[الزَّكاة في اللُّغة: النَّماء، وفي الشَّريعة عبارةٌ: إخراج جزءٍ من المال، وذلك ليس بزيادةٍ إلَّا أنَّه لمَّا حصل به النَّماء في الثَّواب سُمِّي بذلك، فالاسم شرعيٌّ فيه معنى اللُّغة.
الأصل في وجوب الزكاة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١) وقوله ﵇: "بُنِيَ الإسلام على خمسٍ" (^٢) وذكر فيه إيتاء الزَّكاة] (^٣).
و(^٤) مناسبة هذا الباب بباب قبله؛ لأنَّ المشروعات أربعةٌ: عبادات، ومعاملات، وعقوبات (^٥)، وكفّارات، فالعبادات ثلاثة أنواعٍ: نوعٌ مالي محضٌ كالزَّكاة، ونوعٌ بدنيٌّ محضٌ الصَّلاة، ونوع مركب (^٦) المالي والبدني وهو الحجُّ.
فالعبادة تناسب (^٧) العبادة، فينبغي أن يكون باب الصَّوم بعد باب
_________________
(١) سورة البقرة آية ٤٣.
(٢) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب الإيمان، باب قول النَّبي - ﷺ -: بني الإسلام على خمس، (١/ ١١)، رقم الحديث: ٨.
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (ب): "وعقوبة".
(٦) زاد في (ب): "من".
(٧) في (أ)، (خ): "يناسب".
[ ١ / ٣٣٣ ]
الصَّلاة؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ بدنيَّة، إلَّا أنَّه اتبع القرآن بقوله تعالى: ﴿وَ(^١) أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٢). والزَّكاة (^٣) بعد الصَّلاة، ولقوله (^٤) ﵇: "بُنِيَ الإسلام على خمسة: شهادة أن لا إله إلَّا الله، [وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله] (^٥)، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة" (^٦).
قوله: (الزَّكاة واجبةٌ): أي فريضة، إنَّما قال: واجبةٌ؛ لأنَّ تقدير الزَّكاة عُلم بفعل النَّبي ﵇، لا يقال: الاعتبار [للمعتَبر لا للمعبِّر] (^٧) كما في قوله: مسح على ناصيته وخفَّية (^٨)، قلنا: التَّقدير ليس بفرضٍ أيضًا، فيكون المراد من المفروض (^٩) أيُ لغةٍ، بل الفرض بعض الرَّأس، وقد يكون الاعتبار للتفسير (^١٠) أيضًا كما في قوله طلِّقي فاختاري، فقالت: طلقت يقع الطَّلاق بائنًا لا رجعيًا.
فقوله: (الزَّكاة واجبةٌ): أي (^١١) الفعل واجبٌ؛ لأنَّ الفرض يكون في الأفعال لا في الأعيان، أمَّا في قوله: آتوا (^١٢)، العين واجبةٌ: أي الفعل
_________________
(١) سقط في (أ).
(٢) سورة البقرة، آية: ٤٣.
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب): "وبقوله".
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(٦) سبق تخريجه في حديث بني الإسلام على خمس.
(٧) في (ب)، (خ): "للمفسر لا للمفسر".
(٨) سقط من (ب).
(٩) في (ب): "الفروض".
(١٠) في (ب): "للتغيير".
(١١) سقط في (أ).
(١٢) في (أ): "اتق".
[ ١ / ٣٣٤ ]
واجبٌ، فلو لم يكن الإيتاء واجبًا يختلُّ (^١) فيه (^٢) الكلام، تقديره: آتوا الإيتاء (^٣)، وهذا ليس بكلامٍ، أمَّا هنا الوجوب صفة الفعل فيجب الفعل.
قوله: (ملكًا تامًا) (^٤) [وإنَّما تمام الملك ولأن كل موضع اعتبر أصل الملك اعتبر تمامه كما في العتق وأمَّا حولان الحول لقوله ﵇: "لا زكاة في مالٍ حتى تحول عليه الحول" (^٥)] (^٦) حتى لا يجب على المكاتب، [والمكاتب عبدٌ؛ لقوله ﵇: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ واحدٌ" (^٧)، وعلى المديون] (^٨).
