قوله: (الطَّهارات) (^١) جمعٌ بالمصدر، وهو اسمٌ يقبل الجمع (^٢)، وإن كان المصدر لا يثنَّى (^٣) ولا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسم جنس، وهو لا يقبل التَّعدُّد، ففي الجمع التَّعدد إلَّا أنَّه جمعٌ، باعتبار النوع، ويصحُّ الجمع في المصدر إذا أريد به النَّوع، كما يقال: ضربتين وضربات، [لأنَّ الطَّهارات أنواع: طهارةٌ بالتُّراب (^٤)، وطهارةٌ بالماء (^٥) … (^٦)، وطهارة الثَّوب وطهارة الموضع الذي يُصَلِّي عليه الصَّلوات (^٧)] (^٨).
قوله: (ففرض الطَّهارة) (^٩) الفاء فيه: فاء التَّفسير، والفرض: أي المفروض [والمفروض في مسح الرأس مقدرًا الناصية لقوله تعالى:
_________________
(١) = محمد بن علي بن فارس، الأعلام، ١٣٩٦ هـ، ط: دار العلم للملايين، (٤/ ٢٦٦). قطلوبغا، أبو الفداء زين الدين قاسم بن قطلوبغا (ت ٨٧٩ هـ)، تاج التراجم، تح: محمد خير رمضان يوسف، ط: دار القلم، (١/ ٢٠٧).
(٢) جرت عادة الفقهاء على تصدير كتبهم الفقهيَّة بالعبادات، وهي الشهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجُّ، كما رتبهم المصطفى - ﷺ - في حديث جبريل الشهير، وموضوع الشَّهادتين يتعلق في الجانب العقدي فَيُدرَس في كتب العقيدة، ولمَّا كان مفتاح الصَّلاة وشرطها الطَّهارة حسن تصديرها على الصَّلاة.
(٣) في (أ): "التعدد".
(٤) في (أ)، و(خ)،: "لا يثنى".
(٥) هذا هو النَّوع الأوَّل من تقسم الطَّهارات، وهو تقسيمها باعتبار الآلة المطهِّرة، وهو ما يتمُّ التَّطهير به وهو إمَّا بالتُراب كالتَّيمُّم والدَّبغ في بعض الصُّور، وإمَّا بالماء كما سيأتي.
(٦) طهارة الماء كالوضوء، والغُسلُ الواجب، وغسل النَّجاسة العينيَّة، وهي التي لها جرمٌ مشاهدٌ.
(٧) زاد في (ت): "وقف"، وزاد في (ش): "وطهارة البرد".
(٨) هذا تقسيمٌ آخر من تقسيمات الطَّهارة، وهو تقسيمها إلى ما يجب أن يُطَهَّر لإقامة العبادة، فيجب تطهير: ١) البدن ٢) والثوب ٣) والمكان.
(٩) سقطت من (ب)، (خ)، وفي (أ): (الموضع الذي يصلي الصَّلاة على هذا).
(١٠) شرع في بيان الوضوء، الطَّهارة هنا بمعنى الوضوء.
[ ١ / ٦٤ ]
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^١)، فهذه الباء لا يخلو: إمَّا أن يكون للإضافة، وللتَّبعيض، فإن كان للإضافة فبظاهر الآية يقتضي جميع الرَّأس، وإن كان للتَّبعيض فبظاهر الآية يقتضي بعضًا مقصودًا، وهو ما يزيد على أقل ما يتناوله اسم المسح، وذلك مجهولٌ مفتقرٌ إلى البيان وقد ورد البيان (^٢)، فلما روى المغيرة بن شعبة "أن رسول الله أتى سباطة (^٣) قوم فبال وتوضأ فمسح على ناصيته وخفيه" (^٤) صار ذلك بيانًا لمراد الآية وبيانًا المجمل (^٥)
_________________
(١) سورة المائدة آية ٦.
(٢) البيان في كلام العرف عبارة عن الإظهار، وقد يستعمل في الظهور، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن، آية: ٤]، والمراد به الاظهار، والفصل. ينظر: البزدوي، علي بن محمد، كنز الوصول إلى معرفة الأصول (أصول البزدوي)، ط: مطبعة جاويد بريس، (٢٠٩).
(٣) السباطة هي مكان تجمع فيه النفايات وتسمى اليوم (المزبلة). ينظر: السبتي، أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي، (ت: ٥٤٤ هـ)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، ط: دار التراث، (٢/ ٢٠٤).
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه (سنن ابن ماجة)، ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ط: أبو المعاطي، أبواب الطَّهارة وسننها، باب ما جاء في البول قائمًا، (١/ ٢٠٤). وأخرجه البزار في كتابه: البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، البحر الزخار، تح: محفوظ الرحمن زين الله، (حقق الأجزاء ١/ ٩)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء ١٠/ ١٧) وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء ١٨)، ط: مكتبة العلوم والحكم في مسنده (٧/ ٢٩٦). وأخرجه الطَّبراني في (المعجم الأوسط)، الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، تح: طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط: دار الحرمين، (٥/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(٥) المجمل: وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل وذلك مثل قوله تعالى وحرم الربا فإنه لا يدرك بمعاني اللغة بحال وكذلك الصلاة والزكاة وهو مأخوذ من الجملة. ينظر: البزدوي، أصول البزدوي، (مرجع سابق) (٩).
[ ١ / ٦٥ ]
على الوجوب (^١)].
قوله: (على ناصيته (^٢»، لا يقال: هذا دليل لا (^٣) يوافق المدَّعى؛ لأنَّ المدعى مقدار النّاصية، وهو مسحٌ (^٤) على النَّاصية قلنا (^٥): المسح على النَّاصية ظاهرًا يوافق الرُّبع، والمدَّعى (^٦) الربع، فيكون الدَّليل موافقًا للمدَّعى.
لأنّ (^٧) النّاصية لا يتعين (^٨)؛ لأنّه لو تعيّن يلزم (^٩) ترك النّص بخبر الواحد (^١٠)؛ لأنَّ النص (^١١) أطلق، والرُّبع عُلِمَ بفغل النَّبي - ﷺ - (^١٢)، وإن كان
_________________
(١) سقطت من (ب). من هنا تبدأ المقابلة مع (خ)،.
(٢) في (أ): "علم ناصيته"، وفي (ب): "بناصيته".
(٣) سقطت لا من نسخة (ت).
(٤) في (أ)، (ب)، (ت)، (ش): "المسح".
(٥) في (ت): "وأما".
(٦) في (أ): "المدعي".
(٧) في (ب): "لا أن"، وفي (خ)، و(ش): "إلَّا أنَّ".
(٨) في (أ): "لا تتغير"، والأصح أن يقول الناصية لا تتعين؛ لأنَّها مؤنثة.
(٩) سقط في (ت)، وفي (ش): "لزم".
(١٠) قال الجصَّاص: (وأمَّا تخصيص عموم القرآن والسُّنَّة الثَّابتة بخبر الواحد وبالقياس، فإنَّ ما كان من ذلك ظاهر المعنى بيِّن المراد غير مفتقرٍ إلى البيان ممَّا لم يثبت خصوصه بالاتفاق، فإنَّه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.) انتهى. ينظر: الجصاص، أحمد بن علي الرازي (ت ٣٧٠ هـ)، الفصول في الأصول، تح: د. عجيل جاسم النشمي، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة الكويت (١/ ١٥٥).
(١١) في (أ): "لنص"، والمقصود بالنَّص آية الوضوء في سورة المائدة، ٦.
(١٢) المسح على الرأس ورد في القرآن الكريم، والسُّنَّة وردت بالمسح على النَّاصية، التي تقدَّر بربع الرأس، ولا تشترط النَّاصية، فلو مسح من آخر الرأس أو عن يمينه أو شماله فلا مانع؛ لعدم تعيين النَّاصية، وإنما يتعيَّن مقارها في أيِّ مكانٍ من الرأس.
[ ١ / ٦٦ ]
النَّص يقتضي البعض (^١)، فلا يتعيَّن لأجل هذا، فعلى هذا ينبغي أن يكون الرجل ممسوحًا إذ (^٢) باعتبار مقابلة (^٣) الجمع بالمجمع (^٤).
فإن قيل (^٥): المسح ثبت بالسُّنَّة، والجرُّ في أرجلكم باعتبار المجاورة، وهي يجوز مع الواو … (^٦)، كما يجوز بدون الواو، فلم يثبت المسح بالنَّص، قلنا (^٧): لا نسلم، بل ثبت باعتبار العطف، … (^٨) على محلّ رؤوسكم (^٩)، والعطف على المحلِّ
_________________
(١) الآية مجملةٌ في مسح الرأس، تحتمل إرادة جميع الرأس كما قال مالك، وتحتمل إرادة ما تناوله اسم المسح كما قاله الشَّافعي، وتحتمل إرادة بعضه كما ذهب إليه أصحابنا؛ وقد صحَّ أن النبي - ﷺ - توضَّأ فمسح بناصيته، فكان بيانًا للآية وحجةً عليهما، والمختار في مقدار النَّاصية ما ذكر في الماتن، وهو الرُّبع. ينظر: ابن مودود، عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، الاختيار لتعليل المختار، تح: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن، ط: دار الكتب العلمية، (١/ ١٠).
