[قال الشَّيخ (^١) - ﵀ - (من فاتته صلاةٌ قضاها إذا ذكرها، وقدمها على صلاة الوقت، إلَّا أن يخاف فوت صلاة الوقت، فإنَّه يقدِّم صلاة الوقت عليها ثمَّ يقضيها، وإن فاتته صلواتٌ رتَّبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلَّا أن تزيد الفوائت على ستَّة صلواتٍ فيسقط التَّرتيب فيها).
أمَّا تقديم الفائتة على صلاة الوقت؛ فلما روي عن رسول الله - ﷺ -: "لا صلاة لمن عليه صلاة فائتة" (^٢)، وأنَّه قال: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها" (^٣)، فإنَّ ذِكرَ وقتِها لا وقت لها إلَّا ذلك.
والأصل في وجوب التَّرتيب في القضاء ما روى عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "من دخل مع الإمام في الصَّلاة فتذكَّر أن عليه صلاةً قبلها، مضى في هذه ثمَّ صلَّى ذلك ثم أعاد ذلك" (^٤)؛ ولأنَّ التَّرتيب مع بقاء الوقت
_________________
(١) أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد القدوري، (هو الماتن).
(٢) ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدِّين عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، تح: خليل الميس، ط: دار الكتب العلمية، باب أحاديث في المسجد، (١/ ٤٩٣) رقم الحديث: ٧٥٠، قال عنه ابن الجوزي: هذا حديثٌ نسمعه عن ألسنة النَّاس وما عرفنا له أصلًا.
(٣) مسلم، صحيح مسلم (مرجع سابق)، في كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب قضاء الصَّلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، (١/ ٤٧٧)، حديث رقم: ٦٨٤، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٤) الدارقطني، السنن (مرجع سابق)، كتاب الصَّلاة، باب الرَّجل يذكر صلاةً وهو في أخرى،=
[ ١ / ٢٢٧ ]
واجبٌ بالوقت والفعل؛ ألا ترى أنَّه لا يصلِّي العصر قبل الظُّهر للوقت، فيسقط الوقت في يوم عرفة، فلا يجوز تقديم العصر على الظُّهر.
فإذا فات الوقت سقط التَّرتيب من حيث الوقت، وبقي التَّرتيب من حيث الفعل، وليس كما إذا ازداد الفوائت على الستَّة صلواتٍ؛ لأنَّها دخلت في حدِّ التِّكرار فلا يزيد ما فيها التَّرتيب كقضاء أيام رمضان] (^١).
المأمور به نوعان: أداءٌ وقضاءٌ، فإذا وُجِدَ الأداء في الوقت يسمَّى أداءً، وإذا وُجِدَ خارج الوقت يسمى قضاءً، والأداء يُستعمَل مكان القضاء بقرينةٍ، بأن قال: أدَّى دينه، أي قضاء، أمَّا القضاء يستعمل مكان الأداء مطلقًا بدون القرنية كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ (^٢) أي أدَّيتم الصَّلاة. ومناسبة هذا الباب بالباب الأوَّل، وهو أنَّه لمَّا أتمَّ مسائل الأداء شرع في القضاء في الصَّلاة (^٣).
قوله: فإن ذلك وقتها (^٤)، مروي عن
_________________
(١) = (٢/ ٢٩٥)، رقم الحديث: ١٥٥٩، ونصَّه: عن ابن عمر - ﵄ -، قال: "إذا نسي أحدكم صلاته، فلم يذكرها إلَّا وهو مع الإمام فليصلِّ مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليصلِّ الصَّلاة التي نسيَ ثمَّ لِيُعِد صلاته الَّتي صلَّى مع الإمام". وسنن البيهقي (مرجع سابق)، كتاب جماع أبواب صفة الصَّلاة، باب من ذكر صلاة وهو في أخرى، (٢/ ٣١٣)، رقم الحديث: ٣١٩٣. وقال البيهقي: تفرَّد أبو إبراهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعًا، والصَّحيح أنَّه من قول ابن عمر موقوفًا. وقال الدارقطني: وهم في رفعه. والصَّحيح، موقوفًا من قول ابن عمر.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (ت)، (خ)، (ش).
