مناسبة هذا الباب بالباب [الذي قبله] (^١)؛ لأنَّه بيّن الجبر، وهو سجدة السَّهو في الأصحاء، ثمَّ شرع بباب المريض؛ ليبيِّن (^٢) الجبر المذكور في الأصحَّاء، يصلي (^٣) جابرًا (^٤) في المريض، فكذلك أردف بابَ المريض بباب السَّهو.
قوله: (إذا تعذَّر) (^٥)، وتعسَّر المراد من العذر (^٦): التعذُّر بأن تعذَّر (^٧) القيام أو حكمًا، بأن يخاف زيادة المرض (^٨) إذا قام، لا المراد من العذر لحوق المضرَّة بالقيام (^٩). عن أبي منصور (^١٠) - ﵀ - الصَّلاة يجب بقدر
_________________
(١) في (ب): "الأول".
(٢) في (أ): "لبيّن".
(٣) في (ب): "يصلح".
(٤) في (أ): "جائزًا".
(٥) إذا تعذَّر على المريض القيام، صلَّى قاعدًا يركع ويسجد، فإن لم يستطع الرُّكوع والسُّجود أومأ إيماءً برأسه، وجعل السُّجود أخفض من الرُّكوع.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (ب): "يتعذر".
(٨) في (أ)، (خ): "المريض".
(٩) أقسام الضَّرر المبيح لرخصة عدم القيام في الصَّلاة، وأيضا المبيحة لرخص الشارع بوجهٍ عام هي ثلاثةٌ: ١) خوف المرض أو التَّلف. ٢) خوف زيادة المرض. ٣) خوف تأخر البرء. ينظر: موسوعة القواعد الفقهيَّة (مرجع سابق)، (١/ ٣١٦).
(١٠) هو أبو منصور، محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي صاحب كتاب: "تحفة الفقهاء"، =
[ ١ / ٢٥٥ ]
الطَّاقة فإذا خاف زيادة الوجع يقعد (^١).
وتفسير قعود المريض في الصَّلاة التَّربُّع حالة القيام، والافتراش في (^٢) حالة القعود، والأصحُّ أَنَّه يجلس أي جلسةٍ (^٣) كانت (^٤)؛ لأنَّ المرض (^٥) أثَّرَ في الأركان، فأولى بأن (^٦) يؤثِّر في السُّنن (^٧).
قوله: (ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه) (^٨)؛ لأنَّه لا يؤدِّي (^٩)
_________________
(١) = اللباب في الأصول وغير ذلك تفقَّهت عليه ابنته فاطمة العالمة الصالحة وتفقَّه عليه أيضًا زوجها أبو بكر الكاساني صاحب (بدائع الصنائع)، (ت: نحو ٥٧٥ هـ). ينظر: القرشي، الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفيَّة (مرجع سابق)، (٢/ ٦)، و: قطلوبغا، تاج التراجم في طبقات الحنفية (مرجع سابق)، (٢/ ٦٢). و: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٥/ ٣١٨).
(٢) تحفة الفقهاء (مرجع سابق)، (١/ ١٨٩).
(٣) سقط في (أ).
(٤) في (أ): "جلسته".
(٥) اختلف الأئمة في هيئة القعود في الصَّلاة على أقوال: فروي عن أبي حنيفة روايتان: ١) روى محمد عن أبي حنيفة أنَّه يجلس كيف شاء، (٢) وروى الحسن عن أبي حنيفة أنَّه إذا افتتح الصَّلاة يتربَّع، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، وعند أبي يوسف أنَّه يتربع حال القراءة، فإذا جاء وقت الركوع والسجود يقعد كما يقعد في تشهُّد المكتوبة، قول زفر يجلس كما يجلس في التشهد في كل الصَّلاة، والمختار في المذهب أن يقعد في الصلاة كحالة التشهد. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢). و: السمرقندي، تحفة الفقهاء (مرجع سابق)، (١/ ١٨٩).
(٦) في (أ)، (خ): "الأرض".
(٧) في (أ): "أن".