(٢) في (ب): "أو"، وفي (ت): "أداء"، وفي (خ)، (ش): "إذا".
(٣) في (ب): "المقابلة".
(٤) مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد كقولهم: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم فيقتضي أن يركب كل شخصٍ دابَّته فقط، لا أن يركب كلُّ واحدٍ منهم كلَّ الدَّواب وهذا معلومٌ في اللغة إلَّا أنَّه غير معمولٍ به في هذا الباب بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فلا تكون رجلًا واحدةً لمقابلة الجمع بالجمع، بل الرجلين؛ لأنَّهما جعلتا في الحكم كعضوٍ واحدٍ تناولهما الأمر فوجب غسلهما. ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي (مرجع سابق)، (١/ ٤٩)، (٦/ ٢٣٣).
(٥) في (خ): "قلنا".
(٦) زاد في (ب): "و".
(٧) في (خ): "فإن قيل".
(٨) زاد في (ت): "و".
(٩) زاد في (ش): "والرأس محله النصب وإنما صار مجرورًا لدخول حرف الجر فيه كما في البيت".
[ ١ / ٦٧ ]
جائزٌ (^١)، كما في قوله: فلسنا (^٢) بالجبال ولا الحديد. الحديد: عطف على المحل، والجبال: محلُّه منصوب؛ لأنَّه خبر ليس.
قلنا: لا يمكن العطف؛ لأنَّ الأصل أن يكون العطف على اللفظ، معما (^٣) أن المسح على الرأس قد بُيِّنَ حكمه بفعل النبي - ﷺ -، والمسح على الرجلين ما بُيِّن حكمه بفعله (^٤)، فلا يعطف معما أن المسح في الرأس هو الإصابة، والمسح على الرجلين إلى الساق إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا، فلا تتحقق (^٥) المجانسة بينهما.
قوله: (إذا استيقظ المتوضئ [من نومه] (^٦»، هذا شرطٌ اتفاقًا … (^٧)؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السُّنَّة: غسل اليدين (^٨) فإنما قيد
_________________
(١) أخذت بعض المذاهب الفقهيَّة أن وظيفة الرجل المسح لا الغسل، وقال الحسن البصري - ﵀ - المَضْرُورُ يتخير بين المسح والغسل، وعن ابن عباس - ﵁ - قال: نزل القرآن بغسلين ومسحين، يريد به القراءة بالكسر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّه معطوفٌ على الرَّأس، وكذلك القراءة بالنَّصب عطفٌ على الرَّأس من حيث المحلِّ، فإنَّ الرَّأس محلُّه من الإعراب النَّصب، وإنَّما صار محفوظًا بدخول حرف الجر. ينظر: السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة ٤٨٣ هـ، المبسوط، ط: دار المعرفة (١/ ٨).
(٢) سقطت من (ب)، و(خ).
(٣) كثيرا ما يستعمل لفظ: "معما"، ويعني به "مع"؛ لاستعماله في بعض المواضع لفظ "مع" في نسخ و"معما" في نفس الموضع في نسخة أخرى، فلعلها لغةٌ فارسيةٌ.
(٤) سقطت من (أ).
(٥) في (أ)، و(ت)، و(خ) يتحقق.
(٦) سقطت من (ب)، (خ).
(٧) زاد في (ب)، و(ش): "إلا هو شرط حكما".
(٨) الأصحُّ أنَّه سنَّةٌ مطلقًا؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء السُّنَّة غسل اليدين، وخصَّ =
[ ١ / ٦٨ ]
باعتبار أن يده مست النجاسة بالاحتمال في حال (^١) النَّوم فحينئذ قد وصل إلى النَّجاسة يده حالة النوم.
قوله: (وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها) فالتخصيص في الرِّواية يدلُّ على نفي ما عداه، حتى أن الرَّجل ينقض (^٢) إذا كان علويًا (^٣)، أو له (^٤) شعرٌ طويلٌ قيل: أنَّه لا ينقض دفعًا للضرر (^٥) عن المكلَّف.
_________________
(١) = المصنف غسلهما بالمستيقظ تبركًا بلفظ الحديث، ووجه التَّمسك بالحديث أن الوضوء واجبٌ، وقد لا يتوصَّل إليه إلَّا بالغمس، والغمس حرامٌ حتى يغسل اليد ثلاثًا فيكون الغمس والغسل واجبين؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجبٌ، لكن تركنا الوجوب إلى السُّنَّة في الغسل؛ لأنَّه - ﷺ - علَّل بتوهم النَّجاسة، وتوهُّمها لا يوجب التنجُّس الموجب للغسل، فكان دليلًا على التَّورع والاحتياط. ينظر: الميداني، عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الميداني الحنفي، اللباب في شرح الكتاب، تح: محمود أمين النواوي ط: دار الكتاب العربي. (١/ ٧). و: البابرتي، محمد بن محمد، العناية شرح الهداية، (ت ٧٨٦ هـ)، ط: دار الفكر، (١/ ٢١).
(٢) في (ب): "حالة".
(٣) في (أ): تنقض.
(٤) قال بعض فقهاء الحنفية: إن كان عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا لا يجب عليه نقضه؛ للمشقَّة في نقضه، لأنهم يطيلون شعورهم ويدهنونها بزيوتٍ لتثبيتها، وقال آخرون: ينقض شعره وجوبًا، ولو عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا؛ لإمكان حلقه، والمقصود بالعلوي هو العلوي طريقة لا النُّصيري، وقيل المقصود بالعلوي الأشراف من ولد علي - ﵃ -. ينظر: الزيلعي، عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، المتوفى: ٧٤٣ هـ، ط: المطبعة الكبرى الأميرية (١/ ١٥)، و: الحصكفي الحنفي، محمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (ت: ١٠٨٨ هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة، تح: عبد المنعم خليل إبراهيم، ط: دار الكتب العلمية (١/ ١٥٤).
(٥) في (خ): "وله".
(٦) في (أ) "للمضرر".
[ ١ / ٦٩ ]
قوله: (والمعاني): [(المعاني النَّاقضة للوضوء (^١» كلما خرج من السبيلين لقوله: ﴿أَوْ (^٢) جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (^٣) والغائط: الموضع المطمئنُّ الذي يُقعَد للحاجة، وإنَّما صار اسمًا لها للحدث؛ لكثرة الاستعمال، كما أن العذرة قد صارت اسمًا للنجاسة، لا وضوء إلا من صوت أو ريح (^٤).
قوله: (والدَّم والقيح والصَّديد (^٥) إذا خرجا من البدن، فتجاوزا لي موضع يلحقه حكم التطهير)؛ لما روى تميم الداري عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "الوضوء من كل دم سائل" (^٦)، ولأنَّها نجاسته خارجةٌ من البدن،
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) في (أ): إذا.
(٣) سورة المائدة، آية: ٦.
(٤) الأصل في المسألة هو أن النبي سئل عن الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينفتل، أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا. البخاري، الجامع الصحيح المختصر، (مرجع سابق)، (١/ ٤)، رقم الحديث ١٣٧.
(٥) القيح: الصفرة الخالصة لا يخالطها دم، والصديد: هو الذي كأنه الماء يخالطه دم. ينظر: ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، ٤٥٨ هـ، المحكم والمحيط الأعظم، تح: عبد الحميد هنداوي، ط: دار الكتب العلمية، (٣/ ٤١٢).
(٦) الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي (ت: ٣٨٥ هـ)، سنن الدارقطني، ط: مؤسسة الرسالة، كتاب الطهارة، باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة، (١/ ٢٨٧) حديث رقم: ٥٨١. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، (معرفة السنن والآثار)، تح: سيد كسروي حسن، ط: دار الكتب العلمية، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القيء والرعاف (١/ ٢٤٠). ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن العبسي، (ت ٢٣٥ هـ)، المصنف في الأحاديث =
[ ١ / ٧٠ ]
فكان مدخلًا في بعض الطَّهارة تأثيرٌ كالخارج من السبيلين، بخلاف ما إذا لم يتجاوز (^١)؛ لأنها معدنها وفطانها (^٢) كالبول في المثانة] (^٣).
أي العلل (^٤). قال الأستاذ الكردري، ﵀ (^٥): إنَّما (^٦) لم يستعمل المشايخ لفظ العلل؛ احترازًا عن لفظ الفلاسفة؛ حتى [استعمله أبو جعفر
_________________
(١) = والآثار، كتاب: الطهارات، باب: إذا سال الدَّم أو قطر أو برز ففيه الوضوء، وقال عنه: قال: أبو بكر: سمعت ابن إدريس يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: ليس الوضوء إلا من السبيلين الغائط والبول. (١/ ١٢٧)، حديث رقم ١٢٦٣. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم ولا رآه، واليزيدان مجهولان. ينظر: الزيلعي، نصب الراية، (مرجع سابق)، (١/ ٣٧):
(٢) اتفق فقهاء الحنفية على أن الدم إذا خرج من البدن وسال من موضعه ينقض الوضوء، واختلفوا في ما إذا كان الدم الخارج يسيرًا، وبدون سيلان، كأثر الدم على السواك، فمنهم من قال لا ينقض الوضوء، ومنهم من قال ينقض الدم الخارج مطلقا، وهو قول زفر. ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب كتاب اللباب (مرجع سابق)، (١/ ٩).
