ثالثًا: الحالة الثَّقافيَّة والحركة العلميَّة
على الرَّغم مما انتاب العالم الإسلامي في نهاية العصر العبَّاسي من ضعفٍ وتفكُّكٍ وانحلال، إلَّا أنَّنا نجد أن هذه الفترة تتميَّز بنهضةٍ علميَّةٍ، وحركةٍ فكريَّةٍ نشطةٍ في بغداد، وفي تلك الدُّول التي استقلَّت عن الخلافة العبَّاسيَّة، كالغزنويين والفاطميين والأيوبيين في مصر والأمويين في الأندلس والمرابطين والموحدين في المغرب.
وكان لظهور الفرق الإسلامية التي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق أغراضها دور في تلك النهضة العلمية، وخير مثال لذلك تلك الآثار التي خلفها العلماء.
ومن مراكز الثقافة الإسلامية التي جذبت إليها العلماء أصبهان والري، وكانت بلاد بني بويه هناك كعبة يؤمها العلماء ورجال الأدب، والبلاط الساماني في بخارى، وبلاط السلاجقة في مرو حاضرة خراسان (^١). وقد ذكر ياقوت الحموي (^٢) أن مرو أخرجت من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة مثلها، وبين أنه حين فارقها أمام غارات التتار سنة (٦١٦ هـ) كان فيها عشر خزائن للوقف، لم ير في الدنيا مثلها كثرة وجودة (^٣).
_________________
(١) = الأمم الإسلامية (مرجع سابق)، (٤٦٨ - ٤٦٩).
(٢) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ٣٩٨).
(٣) ياقوت الحموي: مؤرخ ثقةٌ جغرافي روميُّ الأصل اشتراه تاجرٌ من حماة، له كتاب: (معجم البلدان)، وكتاب: (معجم الأدباء). ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد باللُّغة والأعلام (مرجع سابق)، (٧٤٧).
(٤) ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٥/ ١٣٢).
[ ١ / ٤٩ ]
وفي مصر كان الأزهر مركزا هاما للثقافة والعلم، واهتم فيها الأيوبيون ببناء المدارس كالناصرية والقمحية والسيفية والفاضلية التي أسست سنة (٥٨٠ هـ)، وكانت مكتبتها تشتمل على مائة ألف مجلد، ومن المدارس التي أنشئت في عهد الأيوبيين (دار الحديث) التي بناها الملك الكامل (^١).
كما أن العباسيين قد اهتموا بنشر العلوم الطبية، فأسسوا المدارس الطبية، والمستشفيات، ودعوا إلى عقد المؤتمرات الطبية، التي يجتمع فيها الأطباء من كافة البلاد في موسم الحج، وكانت بغداد في الشرق، وقرطبة في الغرب من أهم مراكز الثقافة الطبية الإسلامية.
هذا بالإضافة إلى المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية وغيرها، والتي كانت من أهم مراكز الثقافة الإسلامية، كمكتبة "دار الحكمة" التي أمدها العباسيون بمختلف الكتب والتي ظلت قائمة حتى استولى التتار على بغداد سنة (٦٥٦ هـ). ومكتبة "دار العلم"، التي كانت تحتوي على مئات الألوف من المصنفات، وقد انتفع الناس بما فيها من أوراق وأقلام للنسخ والبحث والدراسة دون مقابل (^٢).
كما أن مساجد قرطبة قد جذبت إليها الأوروبيين الذين وفدوا إليها لارتشاف العلم من مناهله.
ولما كان الغزو التتري انتقلت مراكز العلم والأدب من بغداد وبخارى ونيسابور والري وقرطبة وأشبيلية وغيرها من مراكز العلم في العصر العباسي
_________________
(١) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ٤٠٣).
(٢) ينظر: المقدسي، أنيس، أمراء الشِّعر العربي في العصر العباسي، ط: دار العلم للملايين، (٥٨)، والذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٨).
[ ١ / ٥٠ ]
إلى القاهرة والإسكندرية وأسيوط والفيوم ودمشق وحمص وحلب وحماة وغيرها من مدائن مصر والشام وهما في حوزة سلاطين المماليك ومن بقي من ملوك الأيوبيين، وقد كانت الملجأ الوحيد لأبناء اللسان العرب في فرارهم من وجه المغول بعد أخذهم لخراسان وفارس والعراق، فنبغ فيهما معظم شعراء ذلك العصر وأُدبائه وأطبائه وسائر رجال العلم.
وقد قَلَّت المكتبات الكبرى بسبب حرقها وإغراقها على أيدي التتار، فقد أحرق جنكيز خان من المكتبات في بخارى ونيسابور وغيرهما من مراكز العلم في فارس ما لا يحصى، وأتلف هولاكو كتب العلم في بغداد.
