وجه مناسبة هذا الباب بباب صلاة المريض، أن الصَّلاة في حالة المرض دليل الانقياد، بحيث [انقيادٌ لأمر الله] (^١) تعالى مع المرض، وفي سجود التَّلاوة انقيادٌ وخضوعٌ، أو لأنَّ في المريض يسقط بعض الأحكام بواسطة المرض، وفي سجدة التِّلاوة أيضًا تداخلٌ، بأن كرَّر سجدة التِّلاوة … (^٢) في موضع فيكون بين البابين مناسبة فلهذا أردفه باب سجدة التلاوة بباب صلاة المريض.
وسجدة التِّلاوة تجب على من تجب الصَّلاة، أي لا يجب على الحائض والنُّفاس، وأمَّا يجب بقراءتها على الغير، وفي بيان أنَّ هذه السَّجدة واجبةٌ عندنا بقوله: السجدة على من تلاها (^٣)، وكلمة على: للوجوب، وعند الشَّافعي (^٤): سنَّةٌ.
وفي بيان مواضع السَّجدة يكون عند الشَّافعي - ﵀ - في سورة الحجِّ تجب السَّجدة في موضعين (^٥)،
_________________
(١) في (ب): "انقاد أمرًا لله".
(٢) زاد في (أ)، (خ): "و".
(٣) في (أ): "تليها".
(٤) سجدة التِّلاوة سنَّةٌ عند الشَّافعيَّة. ينظر: الماوردي، الحاوي الكبير (مرجع سابق)، (٢/ ٢٢٣). و: الشربيني، مغني المحتاج (مرجع سابق)، (١/ ٣٨٨).
(٥) عند الشَّافعية: مواضع سجود التِّلاوة في القرآن أربعة عشر موضعٍ، وليس في صورة ص =
[ ١ / ٢٦٠ ]
وعندنا (^١) تجب في الأولى (^٢)، وفي بيان أن هذه السَّجدة (^٣) في موضعٍ … (^٤) هو فيه ذمُّ الكفرة أو مدح المؤمنين، فيجب مخالفةً للكفَّار وموافقةً للمسلمين.
قوله: (سجود (^٥) التِّلاوة [في القرآن أربع عشر) سجدةً، في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل (^٦)، ومريم، والأولى في الحجِّ (^٧)، وفي الفرقان، والنمل، وألم تنزيل (^٨)، وص، وحم السجدة (^٩)، والنَّجم، وإذا السماء انشقت (^١٠)، واقرأ باسم ربك (^١١).
لما روي عن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - "قرأ خمسة عشر سجدةً في القرآن، منها ثلاثةٌ في المفصَّل وفي سورة الحجِّ سجدتان" (^١٢)،
_________________
(١) = سجدة، خلافًا لأبي حنيفة، وفي الحج سجدتان. ينظر: الغزالي، الوسيط في المذهب (مرجع سابق)، (٢/ ٢٠٢).
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (ب): "الأول".
(٤) زاد في (ب)، (خ): "تجب".
(٥) زاد في (أ): "و".
(٦) في (أ): "سجدة".
(٧) هي سورة الإسراء.
(٨) آية ١٨.
(٩) سورة السجدة.
(١٠) هي سورة فصِّلت.
(١١) سورة الانشقاق.
(١٢) سورة العلق.
(١٣) ابن ماجه، السنن (مرجع سابق)، كتاب إقامة الصَّلاة والسنَّة فيه، باب عدد سجود القرآن، (١/ ٣٣٥)، رقم الحديث: ١٠٥٧. و: الدارقطني، السنن (مرجع سابق) كتاب الصَّلاة =
[ ١ / ٢٦١ ]
إلَّا أنَّه فأما الدليل أن في الثَّانية في الحج أراد به سجدة الصَّلاة لأجل أنَّه قرنها بالرُّكوع، ولما روي عن ابن عباس عن النَّبي ﵇ أنَّه سجد في الصاد وتلاها هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى (^١) اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٢) وقال: "سجدها داود للتَّوبة، ونحن نسجدها شكرًا" (^٣).
