* * *
النَّافلة: الزِّيادة، كما سمي الغنيمة نفلًا، لأنَّه زيادةٌ على المقصود، و(^١) أن المقصود إعلاء كلمة الله تعالى، وسمي ولد الولد نافلة؛ لأنَّه زيادةٌ فكذلك (^٢) النَّفل زيادةٌ على الفرض، ومناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله، وهو أنَّه لمَّا أتمَّ الأداء والقضاء شرع في بيان النَّوافل.
قوله: (أن تصلى ركعتين بعد طلوع الفجر) (^٣) [لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال في ركعتي الفجر: "هُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (^٤)] (^٥) بدأ بسنَّة الفجر؛ لأنَّه أولٌ، فالبداية بالأوَّل أولى، وروي عن بعض المشايخ أنَّه لو صلَّى سنَّة (^٦) الفجر على الرَّاحلة (^٧) مع قدرته على النُّزول لا يجوز، وقيل: لو أنكر سنَّة الفجر يكفر (^٨).
_________________
(١) سقط في (أ)، (خ).
(٢) في (أ): "فكذا".
(٣) شرع الماتن في بيان النَّوافل.
(٤) مسلم، صحيح مسلم (مرجع سابق)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنَّة الفجر والحثِّ عليها، (١/ ٥٠١)، رقم الحديث: ٧٢٥.
(٥) ما بين المعكوفتين سقط من: (ب)، (خ).
(٦) سقط من (ب).
(٧) السُّنن الرَّواتب تجوز على الرَّاحلة، وعند أبي حنيفة أنَّه ينزل لسنَّة الفجر، لأنَّها آكد من غيرها، وروى عنه أيضًا أنَّها واجبةٌ. ينظر: السيواسي، كمال الدِّين محمد بن عبد الواحد السيواسي، شرح فتح القدير، (ت: ٦٨١ هـ)، ط: دار الفكر، (١/ ٤٦٣).
(٨) إذا أنكر أصل مشروعيَّة أمرٍ مجمعٍ عليه بين الأمَّة فإنَّه يكفر، فلو أنكر أصل سنَّة الفجر=
[ ١ / ٢٣٧ ]
قوله: (وإن شاء ركعتين) ينصرف (^١) إلى ما قبله (^٢)، وأربعًا بعده (^٣)، قيل: هذا الخيار بين الركعتين وأربع (^٤) بعد العشاء، إذا أدَّى العشاء في الوقت المستحبِّ، أمَّا إذا أدَّى (^٥) في وقتٍ غير المستحبِّ يؤدي الأربع بعد العشاء؛ رفعًا لذلك الأداء الذي وقع في غير الوقت المستحب (^٦).
قوله: (القراءة في الرَّكعة الأولى فرضٌ) (^٧)، [وهو مخيرٌ في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت، وإن شاء سبَّح، أمَّا وجوبهما في الأوليين؛ لقوله - ﷺ -: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ" (^٨).
وأقلُّ الصَّلاة ركعتين، وأمَّا الباقي فلما روي عن علي وعبد الله أنَّهما
_________________
(١) = وأصل الوتر وأصل الأضحية كفر، نقل عن الزندوستي أنَّه لو أنكر الفرضيَّة لا يكفر، ولا تنافي بينهما، لأنَّ الأصل مجمعٌ عليه، والفرضيَّة والوجوب من المختلف فيهما. ينظر: ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار (مرجع سابق)، (٦/ ٣١٤).
(٢) في (أ): "يصرف".
(٣) وهو قوله: "السنَّة في الصَّلاة: أن يصلِّي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعًا قبل الطهر، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر وإن شاء ركعتين" أي قبل العصر.
(٤) في (ب): "قبلها"، أي قبل العشاء، والخلاف بين النُّسخ في هذه العبارة لا يضر، إذ عبارة المتن هي: "وأربعًا قبل العشاء وأربعًا بعدها". فالمتنفِّل بالخيار بين تقديم الأربع على العشاء أو تأخيرها عنها، وذلك إذا لم يخرج الوقت المستحب للعشاء.
(٥) في (أ): "فأربع".
(٦) زاد في (ب)، (خ): "العشاء".
