[الأصل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^٣)، فهذه ثمانية أصنافٍ قد سقط منها المؤلفة قلوبهم؛ لأنَّ الله تعالى عزّ الإسلام وأغنى عنهم.
والفقير: من له أدنى شيء، والمسكين (^٤): من لا شيء له، والعامل: يدفع إليه الإمام إن عمل بقدر عمله، والرِّقاب: يعان المكاتبون في فكِّ رقابتهم، والغارم: من لزمه دينٌ، وفي سبيل الله: منقطع (^٥) الغزاة، وابن
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) من هنا سقط في (خ) وتبدأ المقابلة عند قوله: "فلما فرغ من بيان سبب الوجوب".
(٣) سورة التوبة، آية ٦٠.
(٤) اختلف الفقهاء وأهل اللُّغة في تعريف الفقير والمسكين وأيهما أحوج، فقيل أَنَّ الفقير: هو الذي لا يسأَل النَّاس، وأَن المسكين: هو السَّائل فالمسكين إذًا أَصلح حالًا من الفقير والفقير أَشدّ منه فاقة وضرًّا، وقيل أنَّ الفقير: هو من لا مال له ولا كسب أصلًا، والمسكين: هو من يملك أو يكتسب أقل من احتياجاته الأساسيَّة والدَّليل قوله تعالى في أصحاب السَّفينة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [سورة الكهف، آية ٧٩]، فسمَّاهم مساكين مع أنَّهم يملكون السَّفينة. ينظر: ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، ط: دار صادر (١٣/ ٢١١). و: الطيار، عبد الله بن محمد. المطلق، عبد الله بن محمد. الموسى، محمد بن إبراهيم، الفقه الميسر، ط: مَدَارُ الوَطن للنَّشر، (٢/ ١١٦).
(٥) هكذا كتبت ولعله يريد مطلق الغزاة.
[ ١ / ٣٧١ ]
السَّبيل: من كان له مالٌ في وطنه وهو في مكانٍ لا شيء له فيه، فهذه جهات الزَّكاة.
وللمالك أن يدفع إلى كلِّ واحدٍ منهم وله أن يقتصر على صنفٍ واحدٍ، والدَّليل على أنَّ الفقراء أحسن حالًا من المسكين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١) وإن كان لهم ملك، ولأنَّه الفقير من افتقر إلى غيره، والمسكين من سكن نفسه إلى الفقر، وهذا معنى زايدٌ على الفقر.
وإنَّما يدفع إلى العامل بقدر عمله دون الثَّمن، يستحق بعمله بدلالة أنَّ من حمل زكاته إلى الإمام لم يستحق العامل منها شيئًا فصار كسائر عمَّال المسلمين.
والدَّليل على أنَّ فكَّ الرَّقبة الإعانة على العتق، ما روي أن رجلًا قال للنَّبي ﵇: علّمني عملًا يدخلني الجَّنة فقال: "فكُّ رقبةٍ وأعتق النَّسيمة" (^٢)،
_________________
(١) سورة فاطر، آية ١٥.
(٢) أحمد، المسند (مرجع سابق)، كتاب: مسند الكوفيين، باب: حديث البراء بن عازب، (٣٠/ ٦٠٠)، رقم الحديث: ١٨٦٤٧. ونصُّه: جاء أعرابي إلى النَّبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، علِّمني عملًا يدخلني الجنَّة، فقال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النَّسمة، وفك الرقبة". فقال: يا رسول الله، أوليستا بواحدة؟ قال: "لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرَّقبة أن تُعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظَّالم، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من الخير". الدارقطني، السنن (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: الحثِّ على إخراج الصَّدقة وبيان قسمتها، (٣/ ٥٤)، رقم الحديث: ٢٠٥٥. و: الحاكم، المستدرك (مرجع سابق)، كتاب: الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم، باب: كتاب المكاتب، (٢/ ٢٣٦، رقم الحديث: ٢٨٦١).=
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقال الرَّجل أو ليستا؟ قال: "لا، فكُّ الرقبة أن تعين في عتقها".
فأمَّا الغارم في يده مستحق بالدّين فصار كمن لا مال له، وأمَّا سبيل الله فهو عبارةٌ عن جميع القُرَب، إلَّا أنَّ الإطلاق يقتضي اجتهاد فوجب حمله على إطلاقه، وأمَّا ابن السَّبيل وإنَّما سُمي به؛ لأنَّه لازم السَّفر فنسب إليه، كما يقال: فلان ابن الغني، ولأنَّه لا يتوصَّل إلى الانتفاع بماله فصار كالفقير الذي لا مال له.