وروي عن رسول الله ﵇ أنَّه قرأ حم السجدة في صلاته فسجد (^٤)، وروى ابن مسعود أن النَّبي ﵇ قرأ والنَّجم، وسجد وسجد معه المسلمون كلهم إلَّا شيخًا أخذ ترابًا ووضعه على جبهته، ولم يسجد فلقوله رأيته قتل يوم البدر كافرًا (^٥).
_________________
(١) = سجود القرآن، (٢/ ٢٧٠)، رقم الحديث: ١٥٢٠. و: أبو داود، السنن (سنن أبي داوود)، كتاب الصلاة باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن، (٢/ ٥٨)، ونصُّه: عن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ -: "أقرأه خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثٌ في المفصَّل، وفي الحجِّ سجدتين". قال أبو داود: روي عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - إحدى عشرة سجدة وإسناده واهٍ.
(٢) في نسخة (أ): "الذين هدي الله فبهديهم اقتده" هي قراءة: حمزة والكسائي.
(٣) هذه الآية في سورة الأنعام آية ٩٠.
(٤) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب تفسير القرآن باب ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]، (٦/ ١٢٤) رقم الحديث: ٤٨٠٧. ونصُّه: عن العوَّام، قال: سألت مجاهدا، عن سجدة في ص، فقال: سألت ابن عباس - ﵄ -: من أين سجدت؟ فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] "فكان داود ممن أمر نبيكم - ﷺ - أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇، فسجدها رسول الله - ﷺ - ".
(٥) ابن أبي شيبة، المصنف (مرجع سابق)، (١/ ٣٧٢)، رقم الحديث: ٤٢٧٦. ونصه: عن ابن عباس - ﵁ -، أَنه كان "يسجد في آخر الآيتين من حم السجدة".
(٦) البخاري، صحيح البخاري، (مرجع سابق)، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، (٥/ ٧٥)، رقم الحديث: ٣٩٧٢.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ سجد وإذا السماء انشقَّت، واقرأ باسم ربك (^١)، وعن علي أنَّه قال: "عزائم السُّجود أربعةٌ في ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم رب" (^٢)، والباقي ثابتٌ بالإجماع] (^٣).
هو (^٤) إضافة الحكم إلى (^٥) السَّبب، فالتِّلاوة سببٌ (^٦) بلا خلافٍ (^٧)، أمَّا السَّماع سببٌ أم لا؟ فيه اختلاف المشايخ، وعند البعض شرطٌ (^٨)،
_________________
(١) مسلم، صحيح مسلم (مرجع سابق)، كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب سجود التِّلاوة، (١/ ٤٠٦)، رقم الحديث: ٥٧٨.
(٢) ابن أبي شيبة، المصنف (مرجع سابق)، كتاب الصَّلوات، باب جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك، (١/ ٣٧٧)، رقم الحديث: ٤٣٤٩. ونصُّه: عن علي قال: "عزائم السُّجود سجود القرآن، الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، اقرأ باسم ربك الذي خلق". و: الحاكم، المستدرك، (مرجع سابق)، كتاب التَّفسير، باب تفسير سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق، (٢/ ٥٧٧)، رقم الحديث: ٣٩٥٧. البيهقي، السنن الكبرى (مرجع سابق)، كتاب جماع أبواب سجود التِّلاوة، باب سجدة النجم، (٢/ ٤٦٦)، رقم الحديث: ٣٧١٤.
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) في (أ)، (خ): "هذا". وهو عائدٌ على سجود التِّلاوة.
(٥) سقط في (أ).