(٣) هكذا كتبت في النُّسخ، ولعلَّه يقصد: "مظانها".
(٤) ما بين المعكوفتين سقط في: (ب)، (خ).
(٥) المعاني الناقضة للوضوء: هي العلل المؤثِّرة في إخراج المتوضئ من كونه متوضئًا إلى كونه غير متوضئ. ينظر: البابرتي، محمد بن محمد بن محمود الرومي، العناية شرح الهداية، ٧٨٦ هـ، ط دار الفكر، (١/ ٤٣).
(٦) هو أبو الوحدة محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي، الكردري، الحنفي، البراتقيني. وبراتقين: من أعمال كردر، وقال الذهبي: أنبأني بترجمته أبو العلاء الفرضي، فقال: هو أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود عليه من الآفاق، مات ﵀ سنة ٥٨٦ هـ ينظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، (ت: ٧٤٨ هـ)، تح: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، (٢٣/ ١١٢)، رقم ٨٦. و: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، طبقات المفسرين، تح: علي محمد عمر ط: مكتبة وهبه. (٢١).
(٧) في (ب)، و(خ): "وإنما".
[ ١ / ٧١ ]
الطَّحاوي (^١) …] (^٢).
وكفى بها (^٣) تنبيهًا، أو كأنهم اتبعوا السنة (^٤)، فإنها وردت بلفظ المعنى دون العلَّة على ما قال ﵇: "لا يحل دم امرئٍ (^٥) مسلمٍ إلَّا بإحدى معان ثلاث" (^٦)، [أي العلل] (^٧).
_________________
(١) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي الطحاوي الحنفي، صاحب التصانيف، من أهل قرية طحا من أعمال مصر. مولده في سنة ٢٣٩ هـ. بدأ حياته شافعيًا ثم تحول إلى الحنفية وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر. برز في علم الحديث وفي الفقه، وتفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي، وجمع وصنف. قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا فقيها عارفًا لم يخلق مثله. له مؤلفاتٌ، منها: "العقيدة الطَّحاويَّة"، و"شرح مشكل الآثار"، و"شرح معاني الآثار". (ت: ٣٢١ هـ). ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (مرجع سابق)، (١٥/ ٢٧)، رقم ١٥. الزركلي، الأعلام (مرجع سابق) (١/ ٢٠٦).
(٢) في (أ)، (ب)، (ت)، (خ): "استعمل أبو جعفر الطَّحاوي لفظ المعاني"، والصَّحيح أن أبو جعفر الطَّحاوي هو أوَّل من استعمل لفظ العلل من الفقهاء، وليس لفظ المعاني. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (١/ ٤٣).
(٣) في (أ) "وكفاية".
(٤) في (أ): "لسنته".
(٥) في (أ): "المرأت"
(٦) البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجامع الصَّحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، ط: دار الشعب. ولفظه: "لا يحلُّ دم امرئ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنَّفس والثَّيب الزّاني والمارق من الدّين التّارك الجماعة"، (٩/ ٦)، رقم الحديث ٦٨٧٨. ومسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، ط: دار الجيل، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، (٥/ ١٠٦)، رقم الحديث ٤٤٦٨، ولم أجده بلفظ المعاني.
(٧) في (أ)، (ب): "بدون النداء".
[ ١ / ٧٢ ]
(^١).
قوله: (على وجه الدَّفق والشَّهوات (^٢» (^٣) حتّى إذا ضرب أو حمل حملًا ثقيلًا، وخرج منه المني لا يجب الغسل إذًا (^٤)، احترازًا عن قول الشافعي (^٥) ﵀، فإنَّ عنده خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل، وإنما شرطنا الشَّهوة (^٦)؛ لأنَّ الغسل يجب على الجنب بالنَّص والجنب: من به إنزال المني على وجه الشَّهوة (^٧).
قوله: (وفيهما الوضوء) (^٨) لأنَّ صاحب العذر إذا خرج
_________________
(١) زاد في (أ)، (خ): "وإنما استعمل بعض المشايخ، لفظ العلل لأنَّه لم يحترز عن الاحتراز الذي احترز بعض المشايخ لدى الفلاسفة يستعملون العلل".
(٢) سقط في (ب)، (خ): "الشهوة".
(٣) هنا يتحدَّث عن موجبات الغسل، ومنها خروج المني وجعل له ضابطًا، وهو خروجه على وجه الشَّهوة.
(٤) في (ب)، و(خ): "أو".
(٥) يرى الشافعية: أن خروج المني موجبًا للغسل، وصفته أنه أبيض ثخين دفاق، يخرج دفعات، الأصل أن يخرج بشهوة، وقد يخرج بدونها، ويعقب خروجه فتور، وتشبه رائحته رائحة الطَّلع، فلو فقد من هذه الصِّفات التلذذ بخروجه، بأن يخرج لحالةٍ مرضيَّةٍ وجب الغسل، لعموم حديث: "الماء من الماء"، خلافا لأبي حنيفة. ينظر: الغزالي، محمد بن محمد بن محمد، الوسيط في المذهب، (ت ٥٠٥ هـ)، تح: أحمد محمود إبراهيم، ومحمد محمد تامر، ط: دار السلام (١/ ٣٤١). و: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد البصري، الحاوي الكبير (ت: ٤٥٠ هـ)، ط: دار الفكر (١/ ٤٠٠).
(٦) في (أ): "الشَّهوات".
(٧) في (أ): "الشَّهوات".
(٨) أي في خروج المذي، والودي. ويخرج من ذكر الرجل في حال الصِّحة أربعة أشياء، كلها نجسة عند السادة الأحناف وهي: =
[ ١ / ٧٣ ]
منه المذي (^١) يجب الوضوء، وإن (^٢) لم يخرج الوقت؛ لأنَّ وضوءه لا ينتقض (^٣) إلَّا بخروج الوقت (^٤)؛ فلأجل هذا قيّد بقوله: (وفيهما الوضوء)، وإلَّا في البيان إخلالٌ؛ لأنَّه إذا لم يجب الغسل يجب الوضوء ضرورةً.
قوله: (وماء البحار) (^٥)، هذا (^٦) إضافة التَّعريف وفي ماء الزَّردج (^٧)
_________________
(١) = أ - المذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة يكون لزجا ولا يخرج دفقا ولا تنقطع به الشهوة، ويجب فيه الوضوء دون الغسل.
(٢) المني: المَاء الْأَبْيَض وقد يتغير إلى الصفرة والرقة لعلة تحدث الغليظ الَّذِي ينكسر بِهِ الذّكر وتنقطع بِهِ الشَّهْوَة، وهو أصل خلق الإنسان، يجب فيه الغسل.
(٣) الودي: يصح بالتخفيف وبالتشديد، ماء أصفر غليظ، يخرج عقيب البول وقد يسبقه، يخرج مع التَّعب الشَّديد أو البرد، وفيه الوضوء دون الغسل.
(٤) البول: هو السائل الأصفر الذي تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه (وهو معلوم). ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب (مرجع سابق)، (١/ ١٧)، و: السمرقندي، محمد بن أحمد، تحفة الفقهاء، (ت نحو: ٥٤٠ هـ)، ط: دار الكتب العلمية، (١/ ٢٧)، و: البسام، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام، توضيح الأحكام من بلوغ المرام، (ت: ١٤٢٣ هـ)، ط: مكتبة الأسدي، (١/ ١٤١).
(٥) في (خ): "المني".
(٦) في (أ): "وإذ".
(٧) في (أ): "ينقض".
(٨) صاحب العذر كمن به سلس بول أو عنده ارتخاء وتفلُّتٌ للريح، لا ينتقض وضوؤه إلَّا بخروج الوقت؛ للمشقَّة في تجديد وضوئه مع كلِّ حدث، ولا يقاس عليه المذي والودي لقلة خروجهما من الإنسان، فلو خرجا ينتقض الوضوء، ولو لم يخرج الوقت على صاحب العذر، والسليم من باب أولى.
(٩) الطهارة من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار.
(١٠) في (أ)، و(ب)، و(ت)، و(خ)، و(ش) "هذا". والأصح (هذه) وسنلاحظ في كثير من المواضع استعمال التذكير مع المؤنث، وذلك من المسامحات للمؤلف؛ لكونه فارسي غير عربي، وسألتزم النَّص في نسخ المخطوط.
(١١) ماء الزردج، بزايٍ معجمةٍ، وراءٍ ودالٍ مهملتين وجيمٍ، وهو ما يخرج من العصفر المنقوع =
[ ١ / ٧٤ ]
إضافة التقييد (^١) وبالفارسية اسبرك (^٢)، والفرق بينهما، أن إضافة الماء إلى البحار والآبار إضافةٌ إلى محلٍ، والشيء بكونه في المحل لا يكون مقيدًا، كماء الجبِّ مثلًا، أمَّا إضافة الماء إلى الزَّردج إضافة تقييدٍ؛ لأنَّ الزَّردج يغير الماء، فلا يكون ماءً مطلقًا بعد الإضافة، فلا يجوز.