(٧) وقت الاستحباب فيه روايتين في المذهب رواية إلى قبل ثلث الليل، ورواية إلى قبل نصف الليل.
(٨) في المتن (والقراءة في الفرض واجبةٌ في الركعتين الأوليين).
(٩) مسلم، صحيح مسلم (مرجع سابق)، في كتاب الصَّلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعةٍ، (١/ ٢٩٧)، رقم الحديث: ٣٩٦.
[ ١ / ٢٣٨ ]
كانا يسبِّحان في الأخريين (^١)، وعن عثمان أنَّه نسي القراءة في الأوَّليين من العشاء فقرأ في الأخريين وجهر وسجد للسَّهو (^٢)] (^٣).
بعبارة النَّص (^٤)، وفي الثَّانية مثل الأولى (^٥)، فتكون القراءة فيها فرضًا بالدَّلالة، أمَّا الأخيرين ليسا مثل الأوليين، فلا يلحق بالأوليين فتكون القراءة فيهما نفلًا.
فإن قيل: لقَّب الباب بالنَّوافل ثم أورد فيه (^٦) السُّنن، قلنا: السُّنن نوافلٌ أيضًا (^٧)؛ ولهذا يجوز أن يؤدِّي على الراحلة كالنَّوافل (^٨) غير سنَّة الفجر على قول البعض (^٩).
_________________
(١) ابن أبي شيبة، المصنف (مصدر سابق)، كتاب الصَّلوات، باب من كان يقول يسبِّح في الأخريين ولا يقرأ، (١/ ٣٢٧)، رقم الحديث: ٣٧٤٢. ونصُّه: عن علي وابن مسعود - ﵁ -، أنَّهما قالا: "اقرأ في الأوليين، وسبِّح في الأخريين". قال عنه الزَّيلعي في نصب الراية: هو عن عائشة غريب. ينظر: الزيلعي، أبو محمد، جمال الدِّين عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيلعي، نصب الرَّاية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، (ت: ٧٦٢ هـ)، تح: محمد عوامة، ط: مؤسسة الرَّيَّان للطباعة، (٢/ ١٤٨).
(٢) بحثت عن هذا الأثر في كتب الحديث وكتب التَّخريج فلم أجده.
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) أي ثبت وجوب القراءة في الركعتين الأوليين بدلالة النَّص، وهو قوله - ﷺ -: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ".
(٥) بطريق القياس.
(٦) في (ب): "فيها".
(٧) لقبَّ الباب بالنَّوافل وفيه ذكر السُّنن؛ لكون النَّوافل أعم، فتشمل السنن الراتبة وغيرها كقيام الليل، وقدَّم بيان السّنة؛ لأنَّها أقوى وآكد من غيرها ينظر: الميداني، اللباب (مرجع سابق)، (٤٥).
(٨) في (ب): "كالسنن".
(٩) هو قول الإمام أبو حنيفة. ينظر: السيواسي، شرح فتح القدير (مرجع سابق)، (١/ ٤٦٣).
[ ١ / ٢٣٩ ]
قوله: (والقراءة واجبةٌ في جميع ركعات النَّفل)؛ لأنَّ كلَّ … (^١) شفعٍ صلاةٌ على حدةٍ، ولهذا يقرأ سبحانك اللهم عند البعض في الشفع الثاني.
قوله: (فإن (^٢) شاء سكت (^٣» هذا على قول أبي يوسف - ﵀ - فإن عنده (^٤) السُّكوت ليس بإساءةٍ (^٥)، وها هنا ذكر بدون الإساءة فيكون على قول أبي يوسف، وعند البعض السُّكوت إساءةٌ (^٦) وعند البعض كراهةٌ، والفرق بين الكراهة والإساءة، وهو أن الكراهة أفحش من الإساءة (^٧).