(٦) السبب: هو بمعنى العِلَّة، وطريق الوصول إلى الشَّيء، وعرفه بعضهم: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم. ينظر: السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، أصول السرخسي، (ت: ٤٨٣ هـ)، ط: دار المعرفة (٢/ ٣٠٤). و: السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزى السمعاني الحنفي ثم الشافعي قواطع الأدلة في الأصول (ت: ٤٨٩ هـ)، تح: محمد حسن محمد الشافعي، ط: دار الكتب العلمية، (١/ ١٠١).
(٧) التِّلاوة للموضع الذي فيه سجودٌ سببٌ للسُّجود على التالي بلا خلاف.
(٨) الشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. ينظر: ابن النجار، أبو البقاء تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي (المعروف =
[ ١ / ٢٦٣ ]
حتى لو تكرر مجلس التَّالي [دون السماع] (^١)، واتحد مجلس السَّماع تجب سجداتٍ (^٢) عند فخر الإسلام (^٣)، والأصحُّ أنَّه تجب (^٤) سجدةٌ واحدةٌ فنقول: قول فخر الإسلام دليل على الشرطيَّة، فلو (^٥) كان السَّماع سببًا لوجب سجدةٌ واحدةٌ فعكس هذا دليل على أن السَّماع سببٌ، فإن (^٦) تكرَّر مجلس السَّامع واتَّحد مجلس التَّالي تجب السَّجدات على السَّماع.
قوله: (قصد سماع القرآن أو لم يقصد) (^٧)، فيجب على المقتدي وإن لم يسمع (^٨)، باعتبار أن قراءة الإمام قراءةٌ له بطريق التَّبعية (^٩).
_________________
(١) = بابن النجار)، شرح الكوكب المنير (ت: ٩٧٢ هـ)، تح: محمد الزحيلي ونزيه حمَّاد، ط: مكتبة العبيكان (١/ ٣٥٩).
(٢) سقط من (ب).
(٣) لو تبدَّل مجلس السَّامع دون التَّالي، يتكرر الوجوب على السَّامع؛ فكلُّ من سمع آية تلاوةٍ وجب عليه السُّجود دون التَّالي، فلا يسجد لو كرَّر، وكذا إذا تبدَّل مجلس التَّالي دون السَّامع، فيسجد كلُّ من تلا آية تلاوةٍ، وأمَّا السَّامع في هذه الحالة فالأصحُّ أنَّه لا يتكرر الوجوب في حقِّه. ينظر: المرغيناني، الهداية في شرح بداية المبتدي (مرجع سابق)، (١/ ٧٩).
(٤) هو أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، ﵀، (سبقت ترجمته) ص ٨٦.
(٥) في (أ): "يجب".
(٦) في (أ)، (خ): "ولو".
(٧) في (ب): "بأن".
(٨) يجب السُّجود على السَّامع لآية السُّجود، سواءً كان مستمعًا لها: بأن قصد الاستماع وأنصت، أو لم يستمع بأن كان مشغول الذهن عن القراءة.
(٩) يسجد المأموم إن سجد الإمام للتلاوة، سواءٌ سمع الآية أو لم يسمع.
(١٠) أمَّا إن قرأها المأموم فلا يجب على الإمام ولا على المأموم السُّجود.
[ ١ / ٢٦٤ ]
قوله: (لم تجزهم ولم تفسد صلاتهم) (^١) إلَّا (^٢) في رواية النَّوادر (^٣) تفسد وهو قول محمد، ﵀.
قوله: (أجزأته السجدة عن التلاوتين) (^٤)؛ لأن حالة الصَّلاة غير منافيةٍ لحالة أداء السَّجدة، مع (^٥) أن الصلاتية أقوى (^٦)، فيستتبع خارج الصَّلاة.
