مناسبة هذا الباب بباب قبله، وهو أن في تلك الأبواب بيع العين بالعين، وهو بيع المقايضة، وبين العين بالدين، وهو بيع البات، وبيع الدين بالعين، وهو السلم، وبيع الدين بالدين، وهو الصرف، فيكون بيع الصرف مناسب للسلم من حيث أنهما بيع الدين، والصرف النقل بما فيه نقل من يد إلى يد، وقيل: الصرف الفصل، أي: بيع لأجل الفضل، ولهذا سمي الشخص الذي يعرف الجودة صرافا، وصيرفا، وصيوفا، والقبض في الصرف شرط المراد من القبض القبض بالبراجم جمع برجمة بعقد انكشت، وعقد الصرف اختص بثلاث خصال عدمت تلك في سائر البيوع اشتراط القبض بالبراجم، ولا يجوز التأجيل فيه، ولا يجوز شرط الخيار فيه؛ لأنهما متفوتان هؤلاء في حق القبض.
قوله: التبر زرساو، والمصنوع، والمضروب واحد، والمخلوط، والمنفرد أيضا سواء في اشتراط القبض، ولهذا لو اشترى سيفا محلي بمائة درهم، وحليته خمسون، فقال: هذا منهما يقع عن الحلية؛ لأنَّه لو لم يقع عن الحلية يبطل الصرف، ويكون المراد من قوله: (منهما من الحلية)، وهذا له نظير في كلام اللّه تعالى بأن قال اللّه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (^١)، واللؤلؤ والمرجان يخرجان من المالح لا من العذب، والمالح
_________________
(١) سورة الرحمن، ج ٢٧، آية ٢٢.
[ ١ / ٥٥٩ ]
والعذب اسما بحر، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (^١) المراد: الأنس والجن، فبالاتفاق الرسل، والأنبياء من الأنس لا من الجن، ومع ذلك أضاف إلى النوعين، وقول النبي ﵇ لمالك ابن حويرث، وابن عم له: "إذا كنتما في سفر فأذنا"، فلأذان حالة الإجماع والانفراد يكون من الواحد لا من الأثنين، ومع ذلك قال: فأذنا أما إذا قال: خذ هذه من السيف يبطل العقد، ولا يقع من الحلية؛ لأنَّه صرح، ولا نظير في الشرع بأنه يقع عن الغير إذا صرح بغيره، ولا يكون تبع للسيف؛ لعدم المجانسة، ولرجحان المحرم على المبيح إذا اجتمعا.
قوله: (قبل الافتراق)، المراد: الافتراق بالبدن، ولا ينصرف بالافتراق في الكلام بأن شرع في كلام آخر، أما في البيع يتبدل المجلس بالدخول في كلام آخر، ولا يتفاوت أيضا في اشتراط القبض بأن كان مالكا، أو نائبا كالوصي والوكيل.
قوله: (بطل)، فائدة بطل حتى لو قبض لا ينقلب جائزا، أما في الفاسد ينقلب بالقبض جائزا.
[قوله: (وإن اختلف في الجودة)، لا يعتبر أما إذا اختلفا ذاتا، وهو الاختلاف في النوع كالدراهم مع الدنانير يجوز التفاضل] (^٢).
وقوله: (بطل العقد)، يدل أن القبض شرط بقاء العقد لا صحة العقد، وبطلانه لابد من وجود العقد، وإنما بطل بدون القبض؛ لأن كل واحد من البدليين بدل ومبدل، فمن حيث أنه مبدل يبطل؛ لأن فوات
_________________
(١) سورة الأنعام، ج ٨، آية ١٣٠.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (خ).
[ ١ / ٥٦٠ ]
المبيع يوجب انفساخ العقد.
قوله: (ومن باع أحد عشر درهما)، إنما ذكر هذه المسألة بعد قوله: (ويجوز بيع درهمين)، وإن كان صرف الجنس، أي: خلاف الجنس قد علم في قوله: (ويجوز بيع درهمين)، لآجل أن الصرف إلى خلاف الجنس لا يتفاوت في الجمع، أو أو جزء واحد، ففي بيع الدرهمين صرف الجنس إلى خلاف الجنس في جميع الثمن والمثمن، وفي هذا الصرف في بعض الثمن، والمثمن.
قوله: (بدرهم غلة)، قيل: الغلة هي الدرهم المكسور، وقيل: الدراهم التي تروج في الأسواق، ويرده بيت المال.
قوله: (مشترك بينهما إلا إذا افترق فلا خيار)؛ لأن الافتراق يثبت باختيارهما أما إذا استحق كان المشتري بالخيار؛ لأن الاستحقاق ثبت بدون اختياره، فثبت له الخيار.
قوله: (قطعة نقرة فاستحق)، بعضها فلا خيار أما في بعض الإناء إذا استحق له الخيار؛ لأن الإناء إذا استحق بعضه لا يبقى إناء، ولا ينتفع به انتفاع الإناء أم إذا استحق بعض النقرة لا يضره بالنقرة، ولا ينتقص ثمنه، فلا يثبت له الخيار.
قوله: (متفاصلا)، حال من البيع لا صفة الدراهم؛ إذ لو كانت صفتها؛ لقيل متفاضلة.
قوله: (وترك الناس المعاملة)، هذا عطف التفسير، أي: تفسير أن المراد من الكساد ترك العمل، وعطف التفسير جائز، كما قيل إليه الوجه والعمل، فالمراد من الوجه العمل؛ لأن العمل عطف تفسير، والكساد عند أبي حنيفة
[ ١ / ٥٦١ ]
-﵀- بمنزلة الهلاك، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب انفساخ العقد كذلك الكساد عنده، وعندهما بمنزلة العيب؛ لأن العين باقية تكون نوع من الانتفاع باقيا، فإذا كان بمنزلة العيب، والعيب لا يوجب انفساخ العقد.
قوله: (أخر ما يتعامل الناس بهما)، وإنما يعتبر الآخر قياسا، كما إذا غضب المثلي فانقطع المثل عن أيدي الناس يعتبر الآخر.
قوله: (لم يجز البيع بها)، أي: بالدراهم المغشوشة، والدنانير المغشوشة.
[قوله: (عليه قيمتها)، أي: قيمة الدراهم المغشوشة، والدنانير المغشوشة] (^١) لا قيمة السلعة.
قوله: (ومن أعطى الصيرفي …) إلى آخره، قال: لو بين بعد ما دفع الدراهم، [وقال] (^٢) ادفع بنصف درهم فلوسا، وبنصفه نصف درهم إلا حبة فسد البيع، أما إذا لم يبين حصة كل نصف بأن دفع درهما إلى صراف، وقال: أعطني نصف درهم فلوسا، وادفع لي نصف درهم إلا حبة بهذا الذي أعطيتك يجوز بحيث قابل الفلوس، ونصف درهم إلا حبة بدرهم، فيكون نصف درهم إلا حبة يقابل نصف درهم إلا حبة ونصف درهم مع حبة يقابل الفلوس، وتفرقة هاتين الصورتين بكلمة الفارسية بأن قال: (نيم را فلوس ده ونيم راكم حبة نيمة درهم بده فاشد باشذ أما أكركويذ بعد أزانك صراف رادرم داذ وكفت نيم درم فلوس ونيم درم كم حبة بان درهم تراداذم بده اين جائز باشذ جناتك كنته) (^٣)، أم بعربي.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٣) ألفاظ فارسية.
[ ١ / ٥٦٢ ]