(٣) سورة النساء آية: ١٠٣.
(٤) سقطت من (ب)، (خ).
(٥) ليست من قول الماتن، فلعله يريد من القول: قول النَّبي - ﷺ - في صحيح مسلم "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها".
[ ١ / ٢٢٨ ]
ابن عمر - ﵁ -] … (^١) لا يقال: لمَّا كان وقت التذكُّر (^٢) وقت الفائتة بالحديث، فلا يكون فائتةً، لِمَ يسمى فائتةً؟ قلنا: إنَّما يسمى فائتةً، لأنَّ هذا الوقت وقت الوقتي بالنَّص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٣)، وما ثبت بالنَّص أقوى، فلا يكون وقتًا للفائتة نظرًا إلى النَّص فلهذا قال فائتة.
قوله: (فيقدم) (^٤) الفائتة إذا كان في الوقت سعةٌ، يجب أن تقدِّم (^٥) الفائتة بالحديث؛ فإنَّ ذلك وقتها، وفي الموضع الذي ضاق الوقت يجب (^٦) تقديم الوقتي بالنَّص (^٧)، لرجحان النَّص على الحديث، ففي الوقت الذي فيه سعةٌ لا معارضة بينهما، فجمعنا الحديث بالنَّص ففي الموضع الذي يجب تقديم الفائتة لا يجوز تقديم الوقتي وفي الموضع الذي يجب تقديم الوقتي يجوز تقديم الفائتة؛ لأنَّ الفائتة صارت دينًا في ذمته فَمنِع تقديم الوقتي.
أمَّا الوقتيَّة ما صارت دينًا، ولهذا إذا حاضت في آخر الوقت تسقط (^٨)
_________________
(١) زاد في حاشية (خ): "ولنا حديث بن عمر أن النَّبي - ﷺ - قال: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فلم يذكرها إلَّا وهو مع الإمام، فليصل التي هو فيها، ثمَّ ليصلي التي هو فيها ثم ليصل التي ذكرها، ثمَّ ليعد التي صلاها مع الإمام".
(٢) في (أ): "الذكر".
(٣) سورة النساء، آية: ١٠٣.
(٤) في (أ): "فيتقدم".
(٥) في (أ): "يتقدم".
(٦) في (أ): "لا يجوز".
(٧) المقصود بالنَّص الآية، فهي قطعية الثبوت والدلالة، فتقدَّم على الحديث إن لم يمكن الجمع وإن كان الحديث قطعي الدلالة إلَّا أنه ظني الثبوت.
(٨) في (أ): "سقط".
[ ١ / ٢٢٩ ]
عنها الوقتيَّة، أو خرج إلى سفرٍ (^١) في آخر الوقت، ولو مات في الوقت لقي الله ولا شيء عليه، أمَّا إذا مات قبل أداء الفائتة لقي الله وعليه عقوبة، وإذا لم يكن دينًا لم يمنع تقديم (^٢) الفائتة لأنَّها ليست مقدرة.
قوله:) إلَّا أن تزيد الفوائت (، ففي قوله: إلَّا أن تزيد الفوائت نوع إشكالٍ، لأنَّ الفوائت جمع وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ (^٣)، ينبغي أن (^٤) يسقط الترتيب إلَّا أن تصير الفوائت تسعة بأن كان (^٥) الزَّائد ثلاثة، لكن أجمعنا واتفقنا على أن لا يبقى الحكم إلى أن (^٦) تصير تسعة فيراد المجاز، وهو أن يصير الفوائت ستًا.
فعند محمد - ﵀ - بدخول وقت السَّادسة، وعندهما بخروج وقت السَّادسة، وإلا حقيقته ليست بمراده (^٧)، لأنَّ الزَّائد غير المزيد (^٨) عليه، وهو أن الفوائت مزيدٌ عليه وزائدٌ أيضًا، أي تصير الفوائت ستًا كما عبرت (^٩) الحقيقة في قوله تعالى (^١٠): ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ (^١١)، الصَّلاة مرادٌ لا
_________________
(١) في (ب): "السفر".