_________________
(١) في (أ)، (ب)، (خ): "يحتل".
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (أ): "الإتيان".
(٤) قال الماتن: "الزكاة واجبةٌ على الحرِّ المسلم البالغ العاقل، إذا ملك نصابًا ملكًا تامًا وحال عليه الحول".
(٥) ابن ماجه، السنن (مرجع سابق)، كتاب الزكاة، باب من استفاد مالا، (١/ ٥٧١)، رقم الحديث: ١٧٩٢. و: الدارقطني، السنن (مرجع سابق)، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة بالحول، (٢/ ٤٦٩)، رقم الحديث: ١٨٨٩.
(٦) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٧) أبو داود، السنن، (مرجع سابق)، كتاب العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت، (٢٠١٤)، رقم الحديث: ٣٩٢٦. و: ابن ماجه، السنن (مرجع سابق)، كتاب العتق، باب المكاتب، (٢/ ٨٤٢)، رقم الحديث: ٢٥١٩. و: التِّرمذي، السنن (مرجع سابق)، كتاب أبواب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي، (٣/ ٥٥٣)، رقم الحديث: ١٢٦٠. وقال التِّرمذي: هذا حديثٌ غريبٌ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي - ﷺ - وغيرهم: أنَّ المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيءٌ من كتابته، وقد روى الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب نحوه. وقال التبريزي في مشكاة المصابيح (٢/ ١٠١٥): حسن.
(٨) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (خ).
[ ١ / ٣٣٥ ]
فإن المكاتب لا يقدر على الهبة، فلا يكون الملك تامًا؛ لأنَّ الملك المطلق هو المطلق الحاجز، وفي المكاتب لا يوجد الإطلاق، وفي المديون لا يوجد الحجز بل يتمكَّن الدَّائن من أخذه متى شاء، فلا يكون حاجزًا لغير (^١) وفي بدل الخلع قبل القبض أيضًا الملك (^٢) ليس بتام.
قوله: (الحر المسلم (^٣» [أمَّا الحريَّة فلأنَّ العبد لا يملك شيئًا؛ قال الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (^٤) فصار كالفقير و] (^٥)، الحريَّة شرط ولهذا قال: (ليس في مال المكاتب شيءٌ حتَّى يُعتَق) (^٦)، والإسلام شرطٌ؛ لأنَّها عبادةٌ فالعبادة لا تجب (^٧) إلَّا على مسلمٍ.
وحدُّ العبادة (^٨): وهو نوع فعلٍ ابتُليَ الآدميُّ بفعله، تعظيمًا لله تعالى، [مختارًا لطاعته] (^٩)، على خلاف هوى نفسه.
_________________
(١) في (ب): "الغير".
(٢) في (أ): "للملك".
(٣) سقط في (أ)، (خ).
(٤) سورة النَّحل، من الآية: ٧٥.
(٥) سقط من (ب).
(٦) سبق وأن بينَّا صعوبة التَّأليف في عصر المؤلِّف، وأنَّه في غالب الأحيان يكون اعتماده على حفظه؛ لصعوبة توفِّر المراجع، وعليه يكون نقله للمتن في بعض الأحيان بالمعنى وليس نقلًا حرفيًا، فعبارة الماتن هي: "ليس على صبي ولا مجنون وال مكاتب زكاة".
(٧) في (أ)، (خ): "يجب".
(٨) عرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بقوله: العبادة هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظَّاهرة. ينظر: ابن تيمية، أبو العبَّاس، تقي الدِّين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، مجموع الفتاوى، (ت: ٧٢٨ هـ)، تح: أنور الباز - عامر الجزار، ط: دار الوفاء، (١٠/ ١٤٩).
(٩) في (أ): "مختار الطاعة".
[ ١ / ٣٣٦ ]
وبدليل أنَّ رسول الله ﵇ كتب إلى أبي بكرٍ الصديق -﵁- فقال في مكتوبه: "هذه فريضة الصَّدقة التي افترضها (^١) الله تعالى على المسلمين" (^٢).