وإنَّما جاز أن يتصدَّق إلى كلِّ واحدٍ منهم محلٌ للصدقة إليه، وإنَّما جاز له أن يقتصر على صنفٍ واحدٍ؛ لأنَّ المعتبر هو الفقر، والدَّليل عليه قوله ﵇: "أمرت أن آخذ الصَّدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" (^١). ولأنَّ الإمام يجوز له دفع صدقة الواحد إلى الواحد، وهو قائم مقام صاحب المال وكذلك جاز للمالك أيضًا] (^٢).
لمَّا فرغ من بيان سبب الوجوب وأنواع السَّبب والواجب وقدر
_________________
(١) = وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". وقال البخاري في صحيح الأدب المفرد (١/ ٥٣، ٥٤): صحيحٌ. وقال التَّبريزي في مشكاة المصابيح (٢/ ١٠١٠): صحيح.
(٢) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجَّة الوداع، (٥/ ١٦٢ - ١٦٣)، رقم الحديث: ٤٣٤٧. ونصُّه: عن ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم طاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنَّ اللَّه قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ اللَّه قد فرض عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم فترُّد على فقرائهم، فإن هم طاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينه وبين اللَّه حجاب".
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (ت)، (خ)، (ش).
[ ١ / ٣٧٣ ]
الواجب والمطلقة والمقيَّدة، شرع في بيان مصارف هذا الواجب، هذا بيان مناسبة البابين.
فعندنا الفقراء والمساكين كلهم (^١) مصارف، وعند الشَّافعي ﵀ كلهم مستحقون (^٢)، فعنده لو لم تدفع إلى ثلاثةٍ من كلِّ صنفٍ لا يخرج عن العهدة، لكون (^٣) كلَّ صنفٍ مذكورٌ بلفظ الجمع … (^٤)، وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ، فيصير أحد وعشرون.
والدَّليل على أنَّهم جهات الزَّكاة أي مصارف [ولو لم يكونوا مستحقين] (^٥)؛ لأنّه قال [الله تعالى] (^٦): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ … (^٧)﴾ (^٨) ولم يقل: المال، فإنَّما يصير صدقةً بالأداء إلى الفقير فيكون المستحقُّ هو الله تعالى، فالفقير (^٩) بأول حالة القبض يكون قابضًا لله تعالى، ثمَّ تداوم يده يكون قابضًا لنفسه، فلو كان استحقَّ الفقراء لقال (^١٠): المال، فحينئذ
_________________
(١) في (أ): "كله".
(٢) عند الشَّافعيَّة يجب أن يقسِّم زكاة ماله على الأصناف الثَّمانية لأنهم كلُّهم أصحاب حقٍّ في الزَّكاة وليسوا مجرَّد مصرف، فإن قدر على تفريقه في جميع الصِّنف كان أولى، وإن فرَّقه في ثلاثةٍ من كلِّ صنفِ منهم فصاعدًا أجزأه، ولا يجزئه في أقلِّ من ثلاثةٍ إذا وجدوا؛ لأنَّهم أقلُّ الجمع المطلق الوارد في الآية. وله الخيار في المصنف الواحد بين التَّسوية بينهم والتفضيل. ينظر: الماوردي، الحاوي الكبير (مرجع سابق)، (٨/ ١٢٢٤).
(٣) في (أ): "لكن".
(٤) زاد في (أ)، (خ): "والدَّليل".
(٥) ما بين المعكوفتين سقط في (أ)، وزاد: "لأنَّهم".
(٦) سقط من (ب).
(٧) زاد في (ب): "للفقراء".
(٨) سورة التَّوبة، آية: ٦٠.
(٩) في (ب): "والفقير".
(١٠) في (أ): "يقال".
[ ١ / ٣٧٤ ]
يكون (^١) الأخذ لهم ابتداءً.
فالله تعالى وعد الفقراء أرزاقهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٢)، فأحال الله تعالى الفقراء على الأغنياء للحقِّ الذي ثبت لله (^٣) تعالى على الأغنياء.
قوله (^٤): (المؤلَّفة قلوبهم) (^٥) كان قومٌ من رؤساء الكفرة، فيدفعون إليهم الزَّكاة لأجل أنَّ أتباعهم يؤمنون، أو لأجل عزّة الإسلام فسقط بعد ذلك، أمَّا لانتهاء الحكم بانتهاء علته، أو باعتبار فساد الوضع؛ لأنَّ الأداء كان لعزَّة (^٦) الإسلام، فبعدما عزّ الإسلام لو دفع يكون (^٧) إهانةً فيكون ما هو [سبب العزَّ] (^٨) سببَ الإهانة، وأنَّه لا يجوز أو بالإجماع سقط بعد موت (^٩) النَّبي - ﷺ -.