ومقدار السُّكوت: هو زمانٌ يمكن أن يقال فيه ثلاث تسبيحات، كذا قال مولانا شمس الأئمة (^٨) - ﵀ -؛ لأنَّه قربةٌ بالتَّسبيح بقوله: (إن شاء سكت وإن شاء سبَّح (^٩)
_________________
(١) زاد في (أ): "ركعتين من النفل صلاة على حدة والقيام إلى الثَّالثة بمنزلة تحريمة أخرى، فصار كالرَّكعتين من الفرض، وأمَّا الوتر فلأنَّ صفة القراءة في جميع ركعاتها متساويةٌ وهي الجهر أو الإخفاء، فصار كركعتين مفروضتين وهو الفجر والجمعة".
(٢) في (أ): "فإن شاء".
(٣) القراءة في الصَّلاة سنةٌ، والتَّسبيح مباح، والسُّكوت إساءة. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النَّيِّرة (مرجع سابق)، (١/ ٢٨٨).
(٤) في (ب): "عند أبي يوسف".
(٥) إن سكت عمدًا أساء، وإن سهوا وجب عليه سجود السهو في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وإن كان الصَّحيح أنَّها ليست بواجبةٍ. ينظر: منلا خسرو، درر الحكَّام شرح غرر الأحكام (مرجع سابق)، (١/ ٧٥).
(٦) عند الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن السكوت إساءة، والإساءة أخف من الكراهة عندهم. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (١/ ٢٨٨).
(٧) في (أ): "السكوت".
(٨) محمد بن عبد الستار الكردري (سبقت ترجمته).
(٩) اتفق فقهاء الحنفيَّة على أفضلية الفاتحة، وهذا لا ينافي التَّخيير إذ لا مانع من التخيير بين=
[ ١ / ٢٤٠ ]
فالتَّسبيح ثلاثُ (^١).
قوله: (ثمَّ أفسدها قضاها) [ومن دخل في صلاة نفلٍ ثمَّ أفسدها قضاها؛ لأنَّ هذه عبارة تلزم بالعذر فجاز أن تلزم بالشروع فيها كالحج] (^٢)، قال مولانا (^٣) - ﵀ - الإيمان والأعمال الصَّالحة روح الروح؛ فكما أنَّه لا يجوز إبطال الرُّوح المحرّك للبدن بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٤)، فكذلك لا يجوز إبطال روح الروح بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٥)، هذا التَّقدير (^٦) بطريق لسان الرياضة (^٧).
_________________
(١) = الفاضل والأفضل، كالحلق مع التَّقصير. ينظر: ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار (مرجع سابق)، (١/ ٥١٢).
(٢) التَّسبيح ثلاثًا روى عن أبي حنيفة، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة - ﵂ -، وهذا باب لا يدرك بالقياس فالمروي عنهما كالمروي عن النبي - ﷺ -؛ وهذا الدَّليل هو الصَّارف لمواظبة النبي - ﷺ - على القراءة الوجوب عن إلى الاستحباب. ينظر: الكاساني، بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع، (١/ ٤٦٠). و: الحصكفي، محمَّد بن علي بن محمَّد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، (ت: ١٠٨٨ هـ) تح: عبد المنعم خليل إبراهيم ط: دار الكتب العلمية، (٧١).
(٣) زاد في (أ): "ومن دخل في صلاة نفلٍ ثمَّ أفسدها قضاها؛ لأنَّ هذه عبارة تلزم بالعذر فجاز أن تلزم بالشروع فيها كالحج".
(٤) محمد بن عبد الستار الكردري (سبقت ترجمته).
(٥) سورة البقرة، آية: ١٩٥.
(٦) سورة محمد، آية: ٣٣.
(٧) في (ب): "الترتيب " في، (ت): "التقرير".
(٨) في (أ)، (ت)، (خ)، (ش): "الرياضة". وفي (ب): "الرياصه"، مهملةٌ بدون تنقيط. والرِّياضة هي نوع من الورع، قال يحيى بن معاذ الرازي: جاهد نفسك بأسباب الرياضة على أربعة أوجه: القليل من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وتحمل=
[ ١ / ٢٤١ ]
قوله: (فإن صلَّى (^١) أربع ركعاتٍ)، [فصلَّى ركعتين ثمَّ قام إلى الثَّالثة فأفسدها قضى ركعتين؛ لأنَّ الدُّخول إيجابٌ بالفعل، فلا يلزم إلَّا أدنى ما يتقرب من جنس تلك العبادة، ولا يعتبر فيه النِّية، كمن دخل في الصَّوم ينوي صوم أيامٍ فإنَّه لا يلزمه إلَّا صومه اليوم الذي شرع في صومه.