الزَّكاة مشتقةٌ (^٣) من الزِّيادة، يقال: زكى الزَّرع، إذا نما، أو من الطَّهارة يقال تزكى وتطهر (^٤).
قوله: (النِّصاب (^٥»: أي مُلك النِّصاب سببٌ (^٦)؛ لأنَّ النِّصاب عينٌ، ولا يقال: وليس على صبي ولا مجنون لا يحتاج إليهما؛ لأنَّه ذكر قبلهما (^٧) البالغ العاقل، فيُفهَم منهما أنَّه لا زكاة على الصَّبي والمجنون، قلنا: نعم يفهم لكن (^٨) ذكره للإيضاح (^٩)، وفي الأمر المبهم يتعرض للجانبين كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ (^١٠).
قوله: (يحيط (^١١» (^١٢) بماله، [ولا زكاة عليه وإن كان ماله أكثر من
_________________
(١) في (أ): "افترض".
(٢) البخاري، صحيح البخاري (مرجع سابق)، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، (٢/ ١١٨)، رقم الحديث: ١٤٥٤.
(٣) في (ب): "مشتق".
(٤) قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. [سورة الشَّمس، آية ٩]. أي قد أفلح من طهَّر نفسه من الشِّرك والشَّهوات.
(٥) هكذا كتبت في النسخ، وفي المتن "نصابا".
(٦) زاد في (خ): "لأن النصاب".
(٧) في (خ): "قبيلهما".
(٨) في (خ): "لكنا".
(٩) في (ب): "الإيضاح".
(١٠) سورة البقرة، آية ٢٢٢.
(١١) في (أ): "كمحيط".
(١٢) قال الماتن: "من كان عليه دينٌ يحيط فلا زكاة عليه".
[ ١ / ٣٣٧ ]
الدَّين زكَّى الفاضل إذا بلغ نصابًا، لما روي عن عثمان أنَّه قال في خطبته: "اعلموا من السُّنة شهرًا تؤدُّون فيه زكاة أموالكم، ومن كان عليه دينٌ فليؤدِّه ثمَّ يزكِّي ما بقي" (^١).
لأنَّ ما عليه مثل ما له، فصار كمن لا مال له، ولهذا تحلُّ الصَّدقة مع توصُّله إلى ماله، والفاضل من الدَّين مالٌ ليس على شرف والانتزاع من يديه من غير قُصَّادٍ، ولا … (^٢) فصار كغير المديون، إذا كان واجب عنده نصًا] (^٣).
فإن قيل: الإحاطة ليست (^٤) بشرطٍ ولهذا (^٥) لو كان عليه دين لا يحيط [لا يجب عليه (^٦)] (^٧) أيضًا، وهو ما إذا كان له أربعون دينارًا وعليه إحدى وعشرون دينًا (^٨)، لا يجب عليه الزَّكاة وإن لم يكن محيطًا، قلنا: لما لم ينعقد الباقي نصابًا؟ كأنَّه معدومٌ فالمراد من (^٩) قوله: (يحيط) بأن لو رفع
_________________
(١) البيهقي، السنن (مرجع سابق)، كتاب جماع أبواب صدقة الورق، باب الدين مع الصدقة، (٤/ ٢٤٩)، رقم الحديث: ٧٦٠٦. ونصُّه: عَنِ السّائب بن يزيد، أن عثمان بن عفان -﵁- كان يقول: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة".
(٢) زاد في (أ)، (ب)، (خ): "رضا".
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٤) في (خ): "ليس".
(٥) في (أ): "وهذا".
(٦) سقط من (ب).
(٧) ما بين المعكوفتين سقط من (خ).
(٨) في (ب): "دينارًا".
(٩) في (أ): "منه".
[ ١ / ٣٣٨ ]
مقدار الدائن لا يبقى الباقي نصابًا.
قوله: (وثياب البذلة (^١» (^٢) والمهنة: ثوبٌ يلبس كلَّ يومٍ، وأمَّا الذي لا يلبس كل يومٍ لا يسمى ثياب البذلة والمهنة، بل يسمَّى ثياب الجمال.
