه البخاري (٦٤٣٨)؛ ومسلم (١٦٩٣).
(٤) رواه البخاري (٢١٩٠)؛ ومسلم (١٦٩٧) من حديث أبي هريرة.
[ ٨ / ٥٦١ ]
بعد إقراره لم يقبل رجوعه عنه، وسواءٌ كان الحق الذي أقرّ به لآدميٍّ مالًا أو غير مالٍ.
أمّا لزوم الإقرار؛ فقد بيّناه، وأمّا اعتبار البلوغ والعقل؛ فلأن قول الصبي والمجنون لا يتعلّق به حكمٌ؛ لقوله ﵊: "رفع القلم عن ثلاث … " (^١).
فأمّا شرط الحريّة؛ فلأنّ العبد إذا أقرّ بالأموال، لزمته بعد الحريّة، وإذا أقرّ بالحدود والقصاص، لزمته في الحال، [فلما اختلف] (^٢) حكم إقراره، شُرِط في جواز الإقرار الحريّة.
وأمّا إذا رجع لم يقبل رجوعه؛ لأنّ الحقّ قد لزمه للمقَرّ له، وفي رجوعه إسقاط حقّه، فلا يقبل قوله فيه.
قال: فإن كان ما أقرّ به حقًّا لله تعالى مجرّدًا من حقوق الناس، مثل الزنا، وشرب الخمر، و[حدّ] السرقة، فإن أقرّ بذلك ثم رجع عنه قبل استيفاء الحدّ، بطل الحدّ؛ لما روي أنّ ماعزًا لما مسّه حرّ الحجارة هرب، فاتبعوه فقتلوه، وذُكر ذلك للنبي ﵊، فقال: "هلا خلّيتم سبيله" (^٣)، فجعل الهرب [الدالّ] على الرجوع كالرجوع.
فإذا وجد [صريح] (^٤) الرجوع أولى أن يسقط الحد؛ ولأنّ الحدود تسقط بالشبهة، والرجوع شبهةٌ، فسقطت به [الحدّ].
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٣٩٨)؛ والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١)؛ وصححه ابن حبان فرواه في صحيحه (١٤٢).
(٢) في أ (فلا يختلف)، والمثبت من ب.
(٣) رواه أبو داود (٤٤١٩)؛ وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٥٨): (إسناده حسنٌ).
(٤) في أ (مع)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٦٢ ]
قال: ويثبت عليه جميع ذلك بإقراره مرّةً واحدةً، إلا الإقرار بالزنا، فإنّه لا يلزمه إلا أن يقرّ أربع مرات.
[وقال أبو يوسف: عدد الإقرار معتبرٌ بالشهود، فما كان الشهود فيه أربعةً، فالإقرار أربعةٌ، وما كان الشهود فيه اثنين، فالإقرار مرتان في الحدود].
وجملهُ هذا: أنّ كل ما جاز إثباته بشهادة شاهدين، جاز إثباته بإقراره مرّةً واحدةً (^١) كالمال؛ ولأنّ السارق أقرّ عند النبي ﷺ بالسرقة فقطعه (^٢)، ولم يعتبر تكرار الإقرار.
لأبي يوسف: أن العدد في الإقرار بالحدود معتبرٌ بعدد الشهود فيها، كالإقرار بالزنا.
فأمّا الإقرار بالزنا، فقد بيّناه في كتاب الحدود، وقد روى بشرٌ عن أبي يوسف في نوادره: أنّه رجع في الإقرار بالسرقة إلى قول أبي حنيفة.
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: وإذا قال: سرقت من هذا عشرة دراهم، لا بل سرقت من هذا عشرة دراهم، قال أبو حنيفة: أضمّنه للأوّل عشرةً، وأقطعه للثاني، وقال أبو يوسف: لا أقطعه حتى يقرّ للثاني مرّة أخرى.
وقال بشر: رجع أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) رواه من حديث أبي أمية المخزومي: أبو داود (٤٣٨٠)؛ والنسائي (٤٨٩٢)؛ وابن ماجه (٢٥٠٧). قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٢/ ٣١٣): (في إسناده مجهولٌ أعله به الخطابي وعبد الحق والمنذري، وأما ابن السكن فذكره في سننه الصحاح، وأما الإمام فإنه قال في نهايته إنه متفقٌ على صحته). خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير، مكتبة الرشيد في الرياض، ط ١، ١٤١٠ هـ.
[ ٨ / ٥٦٣ ]
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ قوله: لا رجوع - ورجوعه مقبولٌ في الحدّ - غير مقبولٍ في المال، فيضمن للأوّل، ولا يقطع، ثم قد استدرك على نفسه الإقرار بالسرقة للثاني، واستدراكه مقبولٌ على نفسه (^١)، والعدد غيرُ معتبرٍ عند أبي حنيفة، فيُقبَل (^٢) ويُقطَع.
وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: إذا أقرّ بسرقةٍ أو شرب خمر أو زنًا بعد حين، أُخِذ بذلك، إلا شرب الخمر، فإنّه لا يؤخذ به في قول أبي حنيفة [وأبي يوسف]، ويؤخذ به في قول محمدٍ.
وقد كان القياس: أن يُقبَل إقرار الإنسان بعد حينٍ بجميع الحدود؛ لأنه غير متهمٍ [على نفسه فيما يقرّ به، فصار التقديم والتأخير سواءً، وإنّما استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف] في الشرب إذا أقرّ به بعد ذهاب ريحه أن [لا] يقام عليه الحد؛ لحديث ابن مسعودٍ: "أنّ رجلًا جاء بابن أخيه، فقال: إن هذا ابن أخي، وإنه كان يتيمًا في حجري، وقد شرب الخمر، فسأله ابن مسعود، فأقرّ، فقال لعمه: بئس كافل يتيمٍ أنت، إنّك لم تحسن أدبه ولا سترت خِزيته، ثم قال ترتروه، مزمزوه، فإن وجدتم ريحًا فاجلدوه" (^٣)، فهذا يدلّ على أنّ بقاء الرائحة معتبرٌ في إقامة الحدود، ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة خلاف ذلك، وأمّا محمدٌ فذهب إلى القياس.
قال: وإن جاء السكران في حال سكره يقرّ على نفسه، لم يؤخذ بإقراره؛ لأنّ السكران زائل العقل، والحدود يُعتبر فيها الاحتياط، فلا تثبت بقوله (^٤).
_________________
(١) (على نفسه) سقطت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) رواه البيهقي في الكبرى (٨/ ٣٣١).
(٤) انظر: الأصل ٨/ ٣٨٨؛ شرح مختصر الطحاوي ٣/ ٢٩٣.
[ ٨ / ٥٦٤ ]