[الشَّهيد: من قتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلمًا. ولم تجب بقتله ديةُ، فيكفَّن فيصلَّى عليه، ولا يغسَّل.
أمَّا التَّكفين فإنَّما يكفَّن به في ثيابه؛ لما روي عن رسول الله ﵇ أنَّه قال في قتلى أحدٍ: "زمّلوهم بثيابهم وكلومهم ودمائهم" (^١).
وأمَّا الصَّلاة عليه؛ فلما روي عن رسول الله ﵇: "أنَّه صلَّى على قتلى أُحدٍ صلاته على الميِّت" (^٢)؛ فلأنَّه مات على حال الإسلام غير مفارقهم بجماعتهم، وأمَّا نفي الغَسلِ لما روي عن رسول الله ﵇ أنَّه لم
_________________
(١) أحمد، المسند (مرجع سابق)، كتاب: أحاديث رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، باب: حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير، (٣٩/ ٦٤)، رقم الحديث: ٢٣٦٥٩. البيهقي، السنن الكبرى (مرجع سابق)، كتاب: جماع أبواب الشَّهيد ومن يصلِّي عليه ويغسل، باب: المسلمين يقتلهم المشركون في المعترك فلا يغسَّل القتلى ولا يصلَّى عليهم، ويدفنون بكلومهم ودمائهم، (٤/ ١٧)، رقم الحديث: ٦٨٠٠.
(٢) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب: الجنائز، باب: الصَّلاة على الشَّهيد، (٢/ ٩١)، رقم الحديث: ١٣٤٤. ونصُّه: عن عقبة بن عامر: أنَّ النَّبي - ﷺ - خرج يومًا، فصلَّى على أهل أُحدٍ صلَاته على الميت، ثمَّ انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإنَّي واللَّه لَأنظر إلَى حوضي الآن، وإنَي أعطيت مفاتيح خزائن الأرضِ - أو مفاتيح الأرضِ - وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها".
[ ١ / ٣٢٢ ]
يصلِّي قتلى أُحدٍ (^١)، قال: "أنَّهم يبعثون يوم القيامة جروحهم تشخب دماءً، اللَّون لون الدَّم وريح ريح السُّكر" (^٢)؛ لأنَّه مكلَّف ظاهرًا قُتِلَ ظلمًا، لم يستحق عن نفسه بدلٌ، ولم يصر إلى حال التَّمرُّض فأشبه على قتلى أُحد] (^٣).
مناسبة هذا الباب بباب قبله (^٤): وهو أنَّ الشَّهيد ميتٌ عند الخلق، حيٌ عند الله تعالى، فيكون ميتًا من وجهٍ وما سبق ميتٌ (^٥) من كلِّ وجهٍ فيكون مناسبةٌ بينهما.
حكم الشَّهيد يخالف سائر الموتى في التَّكفين، فإنَّه يكفّن بثوبه (^٦) الذي عليه، وينزع عنه الفرو والحشو والسِّلاح، كيلا يلزم التَّشبه بالكفَّار، فإن الكفَّار يدخلون في القبر مع الفرو والسِّلاح.
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب: الجنائز، باب: الصَّلاة على الشَّهيد، (٢/ ٩١)، رقم الحديث: ١٣٤٣. ونضُه: عن جابر بن عبد اللَّه -﵁-، قال: كان النَّبي - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلِّ عليهم.
(٢) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب: الذبائح والصَّيد، باب: المسك، (٧/ ٩٦)، رقم الحديث: ٥٥٣٣، ونصُّه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مكلومٍ يكلم في سبيل الله إلاَّ جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللَّون لون دم، والرِّيح ريح مسكٍ ".
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) في (ب): "قوله ".
(٥) في (ب): "ميت".
(٦) في (ب): "في ثوبه".
[ ١ / ٣٢٣ ]
[أعلم بأنَّ الأموات على مراتبٍ:] (^١) المسلم يغسَّل ويصلَّى عليه، في مقاتلة المسلمِ الباغي وقطاع الطَّريق لا يغسل ولا يصلَّى عليه (^٢)، والكافر يغسَّل لا على وجه السُّنَّة، [ولا يصلَّى] (^٣) فالشَّهيد يصلَّى ولا يغسَّل؛ فإنَّه جاء يوم القيامة [وجروحهم] (^٤) تشخب (^٥) دمًا.
قوله: (ولم تجب بقتله ديةٌ) (^٦)، بأن عُرف قاتله، أمَّا إذا لم يُعلم قاتله تجب القسامة (^٧) والدِّية فلا يكون شهيدًا؛ لأنَّه أخذ عوضًا دنياويًّا، وأمَّا وجوب القصاص ليس بعوضٍ (^٨) مالي، فلا يقدح في كونه شهيدًا.
