مناسبة هذا الباب بالأبواب المذكورة، ففي جميع الأبواب مبادلة، ففي الرهن أيضا تتحقق المبادلة عند الهلاك الرهن خروج من العموم إلى الخصوص، ففي اللغة: الرهن معناه مطلق الحبس، ثم صار في الشريعة: عبارة عن حبس مال بحق يمكن استيفاءه من الرهن، ولهذا رهن الجزء لا يجوز، والرهن في القصاص لا يجوز؛ لأنَّه لا يمكن استيفاء القصاص من الرهن والقبض شرط عندنا، ودوام القبض أيضا شرط، فعند مالك (^١) القبض ليس بشرط، والقبض يحصل بالتخلية، فلا يحتاج إلى القبض بالبراجم، أما في الصرف فقبض رأس المال بالبراجم شرط؛ لأن يتيعن، فإن لم يقبض بالبراجم لا يتعين؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان، وعند الشافعي حكم الرهن بعينه للبيع، ويكون أمانة حتى لو هلك الرهن لا يسقط الدين عنده.
قوله (محوزا)، الحوز: الجمع احترازا عن رهن التمر على رؤس النخل.
قوله: (مفرغا)، احتراز عن رهن الأرض بدون الزرع، وعن رهن دار فيها متاع الراهن.
_________________
(١) يرى المالكية أن القبض شرط في صحته واستدامته وليس بشرط في انعقاده، ينظر: أبو محمد، عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، تح: أبي أويس محمد بو خبزة الحسني التطواني، ط: دار الكتب العلمية، (٢/ ١٦٣).
[ ١ / ٥٦٣ ]
قوله: (مميزا)، احترازا عن رهن المشاع الذي يقبل القسمة، أو لا يقبل القسمة، والرهن من الشريك، أو من الأجنبي لا يفاوت.
قوله: (دخل في ضمانه)، أي: عندنا ولا يدخل في ضمانه عند الشافعي، فأن الرهن أمانة عنده.
قوله: (إلا بدين مضمون من ضمن الشيء، وضمنه إذا تحت كشحه)، أي: ثقله عليه بقوله: مضمون احترازا عن الرهن ببدل الكتابة، وإرش الجناية، فإنهما ليستا بمضمونتين؛ لأن الدين المضمون عبارة عن دين لا يسقط إلا بالإبراء أو بالإداء، وبدل الكتابة يسقط بدونهما بأن عجز المكتاب، وكذلك أرش الجناية يسقط بدونهما بأن اندملت الجراحة، وعند شريح الرهن مضمون بالدين، وعند زفر الرهن مضمون بجميع القيمة، وعندنا مضمون بالأقل من قيمته، ومن الدين حتى إذا كانت قيمة عشرة والدين تسعة، فهلك الرهن، فيكون مستوفيا التسعة، ولا يأخذ الراهن درهما من المرتهن؛ [لأنَّه أمتن في الزيادة] (^١)، وعند زفر يأخذ الراهن من المرتهن درهما، فلو كان أكثر من القيمة، فعند شريح يسقط كل الدين، وعندنا مضمون بقدر القيمة، ويأخذ الزائد على القيمة [من الراهن] (^٢).
قوله: (بالأقل)، والصحيح مع الألف واللام، وبدون الألف واللام لا يصح؛ لأنَّه لو قيل: بدون الألف واللام يكون المفضل غير الدين والقيمة؛ لأن أفعل التفضيل إذا كان نكره يكون مع كلمة من لا محالة، وإذا
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٦٤ ]
كان مع الألف واللام يكون من البيان، فيكون المفضل القيمة والدين، فأم إذا كان بدون الألف واللام يكون المفضل عليه، فيكون المفضل ثالثهما، والحكم ليس كذلك بأن كان قيمة الرهن تسعة، والدين عشرة يكون مضمونا بالثمانية على ذلك التقدير، وذكر قاضي خان، وذكر أيضا في المبسوط أن الرهن بدل الكتابة صحيح، وإن لم يجز الكفالة به فعلى هذه الرواية يكون قوله: (بدين مضمون)، صفة مقررة لا أنه مذكرو بشرط زايد؛ لأن في كل دين سواء كان بدل الكتابة، أو غيره فيه نوع ضمان، فيصح الرهن في الكل.
