مناسبة هذا الباب بباب خيار الرؤية لما ذكرنا أن خيار الرؤية يمنع تمام الحكم، وخيار العيب يمنع اللزوم، واللزوم بعد التمام، فلذلك أورده بعد باب خيار الرؤية قال: إذا اطلع المشتري في المبيع، فهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، وليس له أن يمسكه، ويأخذ النقصان، أما إثبات الخيار، فلأن المشتري لم يرض بخروج الثمن من ملكه إلا بأن يكون مبيع سالمًا، فإذا وجده غير سالم كان له الخيار، كما لو كان له العيب أنه ظاهر في وقت العقد كان مخيرًا بين أن يشتريه هذا لثمن، وبين أن يتركه، وكذلك في الثاني، وإنما لم يكن له إمساك، وأخذ النقصان؛ لأن فيه تفريق الصفة على البائع في الإتمام، ولا يجوز له إلا برضى.
قوله: (على عيب)، حد العيب هو ما يخلو عنه أصل الفطرة، وهو نوعان ظاهر كالشلل، والعمى، وباطن كالسعال القديم، وانقطاع الحيض عن الجارية، وأدنى الانقطاع شهران.
قوله: (وليس له أن يمسكه، ويأخذ النقصان)؛ لأن الأوصاف لا يقابله شيء من الثمن إلا إذا كان مقصودًا بالإتلاف.
قوله: (وكل ما أوجب بنقصان الثمن في عادة التجار، فهو عيب)؛ لأن المبيع إنما يبتاع للربح والزيادة، فوجب أن يرجع فيما يزيد فيه، أو ينقص إلى العادة، وهي عادة التجار؛ لأنهم هم الذين يعرفون ذلك، فما
[ ١ / ٥١٩ ]
كان في عادتهم عيب يوجب نقصان الثمن، فيجب به الرد هذا بيان العيب من حيث الرسم والعادة لا الحد الحقيقي.
قوله: (والسرقة والإباق عيب في الصغير)، قال: والإباق في البول في الفراش والسرقة ليس بعيب بالصغير في العبد (ما لم يبلغ، فإذا بلغ فليس عيب حتى يعاوده بعد البلوغ)؛ لأنَّه يقدر على الامتناع من هذه الأشياء إذا كان صبيًا يعقل، فإذا فعلها كان عيب، وإنما يصير عيبًا به ما لم يعاوده؛ لأن هذه الأفعال اختلاف الصبيان، فالظاهر أنه خلق الصبي [ينتقل عنه بعد البلوغ، فإذا عاوده علمنا أنه لم يفعل ذلك بخلق الصغير، وإنما هو بطبعه] على عيب المراد من الصغير العاقل حتى لو لم يكن عاقلًا يكون [ضالًا] (^١) لا إباقًا.
قوله: (فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يعاوده بعد البلوغ)، أي: المعاودة في يد البائع شرط بعد البلوغ حتى لو سرق في يد البائع، وهو صغير، فبلغ في يد البائع، وعاود السرقة في يد البائع، ثم سرق في يد المشتري، فحينئذ يكون عيبًا أما إذا باع بدون المعاودة، فسرق في يد المشتري لا يكون عيبًا، وأما إذا سرق، أو أباق في يد البائع، ثم باعه، فبلغ في يد المشتري، ثم أبق أو سرق لا يكون عيبًا موجبا للرد؛ لأن الحالة قد تغيرت، ففي الصغير لقلة عقله، [ففي] (^٢) الكبير لخبث في الباطن، فلا يتحد [الحالان] (^٣)، فلا يكون عيبًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "ضلا لا".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وفي".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الحالتان".
[ ١ / ٥٢٠ ]
قوله: (الزنا وولد الزنا عيب في الجارية دون الغلام)؛ لأن الجارية قد يكون لطلب الولد، فإذا كانت زانية يكون ولده كذلك، وفي الغلام لا يطلب الولد، فلا يكون عيبًا، قيل: لا يكون عيبا إذا لم يكن الزنا من الغلام ناشئًا حتى إذا فحش [بحيث] (^١) [يصير] (^٢) مخلا لخدمة المولى يكون عيبا أيضًا.