أمَّا (^٣) في الإضافة إلى البحار (^٤) يُعلَم أنَّه ماء البحار فلا يحصل التَّقييد، فبقي (^٥) ماءٌ مطلقًا، فيجوز [أن يقول: كل ماء، أن يتعرف ماهيته بدون هذا الإضافة، ويفهم بمطلق قولنا: الماء وهو ماء مطلق، بخلاف ماء الباقلاء وأشباهها، فإنَّه لا يتعرف ماهيَّته بدون ذلك القيد، فلا ينصرف الفهم إليه عند الإطلاق؛ ولهذا صحَّ نفيه عن اسم الماء، ولا (^٦) يقال له: يشرب فلانٌ الماء، وإن كان شرب ماء الباقلاء، ولو كان ماءًا حقيقةً لا يصح نفيه؛ لأنَّ الحقيقة لا يسقط، لا بد هذا هو الفارق بين الحقيقة والمجاز (^٧).
_________________
(١) = فيطرح ولا يصبغ به. ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب، (مرجع سابق)، (١/ ١٢).
(٢) في (ب): "تقيد".
(٣) في (أ)، (خ): "استرك"، وهو: شجر العصفر، وقيل: المُعَصَفر. يُنظَر: الكرميني، علي بن محمد بن سعيد (ت: ٥٥٦)، تكملة الأصناف، تح: علي رواقي، ط: أنجمن آثار ومفاخر فروشكي، (معجم عربي / فارسي).
(٤) سقط في: (أ).
(٥) في (ب): "البحر".
(٦) في (ب)، و(خ): "فنفي".
(٧) سقطت من (أ)، (ب)، (خ).
(٨) لو صحَّ تسمية ماء الباقلَّاء، أو الزَّردج بالماء، فهي تسميةٌ مجازيةٌ غير حقيقيةٍ، أمَّا ماء البحار، أو الآبار فهو ماءٌ على الحقيقة، والحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما تدلُّ عليه =
[ ١ / ٧٥ ]
قوله:] (^١) (ولا بماءٍ اعتصر) (^٢) صحَّ قوله: (بماء (^٣) بالمدَّ) (^٤) أي الماء (^٥) الذي اعتصر، لا (^٦) المراد الشيء الذي اعتصر (^٧).
قوله: (قليلًا كان أو كثيرًا) (^٨) أي قليلًا كان موضع الوقوع أو كثيرًا؛ لأنَّ الماء إذا كان قليلًا يتنجَّس موضع الوقوع، [وما حوله أيضًا، وأمَّا إذا كان كثيرًا يتنجَّس موضع الوقوع] (^٩) فقط، و(^١٠) لا يتنجس ما حوله.
_________________
(١) = بنفسها دلالةً ظاهرةً، والمجاز: هو اللَّفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته. ينظر: الخفاجي الحلبي، أبو محمد عبد الله بن سعيد، (ت: ٤٦٦ هـ)، سر الفصاحة، ط: دار الكتب العلمية، (١/ ٤٣). و: الخوارزمي، يوسف بن أبي بكر بن محمد الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب (ت ٦٢٦ هـ)، مفتاح العلوم، تح: نعيم زرزور، ط: دار الكتب العلمية، (١/ ٣٥٩).
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من: (ب)، (خ).
(٣) لا يجوز التَّطهر بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء.
(٤) في المتن (كماء).
(٥) هو ماء السيل، وخصَّه بالذِّكر؛ لأنَّه يكون قد اختلط به أوراقٌ وأشجارٌ وغثاءٌ فإنَّ ذلك لا يجوز التطهر به، إذا فقد طبع الماء وهوما كان سيالًا رقراقًا. ينظر: الزبيدي، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني، الجوهرة النيرة، شرح مختصر القدوري (ت: ٨٠٠ هـ)، ط: المطبعة الخيرية، (١/ ٤٤). و: الغنيمي الدمشقي، اللُباب (مرجع سابق)، (١/ ١٢).
(٦) في (ب): "بالماء المد".
(٧) في (خ): "لأن".
(٨) عبارة المتن: "الطَّهارة من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار، ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر". أي لا الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر لا يجوز التَّطهُّر به فالمقصود الماء لا الشيء المعتصر.
(٩) كل ماءٍ وقت به نجاسةٌ، لا يجوز التطهر به قليلًا كان أو كثيرًا. وهو قول الماتن (القدوري).
(١٠) سقط من (ب).
(١١) سقطت من (أ).
[ ١ / ٧٦ ]
قوله: (فغيَّر أحدَ أوصافه) (^١)، هذا يخالف رواية الكتب الأخرى (^٢)؛ لأنَّه إذا غيَّر وصفيه يجوز التوضُّؤ أيضًا، كماء الحوض يتغيَّر طعمه ولونه (^٣).
قوله: (وموت ما يعيش في الماء [لا يفسده] (^٤»، قوله (^٥): (في الماء) ظرف العيش.
… (^٦) قوله: (فيه) متعلق بقوله وموت؛ أي موته في الماء، و(^٧) المراد من الموت: بأن مات حتف أنفه، وهو الموت الطَّبيعي، و(^٨) أمَّا إذا قطع السَّمك يتنجَّس الماء [عند أبي يوسف ﵀] (^٩) فإنَّ عنده دم السَّمك نجس.
قوله: (كالسَّمك (^١٠) والضِّفدع) قدَّم السَّمك؛ لأنَّه لا خلاف في عدم
_________________
(١) أي الماء المخالط لطاهرٍ إذا تغيَّر أحد أوصافه بهذه المخالطة، والأوصاف هي اللون والطعم والريح.
(٢) عند أبي يوسف: إذا خالط الماءَ شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحد أوصافه، فإن ذلك يسلبه جواز التطهُّر به، وتابعه عليه الإمام الناطفي والسرخسي. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (١/ ٩٦).
(٣) الرواية الثانية: لا يسلب الطُّهورية عن الماء تغير أوصافه، إن لم يزل عنه طبع الماء. وطبع الماء: كونه سيالًا مرطبًا مسكنًا للعطش، حتى لو تغيَّرت أوصافه. ينظر: ابن عابدين، الاختيار في تعليل المختار (مرجع سابق) (١/ ١٤).
(٤) سقطت من (ب).
(٥) في (ب): "وقوله".
(٦) زاد في (خ): "و".
(٧) سقطت من: (ب).
(٨) سقطت من: (ب).
(٩) في (أ): "عن رسول الله - ﷺ - ".
(١٠) في (أ): "السَّمك".
[ ١ / ٧٧ ]
كونه نجسًا، أمَّا في الضِّفدع خلاف الشافعي (^١) ﵀، فإنَّ عنده موت الضِّفدع منجس، وصح الضِّفدع بكسر الدال وقيل بفتح الدال والخليل (^٢) خطَّأ الفتح (^٣).
قوله: واستعمل (المستعمل: كل ما أزيل به حدث، أو استعمل (^٤) في البدن على وجه القربة) (^٥)؛ لأنَّه استُعمِلَ فيما هو مقصودٌ في
_________________
(١) واختلف الشافعية بعد اتفاقهم على تحريم الضفدع، هل ينجس بعد موته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنَّه طاهرٌ لا ينجس بالموت؛ لأنَّ حيوان الماء موته وحياته سواء. والوجه الثَّاني: أنَّه نجسٌ إذا مات؛ لأنَّه لمَّا شابه حيوان البرِّ في التَّحريم شابهه في التَّنجيس، فعلى هذا هل ينجس به الماء القليل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يتنجَّس به كما ينجس بسائر الأنجاس. والوجه الثَّاني: لا ينجس به للحوق المشقَّة في التَّحرز، فصار عفوًا كدم البراغيث. ينظر: الماوردي، الحاوي الكبير (مرجع سابق) (١٥/ ١٤٠).
(٢) في (أ): "الجليل". وهو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي: من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، أخذه من الموسيقى وكان عارفًا بها. وهو أستاذ سيبويه النحوي. ولد ومات في البصرة، وعاش فقيرًا صابرًا، كان مغمورًا في الناس لا يُعرَف. قال النضر بن شميل: ما رأى الرَّاؤون مثل الخليل ولا رأى الخليل مثل نفسه، له كتب منها: (العين)، (معاني الحروف)، (جملة آلات العرب)، (تفسير حروف اللغة)، (العروض)، (النقط والشكل)، (النغم)، (ت: ١٧٠ هـ)، وقيل (ت: ١٧٥ هـ) ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٢/ ٣١٤)، و: الفيروزأبادي، محمد بن يعقوب، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، تح: محمد المصري، ط جمعية إحياء التراث الإسلامي، (٢٢).
(٣) الضِّفدِع بكسر الضَّاد والدَّال الذَّكر، والضِّفدعة للأنثى، وناسٌ يقولون بفتح الدَّال وأنكره الخليل. ينظر: الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصِّحاح، تح: محمود خاطر، ط: مكتبة لبنان ناشرون، (٤٠٣).
(٤) في (خ)، و(ب): "قوله استعمل"، ومن هنا وقع سقط في (خ)، و(ب)، ويتصل عند قوله: "في البدن على وجه القربة عند أبي حنيفة".
(٥) الماء المستعمل لا يجوز التّطهر به.
[ ١ / ٧٨ ]
الشَّرع، بخلاف ما إذا اغتسل به ثوبًا قطيفًا؛ لأنَّه لم يحصل بذكر واحد منهما فلم يصير مستعملًا (^١) في البدن على وجه القربة.
