مناسبة هذا الباب بباب الرهن، وهو أن المراد: إذا ذهب على سنن الشرع يحبس ماله برضاه، [وهو الرهن، أما إذا يجري على سنن الشرع، فيحبس ماله بدون رضاه] (^١) هذا هو المناسبة بينهما في نفس الحبس الحجر المنع، ومنه سمي الحجر حجر الصلابية يمنع الغير عن أن يؤثر فيه، ومنه سمي الحطيم حجرا؛ لأنَّه منع عن البيت، ولهذا لا يجوز التوجه بالحطيم خاصة، وفي عرف الفقهاء: عبارة عن المنع عن التصرفات على وجه، ويقوم الغير مقامه.
قوله: (محجورا)، أي: محجور عليه، فيجوز حذف الصلة، كما يقال: مختلف أي: مختلف فيه، وكما يقال: مأذون، أي: مأذون له، أو المراد من الحجر المنع، والمنع يتعدى بدون الصلة كذلك الحجر؛ لأن الصلة محذوف إذا كان المراد المنع.
قوله: (المجنون المغلوب)، بأن غلب على عقله لا يفيق أصلا لا يجوز تصرفه بمال أي: لا يجوز قبل الأذن وبعده.
قوله: (هؤلاء)، المراد الصبي، والرقيق أطلق لفظ الجمع على الأثنين، وهو جائز كما في قوله: (الأخوة)، المراد: الأخوين.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٧١ ]
قوله: (تصرف الصغير)، المراد: العاقل، أما تصرف غير العاقل لا يجوز بعد الأذن أيضا، ونعني بالعاقل: يعلم أن البيع سالب والشراء جالب، ويعلم أن لا يجتمع الثمن والمثمن في ملك واحد [الصغير] (^١)، والمجنون محجوران لنفسهما، والعبد مجور لحق الغير، وهو المولى.
قوله: (دون الأفعال)، يعني: يؤاخذ بالأفعال، [ولهذا] (^٢) لو أن ابن آدم [إذا] (^٣) انقلب على مال إنسان، فأتلفه يجب الضمان، أو النائم إذا انقلب على مال إنسان يجب الضمان؛ لأن الحجر عن الأفعال لا يتكون أما طلاق النائم لا يقع؛ لأن القول يمكن أن يتحقق الحجر، [أي: لا يتصور] (^٤) فيه بسبب النوم.
قوله: (وإذا أقر بحد لزمه في الحال)؛ لأن العبد مبقي على أصل الحرية، ولهذا لا يقدر المولى منعه عن العبادات المفروضة البدنية، وعند زفر: لا يحد في الحال.
قوله: ([و] (^٥) هذه المعاني الثلاثة)، وفي نسخة: (الثلاث)، يكون المعاني على تأويل الخصال، فالخصلة مؤنثة، فلابد بدون التاء.
قوله: (ويقصده)، أي: ليس بهازل، ولا خاطئ.
قوله: (عبث)، وهو ما يخلوا عن الفائدة، والسفه ما يخلوا منها،
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "الصبي".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٧٢ ]
ويلزم منه المضرة، فيكون السفه أقبح من العبث، كما أن الظلم أقبح من الجهل، فيكون نسبة العبث إلى السفه مثل نسبة الجهل إلى الظلم، ونظير الإسراف بأن استصبح السراج عند شعاع الشمس التبذير مال بإسراف نفقة كردن خمسا وعشرين سنة يكون حدا بأن بلغ في اثني عشر سنة، وتروح وجائت بولد بستة أشهر، ثم يروح ولده ابنه في اثني عشر وجاءت امرأته بولد لستة أشهر، فإذا صار جدا، ولم يؤنس منه الرشد لا يصير رشيدا بعد ذلك، فيدفع إليه ماله.