أو باعتبار أن عمر -﵁- حرق كتاب أبي بكر -﵁- في حقِّ المؤلفة في عدم الدَّفع (^١٠) أي لم يدفع عمر -﵁- باعتبار أنَّه سمع من النَّبي - ﷺ - حال حياته النَّسخ
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) سورة هود، آية ٦.
(٣) في (أ): "الله".
(٤) زاد في (ب): "قوله".
(٥) قال الماتن: "هذه ثمانية أصنافٍ، قد سقطت منها المؤلَّفة قلوبهم؛ لأنَّ الله تعالى أعزَّ الإسلام وأغنى عنهم".
(٦) في (أ): "بعزة".
(٧) في (أ): "فيكون".
(٨) سقط في (أ).
(٩) في (أ): "مرة".
(١٠) في (ب): " الرفع".
[ ١ / ٣٧٥ ]
بعد موته، فيكون عدم قبول (^١) عمر -﵁- باعتبار عمله بالنَّسخ (^٢) حال حياة النَّبي ﵇؛ لأنَّ بعد وفاته لا يجوز، و(^٣) النَّسخ من عمر -﵁-: إظهار النَّسخ.
قوله: (بقدر عمله (^٤) (ولهذا (^٥) لو لم يعمل لا يستحقُّ، بأن أتى صاحبُ المال فدفع بنفسه لا يستحق العامل، الأجر (^٦)، ولهذا لو هلك في يده لا يستحقُّ الأجر، ولهذا لو كان غنيًّا يستحق الأجرة عُلِمَ أنَّ العامل يستحقُّ بقدر عمله، أمَّا الهاشمي وإن كان عاملًا لا يستحقُّ؛ صيانةً لقرابة الرَّسول ﵇ عن الوسخ.
قوله: (منقطع الغزاة (^٧» (^٨) بأن مات فرسه وبقي على الطَّريق.
قوله: (ابن السَّبيل (: أي المسافر كما يقال للغني: ابن (^٩) الغناء، ويقال للفقير: ابن الفقير، فالأولى أن يدفع نصف الدِّينار إلى
_________________
(١) في (أ): "قوله ".
(٢) في (ب): "النسخ ".
(٣) سقط في (ب).
(٤) قال الماتن: "والعامل: يدفع إليه الإمام بقدر عمله إن عمل ".
(٥) في (ب): "وبهذا".
(٦) في (أ): "ولا أجر".
(٧) في (ب): " الغداه".
(٨) قال الماتن في تعريفه لفي سبيل الله: "في سبيل الله: منقطع الغزاة"، ومنقطع الغزاة هذا عند أبي يوسف وعند محمد منقطع الحاج قيل طلبه العلم وفسَّره في البدائع بجميع القرب، وثمرة الاختلاف في نحو الأوقاف الوصية. ينظر: ابن عابدين، الدُّر المختار (مرجع سابق)، (٢/ ٣٤٣). و: الزبيدي، الجوهرة النَّيرة (مرجع سابق)، (١/ ٤٩٠). و: الكاساني، بدائع الصنائع (مرجع سابق)، (٤/ ٢٦).
(٩) في (أ): "أبو".
[ ١ / ٣٧٦ ]
شخصٍ واحدٍ لا إلى الأشخاص بقوله: "وإن تغنى إنسانًا أحب إليّ ". لفظ (^١) محمد … (^٢) ﵀ يدلُّ على أنَّه لو دفع (^٣) إلى فقيرٍ واحدٍ أولى.
قوله: (ولا يجوز دفع الزَّكاة إلى ذمي [ولا يبني بها مسجدًا، ولا يكفِّن بها ميتًا، ولا يشتري بها رقبةً يعتق ولا يدفع (^٤) إلى غني)، وأمَّا الذِّمي فلقوله ﵇: "وأوردها في فقرائكم" (^٥) وهذا خطاب المسلمين، وأمَّا بناء المسجد وتكفين الموتى؛ لأنَّ الزَّكاة يستحق فيها تملك، ولم يحصل ها هنا تمليكٌ.