عند أبي حنيفة وأبي يوسف (^٢) رَحِمَهُمَا اللهُ، إزالة النَّجاسة، أو إقامة القربة لكون الماء مستعملًا شرطٌ … (^٣)، وعند محمد (^٤) ﵀ الشَّرط: إقامة القربة، بأن نوى القربة (^٥) حتى إنَّ الجنب إذا نوى
_________________
(١) من هنا نواصل المقابلة مع (خ)، و(ب).
(٢) أبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصارى الكوفي المشهور بالقاضي أبو يوسف وهو أشهر تلاميذ الإمام أبي حنيفة، ولد أبو يوسف سنة ١١٣ هـ، يقول عن نفسه: "صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة". أشهر مؤلفاته وهو يعد أول من ألف الكتب في مذهب أبي حنيفة، [كتاب الخراج، وكتاب في آدب القاضي على مذهب أبي حنيفة]، وغيرها. (ت: ١٨٢ هـ) دفن في مدينة الكاظمية. ينظر: ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح: إحسان تاج، ط: دار صادر، (٦/ ٣٧٨). و: كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين وتراجم مصنفي الكتب العربية، ط: مكتبة المثنى، (١٢/ ٢٤٠).
(٣) زاد في (ب): "هو".
(٤) هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (مولاهم) الكوفي، كتب شيئًا من العلم عن أبي حنيفة، ثم لازم أبا يوسف من بعده حتى برع في الفقه، صاحب الإمام أبي حنيفة وناشر مذهبه وفقيه العراق. ولد سنه ١٣١ هـ، يعد الصاحب الثاني لأبي حنيفة بعد أبي يوسف، في دراسة وتدوين مذهب الحنفية، تولَّى القضاء زمن هارون الرشيد، وانتهت إليه رياسة الفقهِ بالعراق بعد أبي يوسف، ونعته الخطيب البغدادي: بإمام أهل الرأي. له مؤلفات عرفت بكتب ظاهر الرِّواية وهي كتاب: المبسوط ويسمى بالأصل - السير الكبير - الجامع الكبير - الجامع الصغير - الزِّيادات توفي في الرَّي بواسط سنة (١٨٧ هـ)، وقيل (١٨٩ هـ). ينظر: الشيرازي، أبو إسحاق، طبقات الفقهاء، تح: إحسان عباس، ط: دار الرائد العربي، (١/ ١٣٥). و: الزركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (٦/ ٨٠).
(٥) سقطت من (ب).
[ ١ / ٧٩ ]
إزالة (^١) النَّجاسة يصير مستعملًا بالاتفاق، [وعند محمد بنيَّته (^٢)] القربة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف بإزالة النَّجاسة يصير مستعملًا.
أمَّا إذا اغتسل (^٣) المتوضئ لأجل التَّبرُّد لا يصير مستعملًا بالاتفاق، وأمَّا إذا اغتسل الجنب لأجل التبرد يصير مستعملًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ بإزالة النَّجاسة، وعند (^٤) محمد ﵀، لا يصير مستعملًا لعدم إقامة القربة؛ لأنَّه لم ينو (^٥) إقامة القربة (^٦).
قوله: (و(^٧) كل إهابٍ دُبغَ (^٨) [فقد طَهُر، وجازت الصَّلاة فيه والوضوء منه، إلَّا جلد الخنزير والآدمي)؛ لقوله: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" (^٩)
_________________
(١) في (خ): "بإزالة".
(٢) في (ب): "فعند محمد"، (خ): "فعنده بنية".
(٣) في (أ)، (خ): "غسل".
(٤) في (ب): "فعند".
(٥) في (أ): "يفد".
(٦) اختلف الفقهاء في صفة الماء المستعمل فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رَحِمَهُما اللهُ -: هو ما أزيلت به النَّجاسة، أو صحَّت به القربة، بأن توضَّأ تبردًا أو نظافةً، فإنَّ الماء يصير مستعملًا عندهم؛ لأنَّ الوضوء ليس عبادةٌ مستقلةٌ بذاتها تحتاج إلى نيَّةٍ، وإنَّما هو شرطٌ للعبادة فلا يحتاج إلى نيَّة، وعند محمد ﵀: لا يصير الماء مستعملًا إلَّا مع نيَّة القربى، فإن لم ينو القربى لا يصير مستعملًا كما في المتبرِّد، هذا وقد اتفقوا على أن الجنب لو استعمل الماء يصير مستعملًا ولو لم ينو. ينظر: السرخسي، المبسوط (مرجع سابق)، (١/ ٤٦)، و: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (١/ ١١٥).
(٧) سقطت من (أ).
(٨) من هنا وقع سقط في (خ)، (ب) ويتصل عند قوله: "يوست بيراسته".
(٩) الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح، تح: أحمد محمد شاكر وآخرون، ط: دار إحياء التراث العربي، في كتاب اللباس - باب ما جاء =
[ ١ / ٨٠ ]
كالخمر إذا تحلل (^١)، ولم يفصل بين جلد الميت وجلد الكلب وغيرها فهو على العموم؛ ولقوله - ﷺ -: "وإنما حرم من الميت أكلها" (^٢)؛ ولأنَّ الكلب يجوز الانتفاع به غير ضرورةٍ، فصار كالشَّاة بخلاف الخنزير؛ فإنَّه لا يجوز الانتفاع به بحال.
وأمَّا الآدمي؛ فلأن الدباغ لا يؤثر في جلده؛ لأنَّ المقصود من الدباغ: هو الانتفاع بالجلد، وجلد الآدمي لا يجوز الانتفاع به لحرمته، وكما لا يجوز الانتفاع بشعره] (^٣) يوست بيراسته (^٤).
فإن قيل: لِمَ لَم (^٥) يقل (^٦) جازت الصَّلاة عليه وقال فيه؟ قلنا: فيه فائدة؛ لأنَّه لمَّا جازت الصَّلاة وهو لابسه، فأولى أن يجوز الصَّلاة عليه؛
_________________
(١) = في جلود الميتة إذا دبغت (٤/ ٢٢١) حديث رقم، ١٧٢٨ قال الترمذي: "حسن صحيح". و: النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، المجتبى من السنن، تح: عبد الفتاح أبو غدة، ط: مكتب المطبوعات الإسلامية، في كتاب الفرع والعتيرة - باب جلود الميتة، (٧/ ١٣٧)، رقم الحديث ٤٢٤١. و: ابن ماجه، السنن، (مرجع سابق)، في كتاب اللباس - باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، (٤/ ٦٠٢) رقم الحديث ٣٦٠٩.
(٢) بأن صار خلًا.
(٣) ورد بهذا اللفظ في الدارقطني، كتاب الطَّهارة، باب الدباغ، (١/ ٥٨) رقم الحديث ١٠٠، تح: شعيب الأرنؤوط، ط: الرسالة، ولفظ البخاري، في صحيحه، (مرجع سابق) أن رسول الله - ﷺ - مرَّ بشاةٍ ميتةٍ فقال: "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنَّها ميِّتةٌ، قال: إنَّما حرم أكلها". كتاب البيوع، باب بيع الجلود قبل أن تدبغ حديث رقم ٢٢٢١.
(٤) زاد في (ب): "الإهاب". ومن هنا نواصل المقابلة مع (خ)، (ب). وعنده "الإيهاب لوست نابيراسته" وفي (ت): "بوست نابيراسته".
(٥) كلمةٌ فارسيَّة.
(٦) سقط من: (أ).
(٧) في (ب)، (خ): "يقال".
[ ١ / ٨١ ]
لأنَّ اتِّصال اللَّابس بالثَّوب أكثر من اتِّصال المصلَّي بالمصلَّى؛ لأنَّ المصلِّي يجاور المصلَّي أمَّا اللَّابس يلازمه.
فإن قيل: لم (^١) قدَّم الخنزير على الآدمي ومن حقِّه أن يقدم الآدم لأنه مكرم؟ قلنا:
قوله: (إلَّا) مستثنى من الطَّهارة، فيكون النَّجاسة ثابتةٌ في المستثنى، والخنزير أليق بالنَّجاسة فقُدِّم (^٢) لهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (^٣)﴾ قدم الصَّوامع على المساجد في الهدّم؛ لأنَّ الصَّوامع أليق بالهدّم.
… (^٤) قوله: (والوضوء) فيه لطيفة؛ لأنَّ في الأرض النَّجسة روايتان (^٥) بعد الجفاف إذا ابتل في رواية يعود النَّجاسة وفي رواية لا يعود النَّجاسة (^٦).
أمَّا في الإهاب لا يعود قولًا واحدًا بالبلل (^٧)، وإنّ (^٨) كان اليبس
_________________
(١) في (ب): "لو".
(٢) في (خ)، (أ): "فيقدم".
(٣) سورة الحج آية ٤٠.
(٤) زاد في (ب): "وفي".
(٥) إذا ثبت أنَّها تطهر بالجفاف وعاودها الماء فعند أَبي حنيفةَ روايتان، أَحدهما: تعود نجسةً وهو اختيار القدورِي وَالسَّرَخْسِيِّ وفي الرِّواية الأُخرى: لا تعود نجسةً وهو اختيار الْإِسْبِيجَابِيِّ وعلَى هذا الخلاف إذا وقع من ترابها شيءٌ في الماء فعند الأوَّلَين ينجس وعلَى الثَّاني لا ينجس. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة، (مرجع سابق)، (١/ ١٤٥).