قوله: (وكان على العبد أن يسعى)، هذا من تفريغ قولهما، أما عل قول أبي حنيفة، [فإنه] (^١) لا يرى الحجر، فلا يتأتى وجوب السعاية على قوله: (وإنما لا يرى)؛ لأن بالحجر التحق بالبهائم، فيكون الحجر أكثر ضررا بمقابلة إتلاف ماله، وإنما يجب السعاية على قولهما؛ لأن العتق إزالة الملك، والإزالة تتلاشى، فلا يمكن النقض، فإيجاب السعاية نقض العتق معنى قوله: (جاز نكاحه)؛ لأن النكاح ثابت من حيث الشرع، ومن حيث الطبع؛ لأن الطبع يميل إليه أما سائر التصرفات الشرعي تناقض [العقلي] (^٢)؛ لأن الشرع يمنع من ارتكاب المعاصي، والطبع يدعوا إليها، فيكون النكاح ثابتا شرعا وعقلا، فيجوز نكاح المحجور، فقيل: يجوز الأربع، وقيل: يجوز تزوج امرأة كل يوم.
قوله: (ولا يسلم القاضي النفقة)؛ لأنَّه يمكن أن يقول: اذهب إلى الحج، ولا يذهب فتلف ماله.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٧٣ ]
قوله: (في القرب وأبواب الخيرات)، أبواب الخيرات أعم من القرب نحو بناء المساجد والقناطير، والقرب وسيلة إلى العبادة، فأبواب الخيرات يتناول العبادة والوسيلة، والعبادة بان يوصي أن يدفع شيئًا لصلاته.
قوله: ([بالاحتلام] (^١»، المراد بالاحتلام: رؤية الماء لا مطلق الاحتلام؛ [لأن الاحتلام بلا ماء لا اعتبار به، وعكسه يعتبر على الاختلاف] (^٢).
قوله: (ثماني عشر سنة)، وفي نسخة: (ثمانية عشر سنة)، مؤنث، وتصح ثمانية على تأويل العام أو الحول، وكلاهما مذكر، وفيما وراء العشرة إذا كان المعدود مذكرا يدخل الثاء في الشطر الأول، ويحذف الثاء في الشطر الثاني، فإذا كان المعدود مؤنثا يدخل الثاء في العشرة، وتحذف الثاء من الشطر الأول، كما يقال: ثلاث عشرة نسوة، وثلاثة عشر رجلا، وفي عشرة يجوز تسكين الشين وتحريكها.
قوله: (فالقول قوله)؛ لأنَّه مما لا يطلع عليه غيره فيقبل.
قوله: (كما في الحائض يقبل قولها في الحيض)؛ لأنَّه لا يطلع عليه غيرها.
قوله: (ذوي أرحامه)، المراد: الرحم المحرم كالعمة، والخالة، والأعمام لأم، فأما الأعمام لأب وام أو لأب عصبة.
قوله: (لا أجر في الدين في هاهنا للسببية، كما يقال في السرقة:
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (خ) "الاختلاف" وكذا ما بعدها.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٧٤ ]
القطع) أي: بسبب السرقة القطع كذلك هاهنا لا أحجر بسبب الدين، فقوله: (لا أحجر)، ليس بجزاء؛ لقوله: إذا وجبت؛ لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط، فلا يكون دليلا على الجزاء أيضا؛ لأن الجزاء ذكر بعد قوله: (إذا وجبت لم أحجره)، وقوله: (لا أحجر)، ذكر كأنه هو أصل باب، فقوله: (إذا وجبت)، ابتداء كلام، فأبو حنيفة - ﵁ - كما لا يرى حجر الحر بسبب السفه لا يرى حجر الحر بسبب الدين.
قوله: (إذا كان دينه دنانير، وكان له دراهم، أو على العكس قضاها القاضي بغير أمره)؛ لأن المجانسة بينهما ثابتة من حيث الثمنية هذا عل قول أبي حنيفة، وهو استحسان، والقياس أن لا يبيع كما في العروض.