وأدنى ما يتقرب من الصَّلوات ركعتان فيلزمه ذلك فيسقط ما زاد عليه وإن نواه؛ لأنَّ القيام إلى الثَّالثة كتحريمةٍ أخرى، وعن هذا قالوا أنَّه يجب أن يستفتح في أول الثَّالثة كما يستفتح في أول الرَّكعة (^٢)، وفساد إحدى التَّحريمتين لا يوجب فساد الأخرى (^٣)، كما لو فصل بينهما سلامٌ، فإنَّه لا يجب عليه إلَّا قضاء ما باشر الفساد] (^٤)، المراد من صلَّى أي شرع؛ لأنَّه قال قضى ركعتين؛ لأنَّه بعد أداء الأربع كيف يمكن القضاء؟
قوله: (ومن كان خارج المصر)، ففي قوله: (خارج المصر) فائدةٌ
_________________
(١) = الأذى من جميع الأنام فيتولد من قل الطعام موت الشهوات ومن قل المنام صفو المرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات. ينظر: الصنعاني، أبو إبراهيم، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصَّنعاني، عز الدين، المعروف بالأمير (ت: ١١٨٢ هـ)، التَّنوير شرح الجامع الصغير، تح: محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم، ط: مكتبة دار السلام، (٢/ ٥٥٠).
(٢) في (ب): "صلى نوى".
(٣) إذا قام إلى الثالثة استفتح كما يستفتح عقيب التحريمة فعلى هذا إذا افتتح التطوع لا الفرض؛ لأنَّ التطوع يكون مثنى مثنى. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (١/ ٢٨٦).
(٤) من صلى نفلًا بنيَّة الأربع أو السِّت أو الثَّمان، ثمَّ أفسده لم يلزمه إلَّا قضاء ركعتين في ظاهر الرِّواية، وعن أبي يوسف روايتان، في روايةٍ: يلزمه أربعٌ، وفي روايةٍ يلزمه ما نوى. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (١/ ٢٨٦).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
[ ١ / ٢٤٢ ]
وهو: أن من قوله خارج المصر يُعلَمُ أن السَّفر ليس بشرطٍ، ويُعلَمُ أنَّ في المصر لا يجوز، وروي عن أبي يوسف - ﵀ - أنَّه (^١) يجوز في المصر أيضًا (^٢) وقيل: عند الشُّروع في الصَّلاة على الدَّابة الاستقبال (^٣) ليس بشرطٍ أيضًا (^٤).
* * *
_________________
(١) سقط في (أ).
(٢) التَّطوع على الدَّابة في المصر لا يجوز في ظاهر الرِّواية، وعن أبي يوسف تجوز النَّافلة على الدَّابة من باب الاستحسان ينظر: السمرقندي، تحفة الفقهاء (مرجع سابق)، (١/ ١٥٥).
(٣) سقط في (أ)، (خ).
(٤) الصَّلاة على الدَّابة تطوعًا يصليها كيفما كان ولو بدون عذرٍ، أمَّا الفرض عند العذر المانع عن التَّوجه إلى القبلة تجوز من غير استقبال القبلة أصلًا لا عند الشروع ولا بعده، وهذا عندنا، وعند الشَّافعي: لا تجوز إلَّا إذا وجَّه الدَّابة نحو القبلة عند الشُّروع، ثمَّ يصلي حيث توجَّهت الدَّابة، فأمَّا إذا كانت الصَّلاة على الرَّاحلة بعذر الطِّين، فإن كان يمكنهم التَّوجُّه إلى القبلة فإنَّه لا تجوز صلاتهم إلى غير القبلة؛ لأنَّ القبلة لم تسقط من غير عذرٍ وأصله ما روى جابر عن النبي - ﵇ - أنَّه كان يصلِّي على الدَّابة نحو المشرق. ينظر: السمرقندي، تحفة الفقهاء (مرجع سابق)، (١/ ١٥٥).
[ ١ / ٢٤٣ ]