قوله: (فمن اشترى عبدًا فأعتقه رجع بالنقصان)؛ لأن العتق لا يقبل النقص، فالأصل أن امتناع الرد إذا كان بفعل مضمون من المشتري بطل حقه في الرجوع، كما إذا باع من غيره، وسلم أو قتل؛ لأن القتل أو البيع والتسليم فعل مضمون في ملك الغير، وإذا امتنع الرد لا يفعل من جهته، كما إذا هلكت في يده، أو بفعل غير مضمون بأن أعتق بلا مال له حق الرجوع بالنقصان وهذا؛ لأنَّه متى كان مضمونًا كان ممسكًا للمبيع، إما بإمساك أن لا يكون ممسكًا إياه إذا ثبت هذا، فنقول القتل فعل مضمون، وكذلك الأكل، ولهذا لو وجد في غير الملك كان موجبا لضمان، وإنما استفاد البراءة عن الضمان هذا باعتبار ملكه فيها، فصار الضمان كالسالم له معنى، فأما العتق فليس من أسبا الضمان؛ لأنَّه أمر لا يصح إلا في الملك، فلا يمكن تصور الضمان حتى يصير كالسالم له معنى وهذا؛ لأن الإعتقاق فعل شرعي يعتمد وجوده الملك، والقتل فعل جني يتصور في الملك، وغير الملك، وإذا كان كذلك، فلا يمنع الرجوع فيما إذا لم يكن مضمونًا، فالأصل أن الفعل إذا وجد منه أي: من المشتري بفعل غير مضمون بأن أعتق مجانًا يرجع بالنقصان، وإن كان بنعل مضمون بأن أعتق على مال لا يرجع بالنقصان، والفعل الذي غير مضمون، قيل: بأن مات؛ لأنَّه مات
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٢١ ]
بأمان اللّه تعالى، والفعل المضمون بأن قتله أحدًا وهو …
[قوله: (فالأصل امتناع الرد إذا كان بفعل مضمون من المشتري بطل حقه في الرجوع)، كما إذا باع من غيره، وسلم أو قتل؛ لأن القتل والبيع والتسليم فعل مضمون في ملك الغير، وإذا امتنع الرد لا يفعل من جهته كما إذا هلكت في يده، أو بفعل غير مضمون بأن أعتق لا مال له حق الرجوع بالنقصان وهذا؛ لأنَّه متى كان مضمونا كان ممسكا إما بإمساك بدله، أو بإمساك غيره قائما مقامه، فصار كالممسك له، ومن شرط الرجوع بالنقصان ألا يكون ممسكا إياه إذا ثبت هذا، فنقول: القتل فعل مضمون، وكذلك الأكل، ولهذا لو وجد في غير الملك كان موجبا للضمان، وإنما استفاد البراءة من الضمان هذا باعتبار ملكه فيها، فصار كالسالم له معنى، فأما العتق، فليس أسباب الضمان؛ لأنَّه أمر لا يصح إلا في الملك، فلا يمكن تصور الضمان حتى يصير كالسالم له منعى؛ وهذا لأن الإعتاق فعل شرعي يعتمد وجوده الملك، والقتل فعل حسي يتصور في الملك وغيره، وإذا كان كذلك، فلا يمتنع الرجوع فيما إذا لم يمكن مضمون] (^١).
قوله: (وشرط البراءة، قال: ومن اشترى عبدًا، وشرط البراءة من كل عيب [بأن قال: بعت على أن برئ عن جميع العيوب] (^٢)، فليس أن يرده بعيب، وأن يسم العيوب)؛ لأن البائع باعه بهذا الشر، وقد رضي به المشتري، كما لو كانت العيب ظاهرًا وقت العقد، ورضي وجهالة العيوب لا يمنع من البراءة عنها؛ لأن إسقاط الحقوق، والمجهولة جائز الدليل عليه
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (خ).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٢٢ ]
ما روي أن رجلين تخاصما إلى رسول اللّه - ﷺ - في مواريث قد درست، فقال - ﷺ -: "استهما وتواخيا وليحلل كل واحد منكما صاحبه من كل عيب" (^١)، بأن قال: بعت على أني بريء عن جميع القيود.
قوله: (وإن لم يسم العيوب)، بأن قال: جملة العيوب، ولا يحتاج إلى ذكر كل اسم عيب.
قوله: (النجر)، رائحة الفم.
[قوله:] (^٢) و(الذفر) بالذال المعجمة حده رائحة، بالدال المهملة الدفر أنتن يقال: مشك إذفر، وإبط [إذفر] (^٣).
_________________
(١) أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند النساء، حديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، (تحقيق شعيب الأرنؤوط)، ط ١، رقم الحديث: ٢٦٧١٧، ج ٤٤، ص ٣٠٨، مؤسسة الرسالة. ونصه: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ - ﷺ - فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، أَوْ قَدْ قَالَ: لِحُجَّتِهِ، مِنْ بَعْضٍ، فَإِنِّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنقُهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - ﷺ -: "أَمَا إِذْ قُلْتُمَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ". الدارقطني، سنن الدارقطني، مصدر سابق، كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك، باب في المرأة تقتل إذا ارتدت، رقم الحديث: ٤٥٨٠، ج ٥، ص ٤٢٨. ابن أبي شيبة، مصنف ابن أبي شيبة، مصدر سابق، كتاب البيوع والأقضية، باب ما جاء في القرعة، رقم الحديث: ٢٣٣٩١، ج ٥، ص ٢٨. قال التبريزي في مشكاة المصابيح (٢/ ١١١٢): "حسن"، وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (١/ ٢٠٩): "حسن".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ١ / ٥٢٣ ]