قوله (ومن ارتث) (^٩) هذا متعد أصله مرتث فأدغم فصار مرتثًا، فإذا صار مرتثًا لا يصير شهيدًا؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون في معنى شهداء
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٢) سقط في (أ)، الضمير يعود على المسلم إن قتله البغاة فإنه لا يغسل وأما الباغي وقطَّاع الطريق فإنه لا يصلَّى عليه. ينظر: المرغيناني، بداية المبتدي (مرجع سابق)، (٣١).
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(٤) في (ب): "وا وداجهم ".
(٥) راد في (ب): "أي تسيل ".
(٦) قال الماتن: "الشهيد: من قتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلمًا ولم تجب بقتله دية".
(٧) القسامة لغةً: بمعنى القسم وهو اليمين مطلقًا، وشرعًا: هي أيمان تقسَّم على أهل المحلة الذين وجد القتيل فيهم. ينظر: منلا خسرو، درر الحكام شرح غرر الأحكام (مرجع سابق)، (٢/ ١٢٠). و: ابن عابدين، الدر المختار (مرجع سابق)، (٦/ ٦٢٥).
(٨) في (أ): "عوضًا".
(٩) قال الماتن: "من ارتث غُسِّلَ، والارتثات: أن يأكل أو يشرب أو يداوى أو يبقى حيا حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل أو ينقل من المعركة حيا".
[ ١ / ٣٢٤ ]
أُحدٍ، كمن (^١) الكأس يدار عليهم فلم (^٢) يشربوا فماتوا عطاشًا ليكون شهيدًا، لكن يغسَّل ويصلَّى عليهم (^٣)، فيكون الشَّهيد على نوعين: نوعٌ لا يغسَّل، ونوعٌ يغسَّل.
والمعنى أنَّ (^٤) في الارتفاق بمرافق الدُّنيا لا يصير شهيدًا من كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ الشَّهيد باع روحه من الله تعالى فيكون المشتري هو الله تعالى والثَّمن هو (^٥) الجنَّة والمبيع المال والرُّوح، فالبائع إذا تصرف في المبيع قبل القبض يبطل البيع كالدَّائن (^٦) إذ ملك مديونه بأن كان المديون عبدًا سقط الدّين؛ [لأن المولى لا يستوجب على عبده دينًا كما لا يستوجب العبد على مولاه دينًا] (^٧) كذلك (^٨) إذا اشترى الله تعالى من العبد نفسه وروحه يسقط.
أمَّا الصَّبي لا يكون شهيدًا؛ لأنَّ بيع الصَّبي موقوفٌ فلذلك لا تصح المبايعة مع الله تعالى، … (^٩) لا يقال: الصَّبي إذا باع عند حضرة الولي يجوز بيعه، فالله تعالى وليه ينبغي أن تجوز المبايعة فيكون شهيدًا (^١٠). قلنا:
_________________
(١) في (أ): " فكان "، في (ب): " وكان ".
(٢) في (ب): "ولم ".
(٣) في (ب): "عليه ".
(٤) سقط في (أ)، (خ).
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (أ): "وكان الدائن ".
(٧) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٨) سقط من (خ).
(٩) زاد في (أ): "و".
(١٠) في (ب): "شهيدا".
[ ١ / ٣٢٥ ]
نعم الله وليه إذا أمره بالقتال والصَّبي غير مكلفٍ بالقتال.
فإن قيل: لمَّا كان الشَّهيد بمنزلة العبد المديون، والأكل من العبد المديون لا يضره ينبغي (^١) أن لا يكون الأكل مانعًا في الشَّهيد [من الشَّهادة] (^٢). قلنا: هذه المسألة (^٣) معلومةٌ، وهو أنَّه إذا أضاف الكريم ينبغي أن لا يأكل الضَّيف في بيته شيئًا ثمَّ يذهب إلى الكريم، فينبغي أن يذهب جائعًا، كذلك هنا لمَّا أعدَّ الله تعالى لأجل الشَّهيد نِعَمَ الجنَّة، فينبغي أن لا يأكل من نِعَمِ الدُّنيا حتى يأكل من نِعَمِ الجنَّة؛ ولهذا الصَّوم (^٤) في اليوم الأضحى [إلى الضحوة الكبرى] (^٥) شُرعَ لأجل أن يكون ابتداء أكله (^٦) من لحوم القرابين (^٧) … (^٨) ضيافةً من الله تعالى؛ فلهذا الأكل منافٍ للشَّهادة.