وكذلك عتق الرَّقبة؛ لأنَّ العبد لا يملك رقبةً وإنَّما يتلف على ملك معتقه يستحق الولاء عليه، وأمَّا الغني فلقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (^٦) ولقوله ﵇: "لا تحلُّ الصَّدقة لغني" (^٧)] (^٨).
_________________
(١) في (ب): "فلفظ ".
(٢) زاد في (ب): "بن الحسن "، ولم أعتمدها في الأصل؛ لأنَّ المؤلف اعتاد على الاقتصار بتسميته محمد.
(٣) في (ب): "وقع ".
(٤) هكذا كتبت في النُّسخة (أ)، وفي المتن "تدفع"، وهو الأصحُّ.
(٥) حديث معاذ، سبق تخريجه.
(٦) سورة التَّوبة، آية ٦٠.
(٧) ابن ماجه، السنن (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: من سأل عن ظهر غني، (١/ ٥٨٩)، رقم الحديث: ١٨٣٩. ونصُّه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "لا تحل الصَّدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ". الدارقطني، السنن (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: لا تحل الصَّدقة لغني ولا ذي مرة سوي، (٣/ ٢١)، رقم الحديث: ١٩٨٩. و: البيهقي، السنن الكبرى (مرجع سابق)، كتاب: قسم الصَّدقات، باب: الفقير أو المسكين له كسبٌ أو حرفةٌ تغنيه وعياله، فلا يعطى بالفقر والمسكنة شيئًا، (٧/ ٢١)، رقم الحديث: ١٣١٦١. قال عنه الهيثمي في مجمع الزَّوائد (مرجع سابق)، (٣/ ٢٥٠): رجاله رجال الصَّحيح.
(٨) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
[ ١ / ٣٧٧ ]
لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ خصَّ منه الحربى فجاز أن يخصَّ بعد ذلك الذِّمي بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ (^١)﴾ مهو (^٢) إلى قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (^٣).
قوله: (ولا تشتري) [من الزَّكاة] (^٤) رقبةً في هذا خلافٌ مالك، ﵀ (^٥)، لأنَّ الإيتاء هو التَّمليك فإذا كان التَّمليك شرطًا فلا يوجد التَّمليك في شراء الرَّقبة فلا يجوز.
قوله: و(إن سَفل) (^٦) بنصب (^٧) الفاء وبضمها من الدَّناءة، يقال: سُفل سُفلة سُفالةٌ و: أي صار حقيرًا، وسَفل يسفل سَفولًا: يسقط.
قوله: (ولا يؤدِّي إلى زوجته)؛ لأنَّ الزَّوجة نظير الولاد من حيث أنَّهما سبب الإرث بدون الحجب، وفي الولادة لا يجوز أداء الزَّكاة، بأن أدَّى إلى ابنه أو إلى أمِّه فكذلك (^٨) لا يجوز أن يؤدِّي إلى زوجته ولا المرأة إلى زوجها.
_________________
(١) زاد في (ب): "الله ".
(٢) سورة الممتحنة، آية: ٩.
(٣) سورة الممتحنة، آية: ٩.
(٤) سقط من (ب).
(٥) قال مالك: من اشترى من زكاة ماله رقبةً فأعتقها كما يعتق الوالي، إن ذلك جائزٌ ويجزئه من زكاته، ويكون ولاؤه لجميع المسلمين. ينظر: مالك بن أنس، المدونة الكبرى (مرجع سابق)، (١/ ٣٤٥).
(٦) قال الماتن: "لا يدفع المزكِّي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سَفل، ولا إلى امرأته، ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تدفع إليه ".
(٧) في (أ)، (خ): "ينصب ".
(٨) في (ب): "فلذلك ".
[ ١ / ٣٧٨ ]
قوله: (ولا يبني بها مسجدًا) ولا سقايةً ولا يكفِّن منها ميتًا؛ لعدم التَّمليك وقد ذكرنا أنَّ التَّمليك شرطٌ؛ لأنَّ في الكسوة الإيتاء وهو مع ذلك المراد من الإيتاء التَّمليك فأولى أن الإيتاء المذكور (^١) هنا يكون تمليكًا.
قوله: (ومواليهم) أي معتقيهم.
قوله: (ولا يدفع (^٢) إلى بني هاشم)؛ لأنَّ الله تعالى عوّض (^٣) بخُمس الخمس، وذكر أبو عصمة (^٤) عن (^٥) أبي حنيفة (^٦) ﵀: كان عدم جواز الدَّفع إلى بني هاشم (^٧) [وهو آل علي وآل عباد وآل جعفر وأل عقيل وآل حارث بن عبد المطلب ومواليهم.