… (^٧) أمَّا إذا تلا خارج الصَّلاة فسجد ثمَّ تلاها في الصَّلاة تجب سجدةٌ أخرى؛ لأنَّ غير الصَّلاتيَّة ضعيفةٌ فلا يستتبع الصَّلاتيَّة، فجواز إتيان السَّجدة في الصَّلاة دليل أنَّها واجبةٌ؛ لأنَّ الصَّلاة تصان عن الزَّوائد، والسُّنن المشروعة خارج الصَّلاة كان (^٨) يؤدي … (^٩) في الصَّلاة، وحيث
_________________
(١) المسألة في من سمعوا وهم في الصَّلاة آية سجدةٍ من رجلٍ خارج الصَّلاة، لم يسجدوها في الصَّلاة وسجدوها بعد الصَّلاة، فإن سجدوها في الصَّلاة لم تجزهم فيجب أن يسجدوا بعد الصلاة، ولم تفسد صلاتهم.
(٢) سقط من (ب).
(٣) كتاب النوادر، لأبي عبد الله محمد بن سماعة بن عبد التميمي، صحب أبا يوسف ومحمَّد، وكتب كتابه النَّوادر عنهما جميعًا. حافظٌ للحديث، ثقة، تجاوز المئة وهو كامل القوة، وكان يصلِّي في كلِّ يومٍ مئتي ركعةٍ. ولي القضاء لهارون الرشيد، ببغداد، وكان يقول بالرأي، وصنف كتبًا، منها: (أدب القاضي)، و(المحاضر والسجلّات) عن أبي يوسف، (ت: ٢٣٣ هـ). ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٦/ ١٥٣). و: الصيمري، أخبار أبي حنيفة وأصحابه (مرجع سابق)، (١٦١).
(٤) من تلا آية سجدةٍ فلم يسجدها حتى دخل في الصَّلاة فتلاها وسجد لها أجزأته السَّجدة عن التِّلاوتين.
(٥) في (ب): "معما".
(٦) في (أ): "أقرئ".
(٧) زاد في (ب): "و".
(٨) في (ب): "أن".
(٩) زاد في (ب): "أي يحفظ".
[ ١ / ٢٦٥ ]
جاز أداء السَّجدة في الصَّلاة، عُلِمَ أنَّها واجبةٌ.
أمَّا إذا قرأ المقتدي لا يجب على الإمام ولا (^١) المقتدي القارئ، ولا على غيره من المقتدين، ولكن يجب على الذين خارج الصَّلاة، وعند محمد ﵀ إذا فرغوا من الصَّلاة يسجدونها.
وتفسير سجدة التِّلاوة كبّر (^٢)، ولم يرفع يديه وسجد (^٣)، ثم كبّر ورفع رأسه، ولا (^٤) يتشهَّد أي: لا يجب عليه قعودٌ ولا قراءةٌ ولا سلامٌ.
والحكمة في شرعيَّة السَّجدة: نهاية الخضوع، فالرُّكوع أيضًا خضوعٌ، والسَّجدة أقوى منه، فإذا كان نهاية الخضوع فشرع في مواضع جبر النُّقصان و(^٥) شرع في موضع المخالفة للكفَّار والموافقة للمسلمين.
قوله: (أجزأته سجدةٌ واحدةٌ)؛ [(لأنَّ جبرائيل ﵇ كان يقرأ على النَّبي ﵇، ويقرأ النَّبي ﵇ على أصحابه، ويسجد مرةً، ولأنَّ سبب الوجوب اجتمعا مجلسٍ واحدٍ سجدةٍ واحدةٍ فأقصرا على سجدةٍ واحدةٍ كالتَّالي والسَّامع،] (^٦) أمَّا في تسدية ثوبٍ وانتقالٍ من غصنٍ إلى غصنٍ، والرِّياسة يجب سجدات (^٧).
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) في (أ): "يكبر".
(٣) في (أ): "يسجد".
(٤) في (ب): "فلا".
(٥) في (أ)، (خ): "في".
(٦) سقطت من (ب)، (خ).
(٧) زاد في حاشية (خ) بخط مختلف: "فالأفضل أن يسجد ثم يقوم، ويختم السواك، ويركع ولو لم يسجد وركع وقولي السجدة تجزيه قياسا وبه نأخذ".
[ ١ / ٢٦٦ ]