وصورة عدم وجوب الدِّية والقصاص، بأنَّ قتل الباغي العادلَ لا تجب الدِّية والقصاص، … (^٩) في حق الشَّهيد سعر (^١٠) نفس … (^١١) المشتري
_________________
(١) في (ب): "فينبغي ".
(٢) سقطت من (ب)، (خ).
(٣) في (ب): "الملة".
(٤) سقطت من (خ).
(٥) سقط من (ب)، والضَّحوة الكبرى: هي الوقت التي يتمكن فيه الضحى ويشتدُّ وهو نصف النهار، وقبل الزَّوال. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (٤/ ١١).
(٦) في (أ): "كله ".
(٧) في (أ): "قرابين".
(٨) زاد في (ب): "ولحوم القرابين ".
(٩) زاد في (أ)، (ب). "وأنشد".
(١٠) سقط في (أ).
(١١) زاد في (ب)، (خ): "التقي ".
[ ١ / ٣٢٦ ]
والمشتري ربُّ الورى وجنانه أثمانه (^١) والمصطفى الدَّلال لكنَّ صكَّه: توراته، إنجيله، فرَّقانه.
قوله: (وإذا استشهد الجنب غُسِّل [عند أبي حنيفة، ﵀ في الجنب وكذلك الصبي، وقال أبو يوسف ومحمد لا يغسلان) وجه قول أبي حنيفة في الجنب: ما روي عن رسول الله ﵇ أنَّه بادر إلى جنازة سعد (^٢) بن معاذ وقال: "خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقنا إلى غسل حنضلة". وقد كان حنضلة قُتل جُنبًا، فدلَّ على أنَّ الملائكة لو لم تغسله لغسَّله رسول الله ﵇؛ ولأنَّه غُسلٌ واجبٌ فلا يسقط بالموت كغَسل النَّجاسة.
وجه قولهما: أنَّ الشَّهادة أجريت مجرى الغُسل، والغسل إذا وجدت من طريق المشاهدة قام مقام ما وجب بالموت، وما وجب قبله بالجنابة، كذلك الغسل من طريق الحكم لأبي حنيفة في الصَّبي أنَّ الشَّهادة نظيرٌ حكمي، والصَّبي لا يلحقه نظيرٌ حكمي؛ لأنَّه لا ذنب له فصار وجود الشَّهادة في حق الصَّبي كعدمها.
لأبي يوسف ومحمد أنَّ الشَّهادة تفضيل والصَّبي أولى من البالغ] (^٣) لأنَّ الشَّهادة [عُرِفَت مانعةً] (^٤) وجوب الغسل لا رافعة (^٥)، فلو لم يغسل
_________________
(١) في (أ): "أو يمانه ".
(٢) في الأصل كتبت سعيد.
(٣) ما بن المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) في (ب): "عرف متابعة".
(٥) أي ليست رافعةً للحدث الموجب للغسل.
[ ١ / ٣٢٧ ]
يلزم أن يكون (^١) رافعةٌ وكذلك الحائض والنُّفساء (^٢) إذا استشهدتا بعد انقطاع دمهما يغسَّلان (^٣)، أمَّا إذا استشهدتا قبل الانقطاع روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله يغسلان وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله لا يغسلان.
ولو (^٤) وجد في المعركة ميتًا ينزل (^٥) الدَّم من أنفه أو ذكره أو دبره لا يكون شهيدًا، أمَّا إذا سأل [من عينيه] (^٦) أو أذنيه يكون شهيدًا، فأمَّا إذا لم يكن به جراحة لا يكون شهيدًا فعند أبو يوسف ﵀ لو كان الشهيد مغمى عليه يومًا وليلة يكون شهيدًا وعند محمد ﵀ لو مات قبل يومٍ وليلةٍ يكون شهيدًا، أمَّا إذا كان مغمى عليه يومًا وليلةً لا يكون شهيدًا.
الارتثاث بالفارسيَّة جثه رااز معركة برخاستن (^٧) فأمَّا إذا أوصى يكون شهيدًا ولا يكون مرتثًا.
_________________
(١) هكذا كتبت في النُّسخ، الأصحُّ أن يقول "تكون "؛ لأنَّ الشَّهادة مؤنث.
(٢) في (أ)، (خ): " النُّفاس ".
(٣) هكذا كتبت في النُّسخ، الأصحُّ أن يقول "تغسَّلان "، لأّنَهن مؤنَّثات.
(٤) في (ب): "فلو".
(٥) في (أ): " إنزال".
(٦) في (أ): "عن غيبته".
(٧) في (ب): "برداشتن".
[ ١ / ٣٢٨ ]