مناسبة هذا الباب [بباب ما قبله] (^١)، فإنه قد بيّن [بيع] (^٢) البات، [والآن] (^٣) شرع في بيع غير البات، لا يقال: ذكر قبل هذا أن خيار الرؤية، وخيار العيب أصل؛ لأنَّه يوجد في كل بيع، وخيار الشرط، وخيار الاستحقاق عارض، فينبغي أن يكون خيار الرؤية مقدّم على خيار الشرط؟
قلنا: نعم، ولكن وجد دليل تأخير خيار الرؤية، وهو أن خيار الشرط يمنع ابتداء الحكم، وخيار الرؤية يمنع تمام الحكم، فالترتيب الطبيعي يقتضي أن يكون الشيء الذي يمنع الابتداء مقدمًا، وبيان [أنه] (^٤) يمنع ابتداء الحكم، وهو أن في المحسوسات [الموانع] (^٥) أربعة: مانع يمنع [العقد] (^٦) العلة بأن انقطع وتره، أو انكسر سهمه. ومانع يمنع لزوم الحكم بأن جرح، وداوى ولم يندمل، ولم يمت، فصار بمنزلة [طبقية] (^٧) خامسة.
وذكر في موضع آخر العلل نوعان عقلية، وهي ما لا يجوز تراخي الحكم عنها كالسواد مع الأسود، وقال الشيخ أبو منصور -﵀-: العلة
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "بما قبله".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "البيع".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "فالآن".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٦) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "انعقاد".
(٧) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ)، طبيعة".
[ ١ / ٥٠٩ ]
العقلية ما إذا وجدت يجب الحكم به، والشرعية كالبيت للحج، والأوقات للصلاة، والبيع للملك، وفي مثل هذا لعلة يجوز التراخي إلا أنه لا يجوز التخلف، أي: تخلف الحكم أن علة الأعلى. قال: من يخبر تخصيص العلة.
واعلم: أن الموانع في الشرعيات أربعة: مانعة يمنع انعقاد العلة كما إذا باع الحر، ومانع يمنع تمام العلة بأن باع ملك الغير، ومانع يمنع ابتداء الحكم كخيار الشرط، ومانع يمنع تمام الحكم كخيار الرؤية، ومانع يمنع لزوم الحكم كخيار العيب.
والمسئلة مذكورة في شرح الطحاوي يدل أن خيار الشرط يمنع ابتداء الحكم دون انعقاد السبب بأن قال: إن اشتريت هذا العبد، فهو حر، فاشتري بشرط الخيار للبائع تنحل الثمن، ولا يعتق العبد، فلو لم يكن مانعًا [ابتداء] (^١) الحكم؛ لثبت العتق، [ولو كان مانعا؛ لتمام العلة يتحلل اليمين معما أن شرعية الخيار على خلاف القياس، فلهذا خيار الشرط على أنواعه؛ لأنَّه يكون زايدا على الثمن والمثمن، فيكون في معنى الربوا، فإذا كان كذلك، فدخل في الحكم؛ لأن في السبب، فلو دخل في السبب لدخل في الحكم، فيكون المشروع على خلاف القياس موجودًا في أكثر الصور، ولهذا لو حلف لا يبيع، فباع بشرط الخيار يحنث علم أن السبب تام مع الخيار.
والدليل في المسئلة الأولى على الانحلال لا يثبت أنه لو اشترى بعد ذلك هذا العبد المعين بيع بات] (^٢)، فلو باع بالخيار، ولم يذكر المدة بطل
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "لابتداء".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ١ / ٥١٠ ]
البيع، أو باع على أنه بالخيار أبدًا يبطل البيع، فإذا ذكر المدة، فعند أبي حنيفة -﵀- تلك المدة ثلاثة أيام، وعندهما الذي ما عيّن المتعاقدان.
قوله - ولهما قال الشيخ -﵀-: (الشرط جائز في البيع للبائع والمشتري، ولهما الخيار ثلاثة أيام، فما دونها، ولا يجوز أكثر منها عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز إذا سما مدة معلومة)، الدليل على جواز الخيار؛ لما روي أن حيّان بن منقذ كان يغبن في البيع، فقال له رسول اللّه - ﷺ -: "إذا بعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام" (^١)، ولأن الخيار وضع للإيتاب، والمتعاقدان مستوك غبن فيه، وإنما يقدر بالثلاث، وما دونه لخبر حيّان، ولقوله - ﷺ -: "الخيار ثلاثة أيام" (^٢) وجه قولهما أنها مدة ملحقة بالعقد كالأجل.
[قوله] (^٣): إذا وقف على قولهما يكون ثلاث مسائل:
_________________
(١) الدارقطني، سنن الدارقطني، مصدر سابق، كتاب البيوع، رقم الحديث: ٣٠١١، ج ٤، ص ١٠. البيهقي، السنن الكبرى، مصدر سابق، كتاب البيوع، باب الدليل على أن لا يجوز شرط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام، رقم الحديث: ١٠٤٥٩، ج ٥، ص ٤٤٩. قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (٦/ ٨٨٣): "حسن". وقد أورده البخاري مختصرا في كتاب البيوع، باب ما يكره من الخداع في البجع، رقم الحديث: ٢١١٧، ج ٣، ص ٦٥. ونصه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَجُلَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ".