أما المدارس فقد كثرت في مصر والشام وأهمها في القاهرة ودمشق، وأول من أنشأ المدارس في الشام السلطان نور الدين زنكي ٥٦٩ هـ، واقتدى به من جاء بعده من الملوك والسلاطين. واختلفت المدارس حسب مذاهبها وأغراضها للتفسير أو الحديث أو الفقه للشافعية أو الحنفية أو المالكية أو الحنابلة أو الطب أو الفلسفة أو الرياضيات، وتخرج من هذه المدارس الإسلامية طائفة كبيرة من العلماء، ومن أشهر المدارس الإسلامية بالقاهرة الأزهر الشريف الذي أصبح جامعة يتلقى فيها طلاب العلم مختلف العلوم والفنون كالتوحيد والفقه واللغة والنحو والبيان والطب وغير ذلك من العلوم (^١).
ومن مدارس بلاد ما وراء النهر - موطن النسفي - المدرسة الأتابيكية في بلدة إيذَج (^٢)، والمدرسة المقتدائية بكلاباذ (^٣)، والتي تم بناؤها سنة
_________________
(١) ينظر: زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ط: دار مكتبة الحياة، (٢/ ١٢١).
(٢) إيذَج: بلد بين خوزستان وأصبهان من قرى سمرقند عند الجبل كثيرة الزلازل وبها معادن كثيرة. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، ١/ ٤٣٢.
(٣) كلاباذ: محلة ببخارى. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٥٣٦).
[ ١ / ٥١ ]
(٦٧٠ هـ)، والمدرسة القطبية السلطانية في مدينة بردوشهر - كرمان - (^١).
ومع هذه النهضة العلمية، إلّا أننا نجد أنه قد غلبت عليها سمة الجمع والشرح لا الابتكار، فقد كثرت فيه الموسوعات والمعاجم مثل:
موسوعة نهاية الأرب لشهاب الدين أحمد النوري (ت: ٧٣٢ هـ).
موسوعة لسان العرب لابن منظور (ت: ٧١١ هـ).
وفيات الأعيان لابن خلكان ت ٦٨١ هـ، وهو معجم تاريخي.
أما علم القراءات فقد ازدهر في هذا العصر، إلا أننا نجد أن العلماء لم يذكروا عنه شيئًا في بلاد ما وراء النهر، واقتصروا على ذكر علماء العراق والشام والحجاز ومصر وغرناطة ومالقة وسبتة. ومن القرَّاء الذين برزوا في هذا العصر:
١ - المالقي (ت ٧٠٥ هـ): هو عبد الواحد بن محمد الباهلي الأندلسي المالقي، تلقى العلم والقراءات على عدد كبير من العلماء، منهم: القاسم بن أحمد الحجري وعبد الرحمن الأنصاري، ومن الذين تتلمذوا على يديه محمد بن عبيد القيسي، من أعلام القضاة وأصله من أشبيلية، ومحمد بن يحيى قاضي الجماعة بغرناطة، وهو إمام مقرئ ألف في القراءات كتاب (شرح التيسير في القراءات السبع) (^٢).
_________________
(١) كرمان: مدينة في إيران مركز تجاري هام شهر بصناعة الأنسجة القطنية والصوفية والسجاد. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٥١٥)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي والإسلامي (مرجع سابق) (١٩).
(٢) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفَّاظ القرآن عبر التاريخ، ط دار الجيل، (١/ ٣٥٨).
[ ١ / ٥٢ ]
٢ - أحمد بن إبراهيم (٦٢٧ - ٧٠٨ هـ): هو أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الأندلسي النحوي القارئ المحدث الفقيه قرأ بالقراءات السبع على بن أبي الحسن الساري، وفي مقدمة من أخذ عنهم أبو حيان الأندلسي (^١).
٣ - إبراهيم الجعبري (٦٤٠ - ٧٣٢ هـ): هو إبراهيم بن عمر أبو محمد الجعبري نسبة إلى قلعة جعبر وتقع على نهر الفرات، حفظ القرآن الكريم مبكرا وحفظ (كتاب التيسير في القراءات السبع) وتلقى القراءات على أبي الحسن علي بن عثمان البغدادي، والعشر على الحسين بن الحسن المنتجب التكريتي، برع في القراءات وكتب فيها كتابه (نزعة البررة في قراءات الأئمة العشرة) وكتابه (عقود الجماعة في تجويد القرآن)، رحل إلى الخليل في فلسطين ومات فيها (^٢).
٤ - أبو حيان الأندلسي (٦٥٤ - ٧٤٥ هـ): هو محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الغرناطي الأندلسي سمع من عدد كبير من الشيوخ يصل عددهم إلى نحو أربعمائة وخمسين شخصا من شتى الدول الإسلامية غرناطة ومالقة وسبتة وديار أفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام، تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء في شتى العلوم: القراءات والتفسير والحديث والفقه وعلوم اللغة (^٣).
* * *
_________________
(١) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (١/ ٣٢).
(٢) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (١/ ١٥).
(٣) ينظر: محيسن، محمد سالم محيسن، معجم حفاظ القرآن (مرجع سابق)، (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٥٣ ]