(٦) سقطت من، (خ).
(٧) في (أ): "بالبلاء".
(٨) سقطت من (أ).
[ ١ / ٨٢ ]
بمنزلة الذكاة (^١) في الأرض لقوله - ﷺ -: "ذَكَاةُ الأرضِ يبَسُهَا" (^٢).
قوله: [(إذا وقعت في البئر نجاسةٌ نزحت)؛ لأنَّ النَّجاسة إن تشيع في الماء فيتنجس ماء البئِّر؛ فوجب أن ينزح، وكان نزح ما فيها من الماء طهارةٌ لها؛ لأنَّ التبع في البئِّر فَفُصِل، فإذا أخرج منها الماء، ونبع فيها ماءٌ آخرٌ رفع النَّجس لمَّا وجه الماء فصار كالنَّجاسة تقع في الماء الجاري] (^٣).
نزحت: أي (^٤) البئر، لا (^٥) المراد النَّجاسة، بقرينة ما ذكر بعد هذا، فإن كانت البئر معينًا (^٦) لا تنزح، وإنَّما (^٧) أضاف النَّزح (^٨) إلى البئر للمبالغة، كما يقال: أبو حنيفة، ﵀ (^٩): كله فكذلك ها هنا (^١٠)، ينزح جميع
_________________
(١) في (ب): "الذكاء".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارة، تح: كمال يوسف الحوت، ط: الرشد، باب في الرجل يطأ الموضع القذر يطأ بعده ما هو أنظف، (١/ ٥٩)، رقم الحديث: ٤٣٦. و: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر، كتاب سنن البيهقي الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، ط: دار باز، (٢/ ٤٢٩)، قال الفتني في تذكرة الموضوعات: لا أصل له في المرفوع بل هو موقوف على محمد بن علي الباقر وعن ابن الحنفية وأبي قلابة وهو من التَّابعين بلفظ جفوف، وقال السَّخاوي: لا يصحُّ مرفوعًا.
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من: (خ)، (ب).
(٤) سقطت من (ب).
(٥) في (ب): "لأنَّ".
(٦) بالتخفيف، أي ذات عين جارية، وماءً متجدِّد.
(٧) في (خ): "وأمَّا".
(٨) في (أ): "للنزح".
(٩) في (خ): "فقه".
(١٠) في (أ): "هيهنا".
[ ١ / ٨٣ ]
ما في البئر احتياطًا.
قوله: [(فإن مات فيها (^١) فأرةٌ، أو عصفورةٌ، أو صعوةٌ (^٢)، أو سودانيةٌ، أو سام أبرص (^٣)، نزح من عشرين دلوًا إلى ثلاثين يحسب كبير الدلو وصغرها)، لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "في الفأرة تموت في البئر ينزح منها ثلاثون دلوًا أو أربعون دلوًا" (^٤).
عن علي - ﵁ - ينزح منها دلاءٌ، وعن الشَّعبي (^٥) والنَّخعي (^٦) ينزح منها
_________________
(١) أي إن مات في البئر.
(٢) قال المطرزي: (الصَّعو: صغار العصافير، الواحدة صعوة). ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (١/ ١٤٨).
(٣) سام أبرص: ضرب من كبار الوزغ، ينظر: الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري، العين، (ت: ١٧٠ هـ)، تح: د. مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، ط: دار ومكتبة الهلال (٧/ ٢٠٦).
(٤) يصح الأثر مقطوعًا ولا يصحُّ مرفوعًا كما سيأتي.
(٥) هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الهمداني الشعبي، والمشهور بـ الإمام الشعبي، ولد في الكوفة عام ١٦ هـ وعاش فيها، وقد سكن المدينة المنورة عدة أشهر، قال ابن سيرين: قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة والصحابة يومئذ كثير، وكانت وفاته بالكوفة وذلك سنة ١٠٣، وقيل ١٠٤ هـ. ينظر: الكندي، بهاء الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، السلوك في طبقات العلماء والملوك، ٧٣٢ هـ، تح: محمد بن علي بن الحسين الأكوع الحوالي، ط: مكتبة الإرشاد، (١/ ١٤٨). و: الشيرازي، طبقات الفقهاء، (مرجع سابق)، (١/ ٨١).
(٦) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمران الكوفي، فقيه أهل الكوفة، رأى عائشة - ﵂ - وكان رجلا صالحا فقيها ومات وهو مختف من الحجاج. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، كان فقيها (ت: ٩٦ هـ) تقريبًا، وله من العمر ٤٩ سنة، في زمن الوليد بن عبد الملك. ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، (مرجع سابق)، (١/ ٢٥)، و: الذهبي، سير أعلام النبلاء (مرجع سابق)، (٤/ ٥٢٠).
[ ١ / ٨٤ ]
عشرين دلوًا (^١)؛ لأنَّ هذا الحيوان ضعيفٌ، فهو لا يصل إلى كل الماء، وإنَّما يموت على وجه الماء، أو ما يقارن فلا يختلط بجميع الماء.
فالواجب إخراج ما جاوزه من الماء، فقد روى ذلك في غلبة الظَّن بما قدَّمنا واتَّبعوا فيه السَّلف والباقي من الماء جاوز ما جاوزر النجاسة فلا يحكم بتنجيسه؛ لأنَّ ذلك تؤدي إلى تنجيس ماء البحر وعن هذا قال - ﷺ - في الفأرة إذا وقعت في السَّمن وماتت فيها إن كان جامدًا: "ألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا استصبحوا" (^٢). ولم يأمر بإلقائها ما حوله النَّجاسة] (^٣).
(بحسب كبر الدَّلو) أي (^٤) يقدَّر الدَّلو (^٥) إذا كان الدلو عظيمًا يسع عشرين دلوًا من الدلو الوسط مرة واحدة يكفي قال مولانا شمس الدين الكردري (^٦) ﵀ ناقلًا عن
_________________
(١) حديث النخعي والشعبي في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوًا، روي أيضًا عن أنس بن مالك - ﵁ - أن النَّبي - ﷺ - قال في الفأرة: "تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا"، ولكنه شاذ، وقال عنه البيهقي حديث منقطع، و: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، معرفة السنن والآثار، تح: سيد كسروي حسن، ط: دار الكتب العلمية. وهو مخالفٌ لحديث الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. المروي عن عبد الله بن عمر - ﵄ - في مسند الإمام أحمد.
(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، (مرجع سابق) كتاب الطهارة باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، (١/ ٦٨)، حديث رقم: ٢٣٥ ونصّه "ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم".
(٣) ما بين المعكوفتين سقط في (خ)، (ش).
(٤) في (أ)، و(خ): أن.
(٥) سقطت من (خ).
(٦) في (ب): الكردي. وقد سبقت ترجمته.
[ ١ / ٨٥ ]
نسخته (^١) صاحب الهداية (^٢) - ﵀ - أن قوله بحسب كبر الدلو وصغره في الاستحباب لا في الواجب؛ لأنَّ الواجب عشرون دلوًا في الفأرة وثلاثون دلوًا (^٣) بطريق الاستحباب (^٤)، أمَّا مولانا ﵀ يصرف قوله بحسب كبر الدلو وصغره على الواجب والاستحباب فإن الواجب عشرون فالاستحباب عشرة فيكون نصف (^٥) الواجب.
فإذا كان من الدَّلو (^٦) الوسط يسع خمسةً في دلوٍ عظيمٍ ينزح ستةً؛ لأنَّ الاثنين لأجل الاستحباب وهو عشرةٌ والأربعة وهو عشرون لأجل الواجب (^٧)، وأمَّا إذا كان يسع من الدَّلو الوسط في دلوٍ عظيمٍ اثنان ينزح خمسة عشرة، عشرةٌ لأجل الواجب، وخمسةٌ لأجل الاستحباب هكذا ينزح.
قوله: (سودانية) طُوَيرَةٌ (^٨) سوداءٌ طويلة الذنب، [ويسمى العصفور
_________________
(١) في (خ): "شيخه".
(٢) كاتب الهداية شرح بداية المبتدي للإمام علي المرغيناني (مرجع سابق).
(٣) سقطت من (خ).
(٤) أي أن الواجب أن ينزح ٢٠ دلوًا، ويستحب له أن يزيد في النزح إلى ٣٠، والمرغيناني صاحب الهداية يرى أن التَّقدير يكون لكل الدِّلاء الواجبة والمستحبَّة، والكردري يرى أن التقدير يكون في الدلاء الواجبة فقط.
(٥) في (أ): "تصرف".
(٦) يختلف حجم الدَّلو باختلاف البئر، فكلُّ بئرٍ المعتبر فيها دلوها المعدُّ لها، وأمَّا إن كانت البئر من غير دلوٍ فإن المعتبر دلوٌ بحجم الصَّاع. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (١/ ٦٢).
(٧) فإذا كان من الدلو الوسط يسع خمسة في دلو عظيم ينزح ستة لأن الاثنين لأجل الاستحباب وهو عشرة والأربعة وهو عشرون لأجل الواجب سقط من (ب).