وأمَّا بنو هاشم فلقوله ﵇: "أنَّ الصدقة حرامٌ على بني هاشم"، وأمَّا مواليهم فلقوله ﵇: "أنَّ الصَّدقة حرامٌ على محمدٍ وعلى آل محمد،
_________________
(١) في (أ): "المذكورة".
(٢) هكذا كتبت في النُّسخ، وفي المتن: "تدفع ".
(٣) في (ب): "عرض ".
(٤) هو أبو عصمة، نوح بن يزيد (أبي مريم) بن جعونة المروزي، القرشي بالولاء، قاضي مرو، ويلقَّب بالجامع، لجمعه علومًا كثيرةً. وكان مرجئًا، روى عن الزهري، وكان مطعونًا في روايته الحديث؛ لأنَّه لم يكن في الحديث بذاك، من كلامه: ما أقبح اللحن من متقعر! (ت: ٧٣ ا هـ). ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٨/ ٥١). و: القرشي، طبقات الحنفية (مرجع سابق)، (١/ ١٧٦).
(٥) سقط في (أ).
(٦) في (ب): "حفص ".
(٧) قول أبي حنيفة المنقول هو: "كان عدم جواز الدَّفع إلى بني هاشم في ذلك الوقت؛ لأنَّهم كانوا يأخذون خمس الخمس عوضًا، أمَّا في هذا الزَّمان يجوز؛ لأنَّهم لا يأخذون خمس الخمس "، وأدخل خلالها المؤلف فقرة اعتراضية للشرح.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأن مولى القوم من أنفسهم" (^١)، وإنَّما اختص هؤلاء بالحرمان لأنَّ الله تعالى حرّم الصَّدقة على فقرائهم وعوّضهم عنهما بالخمس.
والخمس وهو سهم ذوي القربى، يختص بهؤلاء فكذلك تحريم الصَّدقة يختص بهم، ومن سواهم من القرابة لا حقَّ في الخمس فيحل لهم الصَّدقة] (^٢)، في ذلك الوقت (^٣)؛ لأنَّهم كانوا يأخذون خمس الخمس عوضًا، أمَّا في هذا الزَّمان … (^٤) يجوز؛ لأنَّهم لا يأخذون خمس الخمس.
قوله: (يظنه فقيرًا) (^٥) [(وقال أبو حنيفة ومحمد ﵀: إذا دفع الزَّكاةَ إلى الرجل يظنُّه فقيرًا.
ثم أبانه غني أو هاشمي أو كافرًا أو دفع في ظلمة إلى فقير ثم بان أنه
_________________
(١) أبو داود، السنن (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: الصَّدقة على بني هاشم، (٢/ ١٢٣)، رقم الحديث: ١٦٥٠. ونصُّه: قال رسول الله - ﷺ -: "مولى القوم من أنفسهم، وإنَّا لا تحل لنا الصَّدقة". والتَّرمذي في سننه (مرجع سابق)، كتاب: أبواب الزَّكاة، باب: ما جاء في كراهية الصَّدقة للنَّبي - ﷺ - وأهل بيته ومواليه، (٣/ ٣٧)، رقم الحديث: ٦٥٧. الحاكم، المستدرك، (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: وأمَّا حديث محمد بن أبي حفصة، (١/ ١٥٦)، رقم الحديث: ١٤٦٨. وقال التِّرمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يخرجاه ".
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٣) أي في القرون الأولى كان بنو هاشم يأخذوا خمس الخمس، واليوم لا يأخذون فلا يمنعون من الصَّدقة، فالحكم دائرٌ مع علته متى ما أخذا خمس الخمس يمنعوا من الصدقة والعكس بالعكس.
(٤) في (أ): "لا".
(٥) قال الماتن: "قال أبو حنيفة ومحمد: إذا دفع الزَّكاة إلى رجل يظنُّه فقيرًا ثمَّ بان أنَّه غنيٌّ أو هاشميٌ أو كافرٌ، أو دفع في ظلمةٍ إلى فقيرٍ ثمَّ بان أنَّه أبوه أو ابنه فلا إعادة عليه ".
[ ١ / ٣٨٠ ]
أبوه أو ابنه أو جده فلا إعادة عليه وقال أبو يوسف لا يجوز، ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعًا).