(٢) في (ب): "تقدم".
(٣) سقط من (ب).
(٤) زاد في (ب): "لا".
(٥) في (ب): "يكون".
(٦) سقط في (أ)، (خ).
(٧) زاد في (ب): "إلا".
(٨) في (أ)، (خ): "مزيد".
(٩) في (أ): "غيرت".
(١٠) سقط في (أ).
(١١) سورة الرّوم، آية: ١٧.
[ ١ / ٢٣٠ ]
حقيقة المساء.
قوله: (فسقط التَّرتيب)، كما أن النِّسيان وكثرة الفوائت وضيق الوقت يسقط التَّرتيب بين الوقتيَّة والفائتة، فيسقط أيضًا في الفوائت (^١) بطريق (^٢) الأولى، كالضَّرب على الرَّأس، أو (^٣) عضوٍ يؤثِّر الوجع في جميع الأعضاء فيؤثِّر [في الرَّأس] (^٤) أيضًا بالطريق الأولى.
فإذا كثرت الفوائت فصلَّى بعضها حتى قلَّت، فعند بعض المشايخ (^٥) يعود التَّرتيب إذا قلَّت الصَّلاة الفائتة بعد قضاء بعضها، وعند فخر الإسلام علي البزدوي (^٦) لا يعود (^٧)، كما إذا تنجَّس الماء القليل ثمَّ (^٨) كثر بعد التَّنجس فصار طاهرًا ثم قلَّ (^٩) الماء
_________________
(١) في (أ): "الفائتة".
(٢) في (ب): "بالطريق".
(٣) في (ب): "وعلى".
(٤) سقط في (أ)، وفي (خ): "الرأس".
(٥) هو اختيار المرغياني في الهداية. ينظر: المرغيناني، الهداية شرح البداية (مرجع سابق)، (١/ ٧٣).
(٦) هو أبو الحسن، علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، فخر الإسلام البزدوي: فقيهٌ أصوليٌ، من أكابر الحنفيَّة. من سكان سمرقند، نسبته إلى بزدة، قلعةٌ بقرب نسف، ولد سنة ٤٠٠ هـ، له تصانيف منها: كنز الوصول في أصول الفقه، (ويعرف بأصول البزدوي)، وتفسير القرآن، وغناء الفقهاء في الفقه، (ت: ٤٨٢ هـ) ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٤/ ٣٢٨)، و: قطلوبغا، تاج التَّراجم (مرجع سابق)، (١/ ٢٠٥).
(٧) وهو المختار أنَّه لا يعود التَّرتيب. ينظر: ابن مودود، الاختيار لتعليل المختار (مرجع سابق)، (١/ ٧١).
(٨) في (ب): "و".
(٩) في (ب): "قلت".
[ ١ / ٢٣١ ]
[على ما كان] (^١)، لا تعود النَّجاسة كذا ها هنا لا يعود التَّرتيب؛ لأنَّ السَّاقط يتلاشى فالمتلاشي كيف يعود؟.
قوله: (قضاء الفوائت)، ولم يقل قضاء المتروكات (^٢)؛ لأنَّ من حال المسلم أن لا (^٣) يترك الصَّلاة قصدًا، بل يُفَوِتُ الصَّلاة باعتبار غفلةٍ، كما في قوله - ﷺ -: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا (^٤) "، فالحكم في العمد كذلك؛ لأنَّ المسلم لا يكون عامدًا في ترك الصَّلاة ظاهرًا (^٥) نظرًا إلى إسلامه.
قوله: (كما وجب في الأصل) المراد من الأصل الأداء (^٦).
* * *
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (ب): "المتروكة".
(٣) سقط في (أ).
(٤) سبق تخريجه ص ١٢٥.
(٥) في (أ): "طاهرًا".
(٦) إن فاتته صلواتٌ رتَّبها في القضاء كما وجبت في الأصل.
[ ١ / ٢٣٢ ]