(٨) في (أ): "طيرة".
[ ١ / ٨٦ ]
الأسود] (^١).
قوله: (صَغُرَ الحيوان)، فإن قيل: لِمَ ما (^٢) قال صغرًا (^٣) مكان صَغُرَ؟ قلنا: صَغُرَ فعل، والفعل لا يستحيل أن يتغير، أمّا الإسم علمٌ على (^٤) الذات، فلا يَقبَل التَّغيير، والمراد (^٥) وقت الوقوع، لا وقت النزح؛ فإنَّه يمكن أن يكون صغيرًا وقت الوقوع ثم كبر بالانتفاخ؛ فلأجل هذا استعمل صَغُرَ أي كان صغيرًا (^٦) وقت الوقوع، ثم صار كبيرًا بالانتفاخ (^٧) ينزح عشرين إلى ثلاثين، لا الجميع أي جميع الماء.
قوله: (والماء المستعمل لا يجوز استعماله)، فإن قيل ينبغي أن يتبين ماهية الماء المستعمل، ثم يتبين حكمه أنَّه لا يجوز استعماله؛ لأن الحكم بالشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ماهيته (^٨)، قلنا: هذا كتاب الفروع (^٩)، وفي الفروع المقصود الحكم لا الماهيَّة؛ فلأجل هذا قدَّم
_________________
(١) سقط من (ب)، (خ).
(٢) سقطت [ما] من: (أ).
(٣) في (خ): "صغيرا".
(٤) سقط من: (أ)، و(خ).
(٥) في (ب)، و(خ): "فالمراد".
(٦) في (أ): "صغرا".
(٧) في (أ) الإنتفاح.
(٨) يقول الفقهاء: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره. فإذا كان التصوُّر صحيحًا كان الحكم صحيحًا، أما إن كان التصوُّر خاطئًا فالحكم سيكون خاطئًا فكلُّ ما كان أصله مغلوطًا فالفرع تبعٌ له فسيكون مغلوطًا. ينظر: ابن نجيم المصري، البحر الرائق، (مرجع سابق)، (٢/ ٣٦٥).
(٩) كتب الفروع الفقهية تعنى بأحكام المسائل، لا بتكيفها وتصورها.
[ ١ / ٨٧ ]
الحكم على بيان الماهيَّة.
قوله (^١): (وإن كان البئر مَعينًا (^٢) لا ينزح، فوجب نزح ما فيها، أخرجوا مقدار ما فيها كان (^٣) فيهما من الماء) وهذا قول أبي يوسف، وقد روي عن محمد، ﵀ أنَّه قال: ينزح منها مائتي دلوًا إلى ثلاث مائة، وقال أبو حنيفة ﵀: ينزح حتى يغلبهم الماء.
وجه قوله أن ينزح جميع الماء لا يمكن، فإذا نزحت حتى يغلب الماء فقد حدث ماء آخر، ودفع ما كان في البئر إلى وجه الماء، وجه قول أبو يوسف إنَّ ما كان فيها قد نجس فوجب إخراجه، ويمكن بأن يعرف مقداره بأن يعرف في البئر قضبته يجعل معيارًا ويعلم فيها علامة مع وجه الماء ثم استقى الدلاء، وجه قول محمد ﵀، هو أن غالب الآبار أنَّها لا يزيد على هذا القدر فاعتبر الغالب (^٤).
ينبغي أن يقال معينةٌ (^٥)؛ لأنَّ البئر مؤنَّث سماعي، إلَّا أنَّه على وزن فعيل، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ لأنَّ هذا الوزن بعيد من الأفعال، فإدخال التَّاء لتفرقه (^٦) في الفعل.
_________________
(١) من هنا وقع سقط في (خ) ويتصل عند قوله: "ينبغي أن يقال معينه لأن البئر مؤنث سماعي".
(٢) أي ذات عين جارية، القياس أن يقال: معينة كما في بعض النسخ كذلك لأن البئر مؤنثة، وإنما ذكر بلفظ التذكير نظرا إلى اللفظ أو توهم أن فعيل بمعنى مفعول. ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية (مرجع سابق)، (١/ ١٥٣).
(٣) هكذا كتبت في النسخ وفي المتن: (ما كان فيها)، وهو أقوم.
(٤) من هنا نواصل المقابلة مع (خ)، وقد زاد: "معينا".
(٥) في (أ): "يقول مغيته".
(٦) في (أ): "لتقرِّبه".
[ ١ / ٨٨ ]
في قوله: (معينًا) وجهان أحدها من مَعَنَ الماء: أي كثيرًا، ومن العين، كما أن المكان من مكن أو [من الكون (^١)]، فإن كان من مَعَنَ: يكون الميم أصليًا (^٢)، ويكون سالمًا، وإذا كان من العين: الميم زائدٌ، و(^٣) يكون أجوفًا (^٤)، كما أن المكان إذا كان من مَكَنَ يكون وزنه فَعَال، وإذا كان من الكون يكون وزنه مفعل.
قوله: إذا كانوا توضئوا، [(وإذا وجد في البئر فأرةً، أو غيرها لا يدرون متى وقعت فيها، لم تنتفخ ولم تنفسخ، أعادوا صلاة يومٍ وليلةٍ، إذا كانوا توضَّئوا منها، وغسلوا كلَّ شيءٍ أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسَّخت، أعادوا صلاة ثلاثة أيَّامٍ ولياليها، في قول أبي حنيفة (^٥)، وقال أبو يوسف ومحمد ليس عليهم إعادتهم حتَّى يتحقق متى وقعت).
ووجه قول أبي حنيفة هو استحسان (^٦)، إن وقع الحيوان في البئر
_________________
(١) في (أ): "كون.
(٢) في (أ): "أصيلًا" أي من صلب بنية الكلمة وليس زائدًا.
(٣) في (ب): "أو".
(٤) في (أ): "أحرف".
(٥) عُرِفَ عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه كان يأخذ بالأحوط وإبراء الذمَّة والأمثلة على ذلك كثيرةٌ جدًّا، كمسألة، السكران إذا طلق امرأته، قال أبو حنيفة: يقع طلاقه، وإذا شرع الرجل في صوم التطوع، ثم أفطر، قال أبو حنيفة: يجب عليه القضاء. حتَّى قال فيه مسعر: من جعل أبا حنيفة بينه، وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه. ينظر: الصيمري، القاضي أبي عبد الله حسين بن علي، أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ط: عالم الكتب (٢٣).
(٦) الاستحسان: هو ترك القياس إلى ما هو أولى منه، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون فرعٌ يتجاذبه أصلان يأخذ الشَّبه من كل واحد منهما، فيجب إلحاقه بأحدهما دون الآخر، =
[ ١ / ٨٩ ]
بسبب لموته، فالظّاهر أن الموت حصل من ذلك السَّبب، وإن جاز أن يكون من غيره، ألا ترى أن من جرح رجلًا فلم يزل صاحبَ فراشٍ حتى مات، فالظَّاهر أن الموت من الجراحة، فإن جاز أن يكون من مرضٍ حادثٍ إلَّا أن الغالب أنَّها لا تطفوا في أقل يوم وليلة، فأوجب إعادة صلاته يومًا وليلة، وماذا عليه مشكوك فيه فلم يوجب بالشك] (^١).
حتى إذا لم يتوضأ، بأن كان وصل إلى (^٢) ثوب المصلِّي من ماء هذا البئر، فصلَّى ثمَّ خرجت الفأرة، لم يعد صلاته لأنَّه لم يتوضأ منه.
قوله: (مشكوكٌ) (^٣) قال أبو طاهر الدباس (^٤) - ﵀ -: حاشا أن يكون
_________________
(١) = لدلالةٍ توجبه، فسمَّوا ذلك استحسانا، والوجه الثاني: فهو تخصيص الحكم مع وجود العلَّة. وكان أبو الحسن يقول: إنَّ لفظ الاستحسان عندهم ينبئ عن ترك حكمٍ إلى حكمٍ هو أولى منه، لولاه لكان الحكم الأول ثابتًا. ينظر: الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، الفصول في الأصول، (ت: ٣٧٠ هـ)، ط: وزارة الأوقاف الكويتية، (٤/ ٢٣٤).
(٢) ما بين المعكوفتين سقط في: (خ).
(٣) في (خ): "في".
(٤) سؤر الحمير والبغل مشكوكٌ فيهما، (والشَّك بمعنى عدم التَّرجيح بين النَّجاسة والطهارة)، فإن لم يجد غيرهما توضَّأ وتيمم، بأيهما بدأ جاز. ينظر بن مودود الموصلي، الاختيار في تعليل المختار، (مرجع سابق)، (١/ ٢٢).