قوله: (فإذا هلك في يد المرتهن)، هذه هذه الفاء للتفسير، كما في قوله ﴿وَامْسَحُوا﴾ (^١)؛ لأن التيمم مجمل فكذلك ألفا في قوله: (فإن أصابته)، تفسير وحرف كناية؛ لأنَّه قال مضمون بالأقل من قيمته ثم يفسر، ويقول: فإن كانت القيمة مثل الدين، أو أقل، أو أكثر.
قوله: (دونهما)، دليل أن الزرع موجود، والثمرة موجودة على النخل لا المراد الأرض [الخالية، أو النخل الخالي بدون التمر، بل المراد رهن الأرض دون الزرع في الأرض] (^٢)، أو رهن النخل دون التمر الذي على النخل.
قوله (ويصح برأس مال السلم)، المراد من قوله: (يصح)، إذا لم يوجد المفارقة من المجلس حتى لو رهن بعد المفارقة يبطل السلم والصرف؛
_________________
(١) سورة المائدة، ج ٦، آية ٦.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٦٥ ]
لأن قبض رأس المال، وبدل الصرف شرط، فلو افرقا لا عن قبض يبطل، أما إذا لم يفترقا صح الرهن للتوثيق؛ لأن الرهن توثيق الجانب الوجوب، والكفالة توثيق الجانب الاستيفاء.
قوله: (فإن هلك في مجلس العقد ثم الصرف والسلم)، إذا كان الرهن رأس المال، ولبدل الصرف في المجلس أم إذا هلك الرهن بعد الافتراق عن المجلس لا يصح عقد الصرف والسلم؛ لأن قبض، بل الصرف ورأس المال شرط، أما إذا كان الرهن للمسلم فيه، فلو هلك الرهن في المجلس، أو خارج المجلس صح السلم، فيكون المسلم إليه مستوفيا رأس المال؛ لأن قبض المسلم فيه في المجلس ليس بشرط.
قوله: (ومن له دين على آخر)، إلى آخره مناسبة هذه المسألة على قول أبي حنيفة، فظاهر؛ لأنَّه إذا اتفق مكان الجياد كأنه استوفى الجياد من الزيوف، فيكون الرهن، وعندهما يرد مثل الزيوف، فصار كأن الزيوف رهن حتى يستوفي الجياد، فصار مثل الرهن ذكر في "الجامع الكبير" في أول كتاب الوكالة هذه المسألة، وذكر في "الجامع الصغير" أيضا وقرن قول محمد مع قول أبي حنيفة، وهاهنا قرن قول محمد مع قول أبي يوسف -﵀-، ويكون المذكور في القدوري مخالف لرواية الجامعين.
قوله: (فإن شرطت الوكالة)، بأن وكل الراهن المرتهن، أو غيره ببيع الرهن يصح، فيكون لازمة وإن كانت الوكالة من العقود الجائزة؛ لأن الشيء إذا ثبت في ضمن شيء تراعى شرائط المتضمن لا شرائط المتضمن، والرهن عقد لازم، فيكون الوكالة لازمة؛ لأنَّه وقع في ضمن عقد لازم،
[ ١ / ٥٦٦ ]
فيوصف بصفته كالسلطان إذا كان في البلد، والجندي في المغارة يصير الجندي مقيما بإقامة السلطان، وإن كانت المغارة ليست موضع الإقامة، وإن كان السلطان في المغارة، والجندي في البلد لا يصير الجندي مقيما، وإن كان البلد موضع الإقامة.
قوله: (وإذا باع الراهن الرهن فالبيع موقوف)؛ لتعلق حق المرتهن، كما لو وصى المريض جميع التركة يتوقف؛ لتعلق حق الورثة، أما إذا أعتق ينفذ العتق، ويبطل الرهن؛ لأن التسليم يحتاج في البيع لا في العتق، ولهذا إذا أعتق العبد الآبق يصح، فالعجز عن التسليم مانع في البيع دون العتق.
قوله: (فإن كان الدين حالا طولب)، إذا كان موسرا، فاليسار شرط للطلب؛ لأنَّه ذكر بعيد هذا إن معسرا استسعى العبد، أما السعاية تفصيل يعتبر قيمة الرهن، أو قيمته، أو قيمة يوم العتاق، أم يعتبر الدين قائما أقل يستسعي، ويرجع العبد على الراهن إذا أيسر، ويرجع المرتهن أيضا إذا كان الدين أكثر من قيمة العبد بباقي الدين؛ لأن العبد استسعى قد قيمته.
قوله: (وكذلك إن استهلك)، عطف على قوله: (أخذ من قيمة العبد فجعلت [رهنا] (^١».
قوله: (يسقط من دينه بقدرها)، يضمن الزائد على الدين.
