لما ذكرنا أن هذا من قبيل إضافة الشيء إلى الشرط كحجة الإسلام، والإسلام شرط، والبيت سبب، وصدقة الفطر سبب، وهو ليس بمؤقت، وخيار الرؤية ليس بمؤقت حتى إذا وجد زمانًا بعد الرؤية يتمكن إبطال الخيار، فيبطل إذا رأى.
قوله: (أو إلى ظاهر الثوب ومطويًا)، أما إذا كان العلم في الثوب لا يسقط الخيار ما لم ير العلم، ولا يسقط الخيار بالنظر إلى ظاهر الثوب.
قوله: (أو إلى وجه الدابة)، روي عن محمد -﵀-: أنه لو نظر إلى عجزها يسقط خيار الرؤية المراد من الدابة: الفرس، والحمار، والبغل، أما إذا كان شاتًا، فلا يسقط خيار الرؤية بالنظر إلى وجهها وكفلها؛ لأنَّه [يعرف بالحيس سمينه] (^١)، فلابد منه أما إذا اشترى شاة للدر والنسل لابد من النظر إلى ضرعها، فلا يسقط خياره بالنظر إلى وجهها وكفلها.
قوله: (ومن باع ما لم يره فلا خيار له)، ومن اشترى ما لم يره، فالبيع جائز، وله الخيار إذا رآه إنشاء أخذه، وإنشاء رده؛ لقول النبي - ﷺ -: "من اشترى ما لم يره، فهو بالخيار إذا رآه" (^٢)، ولأنه عقد عقد، ولا
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "لا يعرف المس سمنه".
(٢) الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر، سنن الدارقطني، كتاب البيوع، (تحقيق شعيب الأرنؤوط)، ط ١، رقم الحديث: ٢٨٠٣، ج ٣، ص ٣٨٢، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان.=
[ ١ / ٥١٥ ]
يعتبر في العقار رؤية المفقود عليه كعقد النكاح، وكان أبو حنيفة -﵀- يقول: إذا باع ما لم يره، فله الخيار، ثم رجع، فقال: لا خيار له؛ لأن البيع ليس في معنى الشرى؛ ليثبت الحكم دلالة، وبيانه أن المشتري يظنه خيرا مما اشترى فرده لفوات الوصف المرغوب، والبائع لو رده لرده باعتبار أن المبيع أزيد مما ظنه، فصار كما لو باع شيئًا بشرط أنه معيب، فإذا هو سليم، والكلام في خيار الرؤية في وقته أنه مؤقت أم لا، وفي شرعيته عندنا مشروع خيار الرؤية، وليس هو مؤقت معلوم، وعند الشافعي (^١) -﵀-: لو اشترى بدون الرؤية لا يصح؛ لأنَّه غير مشروع عنده.
قوله: (وإن لم يشاهد بيوتها)، قال الشيخ الإمام البيهقي -﵀-: هذا في بيوت كوفة، فإن بيوتها على تقطيع واحد، أما في ديارنا ليست البيوت على تقطيع واحد، فلابد من المشاهدة بيوتها، لإسقاط الخيار حتى إذا كان في الدار بيتان شتويان وصيفيان لابد من أن ينظر الكل، ولا يلزم النظر في المطبخ، [و] (^٢) المبرز، والعلو، أما إذا كان العلو منصورًا كما في سمرقندي لابد من أن ينظر إلى العلو، والأشبه [في الضرات] (^٣) أن ينظر إلى جميع ذلك حتى يسقط خيار رؤيته، وبيع الأعمى، وشراه جائز، وله
_________________
(١) = ونصه: عن أبي بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم، عن مكحول، رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - قال: "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه". وقال أبو الحسن: هذا مرسل وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف. البيهقي، السنن الكبرى، مصدر سابق، كتاب البيوع، باب من قال يجوز بيع العين الغائبة، رقم الحديث: ١٠٤٢٥، ج ٥، ص ٤٣٩.
(٢) انظر: الماوردي، الاقناع، (مصدر سابق)، (١/ ٩١).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "إلى الصواب".
[ ١ / ٥١٦ ]
الخيار إذا اشترى، ويسقط خياره بجس المبيع إذا كان يعرف بالجس، أو بشمه إذا كان يعرف بشمه، وبذوقه إذا كان يعرف بالذوق، ولا يسقط خياره في العقار حتى يوسف له، أما جواز شرائه وبيعه، فلما روي عن رسول اللّه - ﷺ - أنه قال لحيان بن منقذ: "إذا بايعت فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام" (^١)، وقال عمر بن الخطاب: وكان ضريرًا، ولأن من جاز له التوكيل في البيع والشراء جاز له التولي ذلك بنفسه كالبصير في بيعه، وإنما يثبت له الخيار إذا اشترى؛ لأنَّه جاهل صفات المبيع كالبصير إذا اشترى شيئًا لم يراه، وإنما يسقط خياره بالحس، ونحوه مما يعرف به ذلك الشيء؛ لأنَّه عرف المبيع بأعلى ما يعرف به ذلك المبيع، فصار كالبصير.
قوله: (بالحس)، الحس: المس من حد دخل الوصف للأعمى بمنزلة الرؤية للبصير، كما أن خيار البصير يسقط بالرؤية، وكذلك خيار الأعمى يسقط بالوصف، وبالحس يعرف الحسي فيه حكاية: أن الأعمى اشترى أرضًا سبخة، فمسّه باليد عرف أنه لا نبات فيها، فقال: هذه الأرض لا تكسو نفسها، أي: لم يكن فيه علف، فكيف يكسوني! أي: كانت سبخة لا ينبت فيها شيئًا، [ولا] (^٢) يحصل الثوب والحنطة منها، فعلم أن المس فيما يعرف بالمس يعرف الشيء.
قوله: (ومن باع ملك غيره)، مناسبة هذه المسألة بباب خيار الرؤية؛ لأنَّه لا يخلو من أحد الوجهين، أما إن باع ملك الغير بالعلم، أو بدون
_________________
(١) سبق تخريجه في صفحة ١٠.
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فلا".
[ ١ / ٥١٧ ]
العلم، فإذا باع بدون العلم لابد للمالك الخيار إن شاء [أجاز] (^١)، وإن شاء لم يجز أما إذا باع بالعلم، فيتوقف على إجازته، فيكون ملك الغير مانعًا تمام العلة، فكذلك خيار الرؤية مانع تمام الحكم، فيكون بينهما مناسبة لباب الرؤية من حيث التمام، فلهذا أوردها في باب خيار الرؤية.
قوله: (إذا كان المعقود عليه، [والمتعاقدين] (^٢) باقيان)؛ لأن العقد لم يتم، فإذا هلك معقود عليه، أو المشتري لم يكن هناك ما يتم العقد عليه، ولا من يقع له الإجازة؛ لأن الإجازة بمنزلة القبول، وفي القبول بقاؤهما، وبناء المبيع شرط كذلك في الإجازة، [ما إذا [أ] (^٣) جاز قبل الرؤية فيما إذا اشترى قبل الرؤية لا يجوز، ولو فسخ لا رواية فيه قال بعضهم: لا يجوز الفسخ كالإجازة، وقال بعضهم: يجوز باعتبار أن العقد لا يتم بخيار الرؤية، فيكون الفسخ باعتبار عقد غير تام، [و] (^٤) لأن الفسخ غير جائز عند عدم الشرط وهو الرؤية؛ لأن المشروط لا يوجد بدون الشرط.
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "جاز".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "والمتعاقدان".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥١٨ ]