من ضروب الوحشية في غزواتهم فقال: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد هولًا من غزوات المغول؛ فلقد انسابت جيوش جنكيز خان انسياب الثلوج من قمم الجبال، واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدينة وثقافة، ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية، وكانت تقوم فيها قبل ذلك القصور الفخمة المحاطة بالحدائق الغناء والمروج الخضراء" (^١).
ثانيًا: الحالة الاجتماعية
اتَّسم عصر إمامنا بزوال الخلافة العبَّاسيَّة، وغارات المغول على العالم الإسلامي، لذا ينبغي الحديث عن الحالة الاجتماعية في هاتين المرحلتين.
أمَّا في العصر العبَّاسي فقد كان المجتمع يتألف من عدَّة طبقاتٍ تتمثَّل في:
الخاصَّة: وهم أقرباء الخليفة ورجال الدَّولة البارزون كالأشراف والوزراء والقُّواد والكُتاب والقضاة والعلماء والأدباء، وهؤلاء لهم مرافق خاصَّةٌ بهم كما كان لهم بابٌ خاص يدخلون على الملك منه.
العامَّة: وهم أهل الحِرف والصَّنائع والتُّجار والفلَّاحون والجند، وهؤلاء لهم مرافق خاصَّةٌ بهم ويدخلون على الخليفة من باب العامة.
_________________
(١) ينظر: الأستراباذي، حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني، ركن الدين، شرح شافية ابن الحاجب (ت: ٧١٥ هـ) تح: د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)، ط: مكتبة الثقافة الدينية، (١/ ١٣).
[ ١ / ٤٥ ]
الخدم: ومنهم الأحرار، وأغلبهم العبيد الذين أُخذوا كأسرى حرب، ولهم ببغداد شارع خاص بهم، يسمى دار الرَّقيق، وموضع آخر يسمى باب النَّخاسين، يقومون بخدمة الخليفة وحاشيته وخدمة الناس. وأغلب الرقيق كانوا من بلاد ما وراء النهر، وأما أسواق الرقيق فكانت تتركز في مصر وشمال أفريقيا، ويلاحظ أن بعض الخلفاء العباسيين كانت أمهاتهم من تلك الجواري التي كان يشتريها الخليفة لجمال منظرها أو لعذوبة صوتها أو لذكائها وجودة شِعرها. وقد شاع استخدام الخِصيان في المجتمع العراقي لحماية الحريم؛ لذا فقد ارتفعت أسعارهم.
ومن طبقات المجتمع أهل الذمة، وهم اليهود والنصارى الذين كانوا يتمتعون بالأمن والطمأنينة تحت ظل سماحة الإسلام، فكانوا يقيمون شعائرهم، ويشاركهم الخلفاء في مناسباتهم وأعيادهم، ويكرمونهم بالعطايا والهبات.
أما الاحتفالات الدينية فكان من مظاهرها خروج الخليفة مرتديا أفخر الثياب وبصحبة كبار رجال الدولة، ويقف العامة على جانبي الطريق لتحية الخليفة وهو في طريقه للمسجد.
وأما حفلات الزواج فقد اتسمت بالبذخ والإسراف، وقد ورد أنه ليلة زفاف مجاهد الدين أيبك الدويدار المستنصري، أرسل إلى داره كثير من أواني الذهب والفضة والجواهر يزيد ثمنها على ثلاثمائة ألف دينار، وقدم له كبار رجال الدولة الهدايا التي تتألف من مماليك الترك والخدم والأحباش والثياب والطيب والخيل وغيرها، وأرسل إليه الخليفة المستنصر ثلاثمائة ألف دينار.
[ ١ / ٤٦ ]
أما المرأة فكانت لا تختلط بالرجال الغرباء، وكان المحتسب (^١) لا يسمح باختلاط الرجل بالمرأة في الطرقات العامة ولو كانا زوجين، ولكنها كانت تحضر مجالس الوعظ في المساجد، مما يدل على مشاركتها للرجل في الشعائر الدينية وميدان العلم والثقافة (^٢).
أما في مصر والشام فقد انشغل الأيوبيون بالحروب فيما بينهم، واستعانوا بأجناد المماليك، فازداد نفوذ أولئك المماليك، حتى أصبحوا أصحاب الأرض والأملاك والسلطة والنفوذ والحكم والإدارة.
وكان المجتمع في عهد المماليك يتكون من ثلاث طبقات:
طبقة المماليك: وقد عاشوا منفصلين تمام الانفصال عن سائر السكان، وأطلق عليهم أرباب السيف.
أرباب القلم: أي الموظفين المدنيين في مختلف دواوين السلطة.
عامة الناس: من التجار وأرباب المهن.
طبقة الفلاحين: وأهل الريف التي كانت بمعزل عن الطبقات الثلاث السابقة، ولم يعرفوا عن القاهرة والإسكندرية شيئًا، وانشغلوا بزراعة الأرض لأصحابها دون أن يروهم.
ومن مظاهر اللهو في العصر المملوكي لعب الكرة بالصولجان - البولو -،
_________________
(١) المحتسب مأمور من الحاكم لضبط الموازين ونحو ذلك.
(٢) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ٥٨٦ - ٦١٤)، وضيف، شوقي، تاريخ الأدب العربي، ط: دار المعارف، (٤/ ٥٣ - ٦٦).
[ ١ / ٤٧ ]
وسباق الخيل، ومواكب النصر، وحفلات الأعياد الإسلامية والمسيحية (^١).
أما بعد غزو التتار لبلاد المسلمين فيمكن وصف الحالة الاجتماعية للعالم الإسلامي الذي كان تحت سيطرة المغول من خلال تعاليم اليساق الذي وضعه جنكيزخان لترقية حالة بلاده الاجتماعية والخُلقية، وهي كلمة تركية قديمة معناها القانون الاجتماعي، ومما شرعه في هذا اليساق:
قتل الزاني ومن تعمد الكذب أو السحر أو تجسس على أحد، ومن بال في الماء أو على الرماد قُتل، ومن أحكامه الأساسية تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة ما، وألا يكون على أحد من ولد علي بن أبي طالب مؤنة ولا كلفة، وألا يكون على أحد من الفقراء والقراء والفقهاء والأطباء ومن عداهم من أرباب العلوم وأهل التقشف والزهد والتعبد والمؤذنين ومغسلي الأموات شيء من ذلك، وألا ينفرد أحد بأكل شيء وغيره يراه بل يجب أن يشركه في طعامه، وألا يتميز أحد بالشبع على أصحابه، وحرم تفخيم الألفاظ ومنح الألقاب، وإنما يخاطب السلطان ومن دونه باسمه المجرد، وألزم نساء العسكر بالقيام بما على الرجال من الواجبات عند غيبتهم، وألزمهم عند رأس كل سنة أن يعرضوا بناتهم الأبكار على السلطان ليختار منهن من يشاء لنفسه وأولاده.
ولما مات جنكيز خان التزم أولاده بما جاء في اليساق ولم يخالفه أحد، وقاموا بنشره بين القبائل الوثنية والمسيحيين في شرق روسيا وفي سيبيريا والصين (^٢).
_________________
(١) ينظر: الذهبي، تاريخ العالم الإسلامي (مرجع سابق) (١/ ٢٧٦).
(٢) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق) (٤/ ١٣٠ - ١٣٣)، ومحاضرات تاريخ =
[ ١ / ٤٨ ]