قوله: (وأجرة البيت الذي يحفظ [فيه] (^٢)، الرهن على المرتهن)، فالحاصل: أن كل شيء هو سبب إلى بقاء الجنس يجب على المرتهن
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٦٧ ]
كأجرة البيت الذي يحفظ الرهن فيه ولمداواة الجراح، وكل شيء هو سبب إلى بقاء ذات الرهن يجب على الراهن كأجرة الراعي، ونفقة الرهن.
قوله: (ونماؤه للراهن فيكون رهنا)، إنما يكون النماء رهنا إذا كان متولدا من الرهن، أما إذا لم يكن متولدا لا يكون رهنا كالكسب الذي اكتسب الرهن، أو وهب العبد المرهون، أو الأرش بأن جني على العبد المرهون، بل يكون للراهن، فالزيادة التي يكون رهنا إذا هلك هلك بغير شيء، أما لو أفتكها بحصتها، كما إذا كان الدين عشرة، فقيمة الزيادة يوم الفكاك خمسة، وقيمة الأصل عشرة، فهلك الأصل يفتك الزيادة بثلث العشرة، وهو ثلاث دنانير، وثلث دينار، أو نقول: قيمة الزيادة يوم الفكاك عشرون، وقيمة الأصل عشرة، والدين عشرة، فهلك الأصل يفتك الزيادة بثلثي العشرة، وهو وهو ستة وثلاثون [درهم] (^١).
قوله (هدر)، على قول أبي حنيفة أما على الراهن؛ لأنَّه مالك، وأما على المرتهن؛ لأنَّه في يده صار كأنه مولاه، وعندهما ليس بهدر الخلاف في جناية الرهن على المرتهن، أما على الراهن جنايته، فهدر بالاتفاق.
قوله: (يوم القبض)، المراد يوم العقد؛ لأن عقد لا يصح بدون القبض، فيكون يوم القبض يوم العقد، والفرق بين هلاك الزيادة وافتكاهكها إن بالهلاك لا يقابلهما شيء من الدين أما بالافتكاك يقابهما؛ لأنَّه بالانفكاك يكون الزيادة مقصودة، فيقابها شيء أما إذا هلك لا يكون داخلا تحت العقد، فلا يكون مقصودا، فلا يقابلها شيء.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٦٨ ]
قوله: (ولا يجوز الزيادة في الدين)؛ لأن الزيادة يكون في الشيء الذي ثبت بالعقد، فالدين سابق على [العقد] (^١)، أو ثبت مقارنا بالعقد، فلا يكون ثابتا بالعقد، ولهذا إذا بطل الرهن بسبب من الأسباب لا يبطل الدين أما الثمن لو بطل يبطل العقد بأن باع الخمر بالدم، وعند أبي يوسف يجوز الزيادة في الدين، كما تجوز في الرهن كالبيع يجوز الزيادة في الثمن والمثمن.
قوله: (شيء لعينه)، حتى إذا كان غير معين لا يجوز قياسا واستحسان؛ لأنَّه شرط لا يقتضيه العقد، فيبطل بقوله: نهى عن بيع، وشرط أما إذا كان ذلك الشيء معينا لا يجوز قياسا، ويجوز استحسانا؛ لأنَّه يؤكد جانب الوجوب فقوله: (لم يجبر)، وعند زفر يجبر.
قوله: (بها)، أي: بالزيادة، وفي نسخة بهما مكان بها، أي: بالمزيد، والمزيد عليه.
قوله: (في عياله)، حتى إذا لم يكن العبد في عياله بأن أكل من دار نفسه، ولم يأكل من دار مولاه، فدفع إلى هذا العبد ضمن؛ لأن هذا بمنزلة الوديعة، والمودع لا يملك الوديعة، فأما إذا كان في عياله فالدفع إليه كالدفع إلى نفسه، فلا يضمن بالدفع إلى العيال.
قوله: (وإن تعدى المرتهن)، فإن قيل: قد مر هذه المسألة قبيل هذا، وهو قوله: (وجناية المرتهن على الرهن يسقط من دينه بقدرها، ويضمن
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ١ / ٥٦٩ ]
فضل الدين)، قلنا: الذي مر جناية من المرتهن على الرهن بأن قطع أصبعه، أو قطع يده، أما هاهنا تعدى المرتهن الرهن بأن أتلف كل الرهن، فيكون جناية عل النفس، والذي مر جناية على الطرف، فلا يؤدي إلى التكرار.
[ ١ / ٥٧٠ ]