(٨) كما أن المرض أسقط ركنًا وهو القيام، فمن باب أولى أن يسقط سنَّةً وهي هيئة الجلوس.
(٩) إن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصَّلاة فيقضيها (إن زال المانع) ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، والقضاء لا يكون لأكثر من يومٍ وليلةٍ.
(١٠) في (أ): "تؤدي".
[ ١ / ٢٥٦ ]
ركنًا من أركان الصَّلاة حالة الاختيار بها، فلا يؤدي أيضًا في حالة الاضطرار (^١)، [وهذا أفقه (^٢)] (^٣) وهو: أن الصَّلاة عبادةٌ فهي تتأدى بفعلٍ فيه مشقةٌ؛ لأنَّه [ينبني على الخضوع والتذلل،] (^٤) كما يقال: طريقٌ متعبدٌ أي مذلَّلٌ (^٥)، ولا مشقَّة في تحريك الحاجبين والتَّفكُّر في القلب.
ثم هل (^٦) يسقط عنه؟ الصَّحيح أنَّه (^٧) لا يسقط؛ لأنَّه يُدركُ مضمونَ الخطاب بخلاف المغمى عليه، وعند زفر والشافعي رَحَمِهُما اللهُ: [يلزم بالقيام] (^٨) إذا قدر على القيام، إذا تعذَّر الرُّكوع والسُّجود فيومئ بالرَّأس؛ لأنَّ بالرَّأس يؤدي ركن وهو السُّجود، فيجوز الإيماء بالرَّأس (^٩)، وعندنا إذا قدر على القيام ولم يقدر على الرُّكوع والسُّجود لم يلزمه القيام.
_________________
(١) كما أن الإيماء بالعين أو بالقلب لا تصح الصَّلاة به حال النافلة مع صحَّة صلاة الجالس والمضطجع، فمن باب أولى أن لا تصح بهما حال الاضطرار وعدم القدرة على القيام أو الإيماء.
(٢) يعني أن القول بعدم الإيماء بالطَّرف والقلب، أفقه من قول زفر، والشَّافعيَّة، فإنهم يقولون بالإيماء بالطَّرف والقلب. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (٢/ ٥)، و: الشافعي، الأم (مرجع سابق)، (١/ ٤٠).
(٣) في (ب): "وجه الفقه".
(٤) في (أ)، (خ): "يبني عن الخشوع والتَّذليل".
(٥) في (ب): "متذلل".
(٦) في (أ): "هذه".
(٧) في (أ)، (خ): "لأنه".
(٨) سقط في (أ).
(٩) قال الشَّافعي ﵀: "إذا كان بظهره مرضٌ لا يمنعه القيام ويمنعه الرُّكوع لم يجزه إلَّا أن يقوم، وأجزأه أن ينحني كما يقدر في الرُّكوع، فإن لم يقدر على ذلك بظهره فبرقبته". ينظر: الشافعي، الأم (مرجع سابق)، (١/ ١٠٠)،
[ ١ / ٢٥٧ ]
(^١) ومن صلَّى بعض صلاته قاعدًا؛ لمرضٍ ثمَّ صحَّ بنى على
صلاته قائمًا (^٢) عندهما (^٣)، بناءًا على أن اقتداء (^٤) القائم بالقاعد جائزٌ، وعند محمد ﵀ لا يجوز، فلهذا يجوز بناؤه عندهما، ولا يجوز عند محمد ﵀ فقال (^٥) الفقيه أبو جعفر (^٦) ﵀: إن قدر المريض أن يكبِّر قائمًا فعليه أن يكبّر قائمًا ثمَّ يتمُّ صلاته قاعدًا.
قوله: (استأنف الصَّلاة) (^٧) خلافًا لزفر والشَّافعي (^٨) - رَحَمِهُما اللهُ - فإنَّ عندهما بنى.