وبفتح (^٣) الميم وكسرها لغةٌ كأن (^٤) يكون للتجمُّل (^٥)، أو يُلبَسُ في الأعياد والمواسم، وهذه الثِّياب لا يصلح سببًا للزَّكاة، أمَّا يصلح لحرمان الصَّدقة، ووجوب الأضحية، وصدقة الفطر، وعلى هذا كتب الفقه: لو كان كثيرًا يصلح لحرمان (^٦) [الصدقة، و] (^٧) وجوب صدقة الفطر والأضحية، إن (^٨) كان (^٩) قيمه هذه الثياب والكتب مقدار النِّصاب.
قوله: (سقط فرضها) (^١٠)؛ [لأنَّ ملكه زال عن جميع المال إلى الفقراء، فلم يكن متعديًا فيه فلم يضمن، كما لو هلك] (^١١) أي سقط استحسانًا
_________________
(١) هكذا كتبت في النسخ، وفي بعض نسخ المتن "ثياب البدن".
(٢) قال الماتن: "ليس في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنازل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة".
(٣) في (أ): "فتح".
(٤) في (ب)، (خ): "بأن".
(٥) في (أ): "التجمل".
(٦) في (ب): "للحرمان".
(٧) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٨) في (ب): "وإن".
(٩) هكذا كتبت في النسخ، والأصح أن يقول: "كانت".
(١٠) قال الماتن: "من تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة سقط فرضها عنه".
(١١) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
[ ١ / ٣٣٩ ]
لوجود أصل النِّيَّة، كما في رمضان [فإن مطلق] (^١) النِّيَّة كافٍ (^٢) عندنا خلافًا للشافعي (^٣).
قوله: (إلَّا بنية) (^٤)، [إمَّا اعتبار النِّيَّة؛ فلأنَّ هذه عبادةٌ مقصودةٌ كالصَّلاة، وإنَّما يجوز له النِّيَّة عند العزل؛ لأنَّ اعتبار النِّيَّة عند كل دفع مع التَّفريق مشتقَّةٌ] (^٥).
لأنَّ العبادة (^٦)، إنَّما تمتاز من العبادة بالنِّيَّة، فيشترط (^٧) النِّيَّة، أمَّا إذا نوى وقت العزل وهو كافٍ فالانشغال (^٨) بالعمل بعده لا يضرُّ؛ لأنَّ العمل غير منافٍ للزَّكاة بخلاف الصَّلاة، أمَّا العمل مناف للصَّلاة بعد النِّيَّة؛ لأنَّ الصَّلاة تبطل بالعمل أمَّا الزَّكاة لا تبطل بالعمل؛ لأنَّ أداء (^٩) الزَّكاة حال العمل، فلم يكن العمل منافيًا لنيَّة الزَّكاة [بخلاف الصَّلاة] (^١٠).
_________________
(١) في (ب)، (خ): "يؤدي بمطلق".
(٢) في (أ): "كان".
(٣) عند الشَّافعية يجب عقد النِّيَّة في كلِّ ليلةٍ من ليالي رمضان لأن كل يوم عبادةٌ مستقلَّةٌ تحتاج لنيةٍ مستقلةٍ، وهذا خلاف للحنفية لأنَّهم قالوا بجواز النيَّة الواحدة عن الشهر كاملًا. الماوردي، الإقناع في الفقه الشافعي، (مرجع سابق)، (١/ ٥٥).
(٤) قال الماتن: "لا يجوز أداء الزكاة إلا بينة مقارنة للأداء أو مقارنة لعزل مقدار الواجب".
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
(٦) في (ب): "العبارة"، وفي (خ): "العادة". وبالنمة تمتاز العبادة من العبادة، كالزَّكاة من مطلق الصدَّقات، وتمتاز أيضًا العبادات عن العادات بالنِّية، كما لو صام قربة لله بين الصيام حميةً.
(٧) هكذا كتبت في النسخ، والأصح أن يقول: "فتشترط ".
(٨) في (أ): " فالاستعمال". وفي (ب): "بالاشتغال". وفي (خ): "الإشتغال".
(٩) سقط في (أ).
(١٠) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، (خ).
[ ١ / ٣٤٠ ]