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنَّ الغني والفقير لا يُعلم إلَّا من طريق الاجتهاد؛ لأنَّ ما في يده مال يجوز أن يكون مغصوبًا أو مستحقًا بالدَّين فقد أمضى الدَّفع باجتهادٍ، فإذا ظهر له اجتهادٌ آخر يفسخ الأوَّل كالحاكم، وكذلك النَّسب والكفر والإسلام يُعلم من طريق الاجتهاد، بخلاف العبد والمكاتب؛ لأنَّه لم يخرج ما دفع إليهم عن ملكهم إخراجًا صحيحًا فكاتب بقاه في يده، وها هنا بخلافه.
وجه قول أبي يوسف: أنَّه لا يجوز (^١) الدَّفع إليهم مع العلم، ولا يجوز مع الاجتهاد كعبده ومكاتبه] (^٢). حتى إذا شك ولم يتحر (^٣) فدفع ثمَّ بان أنَّه غنيٌ أو هاشميٌ أو كافرٌ يعيد، فالظَّن ترجيح أحد الجانبين والشَّك ما استوى طرفاه.
قوله: (كافرٌ) المراد الذِّمي (^٤) فأجمعوا أنَّه إذا ظهر حربيًا أو (^٥) لا يجوز.
الغناء ثلاثةٌ: غناءٌ موجبٌ للزَّكاة، وغناءٌ محرِّمٌ للصَّدقة، وغناءٌ محرِّمٌ للسُّؤال، قيل: هذا إذا كان له خمسون درهمًا وقيل: إذا كان له ما يستر
_________________
(١) أي لا تجزئه ولا تسقط من ذمَّته.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٣) في (أ): "يجز".
(٤) في (أ): "الذي ".
(٥) زاد في (ب): "حربيا".
[ ١ / ٣٨١ ]
عورته (^١) فيملك (^٢) قوته فيحرم السؤال أما لو دفعه بدون السؤال يحل أخذه.
قوله: (ويكره نقل الزَّكاة) عملًا بقوله … (^٣): "خذ من أغنيائهم ". يدلُّ على عدم جواز (^٤) النَّقل؛ لأنَّه أشار إلى الفقراء (^٥) الحاضرين بقوله أغنيائهم [المراد منه الحاضرون] (^٦) وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (^٧) يقتضي جواز النَّقل؛ لأنَّه مطلقٌ (^٨)، فقلنا: إذا كانوا أحوج يجوز النَّقل؛ لقوله (^٩) ﵇: "الصَّدقة على ذوي القربى يضاعف مرَّتين" (^١٠) وروى بهز بن حكيم أنَّه سُئل أي الصَّدقة أفضل قال (^١١): "الصَّدقة على ذوي الرَّحم الكاشح (^١٢) يخفي عداوته " … (^١٣) (^١٤).
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) في (ب)، (خ): "ويملك ".
(٣) زاد في (أ): "تعالى".
(٤) سقطت من (ب)، (خ).
(٥) في (أ): "فقراء".
(٦) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٧) سورة التَّوبة، آية: ٦٠.
(٨) في (أ): "مطلقة".
(٩) في (ب): "بقوله ".
(١٠) لم أجده بهذا اللَّفظ، و: البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب الزَّكاة، باب: الزَّكاة على الزَّوج والأيتام في الحجر، (٢/ ١٢١)، رقم الحديث ١٤٦٦، ونصُّه: عندما سألت زينب عن الصَّدقة هل تُقبل على الأقربين قال - ﷺ -: "نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة".
(١١) سقط من (ب).
(١٢) الكاشح: الذي يخفي عداوته. ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق (مرجع سابق)، (١٨/ ١٤٤).
(١٣) زاد في (أ)، (خ): "والعد".
(١٤) الطَّبراني، المعجم الكبير (مرجع سابق)، كتاب: باب الحاء، باب: أيوب بن بشير عن=
[ ١ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكيم بن حزام، (٣/ ٢٠٢)، رقم الحديث: ٣١٢٦. ونصُّه: قيل: يا رسول الله، أيُّ الصَّدقة أفضل؟ قال: "الصَّدقة على ذي الرَّحم الكاشح ". و: البيهقي، السنن الكبرى (مرجع سابق)، كتاب: قسم الصدقات، باب الرَّجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السَّهمان لما جاء في صلة الرحم وحقِّ الجار، (٧/ ٢٧)، رقم الحديث: ١٣٠٠٢، و: ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة (مرجع سابق)، كتاب: الزَّكاة، باب: فضل الصَّدقة على ذي الرحم الكاشح، (٤/ ٧٨)، رقم الحديث: ٢٣٨٦. وقال الأعظمي: إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٨٣ ]