قوله: (و(^٩) من أُغمى عليه)، والإغماء إذا كان أقلَّ من خمس صلواتٍ
_________________
(١) زاد في (خ): "قوله". ولم أعتمدها؛ لأنَّ عبارة المؤلف مخالفةٌ لما هو مكتوب، وعبارة المتن هي: "فإن صلى الصَّحيح بعض صلاته قائمًا ثمَّ حدث به مرضٌ أتمَّها قاعدًا، فإن صلى بإيماءٍ ثم قدر على الرُّكوع والسُّجود استأنف الصَّلاة".
(٢) في (أ): "فإنما".
(٣) الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف.
(٤) في (أ)، (خ): "الاقتداء".
(٥) في (أ): "يقال".
(٦) هو أبو جعفر الطَّحاوي، وقد سبقت ترجمته.
(٧) المسألة: في من بدأ الصَّلاة يومئ لعجزه، وقدر على الرُّكوع والسُّجود في أثناء الصَّلاة، وصورتها نادرة الحدوث؛ لأنَّ البرء والشفاء يحتاج لوقتٍ يزيد على وقت الصَّلاة عادةً، والاستئناف هو الإعادة.
(٨) علَّلوا ذلك؛ بأنَّه يجوز أن يؤدِّي جميع صلاته قاعدًا عند العجز، وجميعها قائمًا عند القدرة، فجاز أن يؤدِّي بعضها قاعدًا عند العجز، وبعضها قائمًا عند القدرة. ينظر: الشيرازي، المهذب (مرجع سابق)، (١/ ١٩٢)، و: الشافعي، الأم (مرجع سابق)، (١/ ٩٩).
(٩) سقط في (ب).
[ ١ / ٢٥٨ ]
يقضي، والقياس (^١) على النُّعاس (^٢) ينبغي أن يقضي سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، إلَّا أن الأثر ما جاء (^٣) في القضاء (^٤) القليل وعدم قضاء الكثير وهو قوله حقِّ في عمَّار (^٥) فقضاهن لأنَّه أغمى عليه أقل (^٦) من يومٍ وليلةٍ (^٧).
… (^٨) وفي عدم القضاء عند الكثرة، وهو قوله لم يقض عثمان - ﵁ - إذا كان أكثر من خمس صلواتٍ (^٩) فعلمنا هذا بالأثر، فلا يقاس عليه غيره.
* * *
_________________
(١) في (ب): "فالقياس".
(٢) في (أ): "الانعكاس"، والنُّعاس بمعنى النَّوم.
(٣) سقط في (أ).
(٤) في (ب): "قضاء".
(٥) في (ب): "عماره" وهو الصَّحابي الجليل عمَّار بن ياسر - ﵄ -.
(٦) في (أ): "قليلًا".
(٧) البيهقي، السُّنن الكبرى (مرجع سابق)، كتاب: الصَّلاة، باب: المغمى عليه يفيق بعد ذهاب الوقتين فلا يكون عليه قضاؤهما. (١/ ٣٨٨)، رقم الحديث: ١٨٩٦. ونصُّه: عن يزيد، مولى عمَّار: "أن عمَّار بن ياسر - ﵄ - أُغمي عليه في الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف اللَّيل، فصلَّى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء". و: عبد الرزاق الصَّنعاني، المصنف (مرجع سابق)، كتاب: الصَّلاة، باب: صلاة المريض على الدَّابة وصلاة المغمى عليه، (٢/ ٤٧٩)، رقم الحديث: ٤١٥٦. وابن أبي شيبة، المصنف (مرجع سابق)، كتاب: الصَّلوات، باب: ما يعيد المغمى عليه من الصَّلاة، (٢/ ٧٠)، رقم الحديث: ٦٥٨٤، وقال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت، فمحمول على الاستحباب. ينظر: الزيلعي، نصب الرَّاية (مرجع سابق)، (٢/ ١٧٧).
(٨) زاد في (أ): "وفي عدم القضاء الكثير وهو قوله في حق عمار فقضاهن لأنه أغمى عليه أقل من يوم وليلة".
(٩) لم أجد هذا الأثر في كتب متون الحديث وكتب تخريج الحديث، فلعله عن غير عثمان - ﵁ -.
[ ١ / ٢٥٩ ]