قوله: (أفلس)، أي: صار ذا فلس بعد أن كان صاحب الدراهم والدنانير، كما يقال: أجرب الرجل، أي: صار ذا إبل جرباء.
قوله: (ومنعه من البيع)، معناه: إذا باعه بأقل من ثمن المثل، أما إذا باع بثمن المثل لا يمنعه قوله: لزمه ذلك بعد قضاء الديون؛ لأن الدين في حالة الحجر بمنزلة دين الصحة مع دين المرض، فدين الصحة مقدم على دين المرض كذلك الدين في غير حالة الحجر مقد على دين في حالة الحجر.
قوله: (وينفق على المفلس)، أي: ينفق القاضي للمفلس.
قوله: (وذوي أرحامه)، الرحم أقسام ثلاثة رحم الوالدة، وفيه النفقة بالإجماع، ورحم غير محرم كبنت الإعمام، والعمات لا نفقة فيه بالإجماع، ورحم هو محرم كالأخوة، والعمومة، والخؤلة عندنا يجب، وعند الشافعي:
[ ١ / ٥٧٥ ]
لا يجب، وثمرة هذا تظهر في مسألتين، وهو أنه إذا سرق من هؤلاء أو سرق هؤلاء منه لا تقطع عندنا، وعنده تقطع، وإذا شهد هؤلاء له أو شهده هو لهؤلاء لا يقبل عندنا وعنده يقبل قوله: (كالمهر)، المراد: المعجل.
قوله: (لزمه بدلا إذا وجب البدل)، وجد دليل النقل من الفقر إلى العنى فلهذا حبسه.
قوله: (ولم يحبسه فيما سوى ذلك، وفي رواية: المهر والكفالة حكم الدين الواجب في الجناية)، أي: لا يحبس.
قوله: (ثلاثة أشهر أو شهرين)، هذا من قبيل المقادير التي لا تمنع النقصان والزيادة، كما في قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (^١)، أي: لا يعلم كسبه غدا وزيادة على الغد، أو أقل من الغد، فتخصيص الشهرين أو ثلاثة بناء على العادة، فإذا لم يظهر ماله في الثلاثة لا يكون له مال ظاهر، بل الصحيح مفوض إلى رأي القاضي لا يقدر بالثلاثة أو شهرين.
قوله: (أقام البينة أنه لا مال له)، هذه شهادة على النفي، [والشهادة على النفي لا يجوز] (^٢) مع هذا يقبل؛ لأن هذه الشهادة بناء على الدين (^٣)، وهو أنه حبس، فالحبس يدل أنه لا مال له، أما إذا أقام البينة قبل الحبس، فيه روايتان، أما بعد الحبس يقبل رواية واحدة.
قوله: (والفسق الأصلي)، وهو الذي صار فاسقا كما بلغ، وغير
_________________
(١) سورة لقمان، ج ٢١، آية ٣٤.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "الدليل".
[ ١ / ٥٧٦ ]
الأصلي بأن صار فاسق بعد البلوغ الفاسق الذي لا يجتنب الكبائر، ولا يكون حسناته أغلب من سيئاته، فالمعادل على ضدها، وبضدها تبين الأشياء.
قوله: (خلى سبيله)، أن لا يدخل رب الدين مع غريمه، ولا يجلس عند باب داره إذا دخل الغريم بيت نفسه.
قوله: (فلّسه) أي: حكم القاضي بإفلاسه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ (^١) دليل على عدم جواز الحجر؛ لأن عدم قبول الشهادة أضر من الحجر، فلو كان الحجر جائزا ذكر في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ (^٢).
قوله: (فصاحب المتاع)، سمي صاحب المتاع باعتبار ما كان، والأحقية صاحب المتاع المشتري.
قوله: (أسوة)، اسم أنسي، أي: اقتدي به.
_________________
(١) سورة النور، ج ١٨، آية ٤.
(٢) سورة النور، ج ١٨، آية ٤.
[ ١ / ٥٧٧ ]