(٢) الدارقطني، سنن الدارقطني، مصدر سابق، كتاب البيوع، رقم الحديث: ٣٠١٢، ج ٤، ص ١١. البيهقي، السنن الكبرى، مصدر سابق، كتاب البيوع، باب الدليل على أن لا يجوز شرط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام، رقم الحديث: ١٠٤٦١، ج ٥، ص ٤٥٠. وقال البيهقي: قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١/ ٤٣٣): "ضعيف".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ١ / ٥١١ ]
أحدها: الخيار للبائع منفردًا.
والثاني: الخيار للمشتري منفردًا.
والثالث: الخيار للبائع والمشتري معًا، فأما إذا لم يقف يصير [المسألتين] (^١)، وهو الخيار للبائع منفردًا، أو الخيار للمشتري منفردًا، [و] (^٢) مدة الخيار ثلاثة أيام ثلاثة بالنصب ظرف، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف خيار الشرط، وخيار العيب، [وخيار الاستحقاق] (^٣) إضافة إلى السبب، كما يقال: [زكوت] (^٤) المال المال سبب، وكما يقال: صوم رمضان، [ورمضان] (^٥) سبب، وأما خيار الرؤية إضافته إلى الشرط كصدقة الفطر؛ لأن الفطر شرط، والسبب الرأس كذلك [ها] (^٦) هنا عدم الرؤية سبب الخيار والرؤية شرطه، فإن رأي ولم يكن صالحًا يبطل العقد، قال: وخيار البائع يمنع من خروج المبيع من ملكه، فإن قبضه المشتري، وهلك ضمنه بالقيمة؛ لأنَّه لما اشترط الخيار بنفسه هو البائع لم يرض بخروج الشيء من ملكه، وعدم الرضي يمنع نقل الملك كبيع المكره، ولهذا ينعقد عتقه فيه، فإذا قبضه المشتري صار قبضه كالقبض المسوّم، وذلك يوجب القيمة. قال: وخيار المشتري، ولا يمنع خروج المبيع من ملك البائع إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة -﵀-، أما البائع، فلأنه قد رضي بخروجه عن ملكه
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "مسئلتين".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "زكاة".
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ١ / ٥١٢ ]
بالعقد فخرج، وإنما لم يدخل في ملك المشتري للخيار؛ لأن الثمن باقي على ملك المشتري، فلو قلنا: بأن المبيع حصل في ملكه أدّى إلى اجتماع ملك الثمن، والمثمن لأحد العاقدين بعقد البيع، وذلك لا يجوز.
قوله: (فهلك في يده)، أي: إذا هلك في مدة الخيار يجب القيمة إذا كان الخيار للبائع، وإذا كان الخيار للمشتري، فإذا هلك في مدة الخيار يجب الثمن، وإنما يجب القيمة؛ لأنَّه مقبوض على سوم الشرى إذا كان الخيار للمشتري، فعند أبي حنيفة -﵀-، [و] (^١) إن كان الخيار مانعًا [الدخول] (^٢) في ملكه إلا أن الهلاك، وإن وقع فجاءة لا يخلو عن مقدمة [مرض] (^٣)، وإن كان [أقل] (^٤) بطل الخيار، ولزم البيع، [فيجب الثمن] (^٥)، فيكون البيع [لازما] (^٦)؛ لأن ما قبل الموت، فلهذا يجب الثمن، فعند أبي حنيفة -﵀- مدة الخيار ثلاثة أيام؛ لأن شرعيته على خلاف القياس والمشروع على خلاف القياس [يقتصر] (^٧) على مورد الحديث، وهو ثلاثة أيام.
قوله: (وإن فسخ لم يجز)، قال: فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز، فإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضرًا؛ لأن الإنجازة إبقاء حق
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "للدخول".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "فرض".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٧) ما بين المعقوفين في (ب) "يقتضي".
[ ١ / ٥١٣ ]
صاحبه، وفسخ إسقاط حقه، فصار كمن أقر بدين الإنسان في غيبته جاز، ولو أسقط دينه لم يجز كذلك هاهنا إلا أن يكون الآخر حاضرًا؛ لأن الإقدام على البيع دليل على الإجازة، فلم يشترط حضرة الآخر في الإجازة، أما إذا لم يرض بالفسخ، فلابد من حضرته، وذكر في الجامع الصغير المراد من الحضرة العلم بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب؛ لأن الحضرة سبب العلم.
قوله: (بطل خياره، وإذا مات من له الخيار بطل خياره، ولم ينتقل إلى ورثته)، وإنما قلنا ذلك؛ لأنَّه ارتياب ثبت له من جهة الشرط، فلا يورث عنه كمن خيّر في طلاق امرأته؛ لأن خيار الرؤية مجرد حق، فلا يورث، أما خيار العيب حق مؤكد فيورث؛ لأن فوات بعض المبيع سبب الخيار، فيكون مؤكدًا.
[ ١ / ٥١٤ ]