(٥) هو محمد بن محمد بن سفيان، أبو طاهر الدباس وفي: (أ) "الدياس". الفقيه الحنفي. إمام الحنفية بما وراء النهر، قال ابن النجار: إمام أهل الرَّأي بالعراق. درس الفقه على القاضي أبي خازم، وهو من أقران أبي الحسن الكرنجي، تخرج به جماعة من الأئمة. ولي القضاء بالشام وخرج منها إلى مكَّة وتوفي فيها. ذكر السِّيوطي أنَّه ردَّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، وأنَّه كان ضريرًا، لقب بالدباس: نسبة إلى بيع الدبس المأكول، ولم أجد سنة وفاته ﵀، ولكن عاش بين القرن الثالث والرابع. ينظر: القرشي، =
[ ١ / ٩٠ ]
حكم الله مشكوكًا. لأن الجهل أوجب الشك، تعالى الله عن ذلك، بل ينبغي أن يقال محياطًا أو يقال موقوفًا إلَّا أن الأصحَّ أن يقال: مشكوكًا؛ لأنَّ العمل بالدَّليل نوعان: ١) التَّوقف عند التَّعارض، ٢) والعمل عند الانفراد، حتَّى إذا لم يعمل حالة الانفراد يكون إهمالًا للدليل، كذلك العمل عند التَّعارض إهمالًا بل العملُ عند التَّعارض التَّوقف، فيكون التَّوقف عملًا (^١) كالعمل عند الانفراد (^٢).
فإن قيل: كما أن الدَّليل تعارض في فصل الحمار، وهو قوله - ﷺ -: "كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ" (^٣)، مع قوله:
_________________
(١) = عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، أبو محمد، الحنفي، الجواهر المضية (٧٧٥ هـ)، ط: مير محمد كتب خانه، (٢/ ١١٦)، و: قطلوبغا، تاج التراجم، (مرجع سابق)، (٣٣٦). و: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر (٩١١ هـ)، (٦ - ٧)، ط: دار الكتب العلمية.
(٢) في (أ): "عمل".
(٣) أي أن الشكَّ يكون في حقِنا لا في حقِّ الشارع الحكيم، فعندما يتعذَّر الجمع على المجتهد فيكون في حكم الشاكِّ لعدم قدرته على الترجيح بين الأدلة، فالعمل الواجب في حقه يكون التَّوقُّف.
(٤) ابن أبي شيبة، مصنف ابن أبي شيبة (مرجع سابق)، في كتاب الأطعمة، باب من قال تؤكل الحمر الأهلية، ونصه: عن غالب بن ذيخ، قال: قلت: يا رسول الله، أصابتنا سنة، وسمين مالي في الحمر، فقال "كل من سمين مالك، فإنما قذرتها من جوالي القرية"، (٥/ ١٢٣)، رقم الحديث: ٢٤٣٣٨. ابن قانع، أبو الحسين، عبد الباقي بن قانع، معجم الصحابة، (ت: ٣٥١ هـ)، تح: صلاح بن سالم المصراتي، (٢/ ٣١٨)، حرف الصاد، ط: الغرباء الأثرية. و: أبو بكر الشيباني، أحمد بن عمرو بن الضحاك، أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني، الآحاد والمثاني، ٢٨٧ هـ، تح: د. باسم فيصل الجوابرة، (٢/ ٤١٦)، ط: دار الرَّاية. وقال عنه الزيلعي: إسناده مضطرب، وإن صح، فإنما رخص له عند الضرورة. ينظر الزيلعي، نصب الراية، (مرجع سابق)، (٤/ ١٩٨).
[ ١ / ٩١ ]
"اكفئوا القدور" (^١)، تعارض الدَّليلان (^٢)، كذلك في الهرَّة تعارض (^٣) الدَّليلان، وهو قوله ﵇: "الهرة (^٤) ليست بنجسة" (^٥)، وقوله: "الهرة سبع" (^٦)،
_________________
(١) البخاري، الجامع الصحيح، (مرجع سابق)، كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، ونصه: عن ابن أبي أوفى - ﵁ -، يقول: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلمَّا كان يوم خيبر، وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله - ﷺ -: "أكفئوا القدور، فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا". (٤/ ٩٦)، تح: محمد زهير بن الناصر، مع شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا، ط: دار طوق النجاة. مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله - ﷺ - المعروف، (بصحيح مسلم)، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار إحياء التراث العربي، كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الأنسية، (٣/ ١٥٣٩) رقم الحديث: ١٩٣٨.
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (أ)، (خ): "تعارضت".
(٤) سقط في (ب).
(٥) الترمذي، السنن، (مرجع سابق)، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، (١/ ١٥٣)، رقم الحديث: ٩٢. أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داوود، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار الفكر، كتاب الطَّهارة باب سؤر الهرة، (١/ ١٩)، رقم الحديث ٧٥، ونصُّه أن أبا قتادة، دخل فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرةٌ فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجس، إنَّها من الطَّوافين عليكم والطوافات". والدارقطني، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، (١/ ١١٧)، رقم الحديث: ٢١٩، قال التبريزي في مشكاة المصابيح (١/ ١٥٠): صحيح.
(٦) حديث: "الهر سبع". أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المسند (ت ٢٤١ هـ)، ط: الميمنية، ج (٢/ ٤٤٢)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثيمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (ت ٨٠٧ هـ)، ط: القدسي، (٤/ ٤٥)، وقال فيه عيسى بن المسيب وثقه أبو حاتم وضعفه غيره.
[ ١ / ٩٢ ]
ينبغي أن يكون سؤر (^١) الهرَّة مشكوكًا كالسؤر الحمار.
قلنا: في فصل الهرَّة النَّجاسة ثبتت (^٢) بمقتضى الحديث، وهو قوله ﵇: "الهرة سبعٌ"، فإذا كان سبعًا يكون نجسًا، أمَّا الطَّهارة يثبت صريحًا لقوله ﵇: "ليست بنجسة"، بإرداف … (^٣) الدَّليل لقوله ﵇: "الهرة ليست بنجسةٍ" وهو قوله: "فإنَّما هي من الطَّوافين" والصَّريح لا يعارضه المقتضى (^٤).
أما في فصل الحمار كلا الطرفين مقتضى، وقوله ﵇: "اكفئوا القدور"،
_________________
(١) السؤر: جمعه أسئار وقيل أسار يقال إذا شربت فأسئر أي أبق شيئًا من الشراب في قعر الإناء، والنعت منه سئار على غير قياس، لأن قياسه مسئر، ونظيره أجبره فهو جبار. ينظر: الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، تح: محمود خاطر، ط: مكتبة لبنان ناشرون، (١/ ٣٢٦).
(٢) في (أ)، (خ): "يثبت".
(٣) في (أ): "بأنَّ".
(٤) لا خلاف بين العلماء في أنَّ كلًّا من المنطوق ومفهوم الموافقة حجة صالحةٌ لإثبات الأحكام الشرعية؛ وإنَّما يظهر التَّفاوت بين المنطوق ومفهوم الموافقة عند التَّعارض، حيث يقدم ما يدل بالمنطوق الصَّريح، على ما يدل بالمنطوق غير الصَّريح، والمنطوق الصَّريح: ما كانت دلالة اللَّفظ فيه على المعنى الموضوع له، بالمطابقة أو التَّضمُّن، ويسمى عند الحنفية (عبارة النَّص)، أمَّا المنطوق غير الصَّريح: هو دلالة اللَّفظ على معنى لم يوضع له اللَّفظ؛ ولكن لازم للمعنى الموضوع، فيدلُّ عليه اللَّفظ بواسطة الالتزام، وقد قسمت دلالة الالتزام إلى ثلاثة أنواع: اقتضاء، وإشارة، وإيماء وتنبيه، والذي نريده هنا هو دلالة الاقتضاء وهي: دلالة اللَّفظ على معنى مقصودٍ للمتكلِّم، تتوقف عليه استقامة اللَّفظ، أو صحَّته العقلية أو الشرعية. ومثالها حديث: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان"، فذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، بدليل وقوعهما من الأمة؛ فلا بد من تقدير محذوف تتوقف عليه استقامة اللفظ، وهو المؤاخذة أو الإثم. ينظر: الصاعدي، حمد بن حمدي، المطلق والمقيد، ط: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، (١/ ٣٢٢).
[ ١ / ٩٣ ]
يقتضي النَّجاسة، وقوله ﵇: "كل من سمين مالك"، يقتضي الطَّهارة، فكذلك قلنا بالشَّك سؤر الحمار والكراهة في سؤر الهرَّة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الشكُّ، كانت بأن يثبت (^١) الحرمة، فعلى هذا ينبغي أن يرجِّح الحرمة، لقوله ﵇: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرامُ الحلالَ" (^٢)، قلنا: التَّرجيح مؤخَّرٌ عن الجمع (^٣)، وهاهنا الجمع ممكن، بأن تيمم وغسل؛ فإن كان الجمع ممكنًا فلا يصار إلى التَّرجيح (^٤).
أو نقول في التَّفرقة (^٥) بين الهرة والحمار: وهو أنَّه لا معارضة بين قوله: … (^٦) "الهرَّة ليست بنجسةٍ" وبين
_________________
(١) في (أ)، (خ): "ثبتت".
(٢) حديث: "ما اجتمع الحلال والحرام … ". البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى، (ت ٤٥٨ هـ)، تح: محمد عبد القادر عطا، ط: دار الكتب العلمية، كتاب النِّكاح، باب الزنا لا يحرم الحلال، (٧/ ٢٧٥). وقال فيه: رواه جابر الجعفي عن ابن مسعود، وفيه ضعف وانقطاع. الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، المصنف (ت: ٢١١ هـ)، تح: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: المجلس العلمي، كتاب الطلاق، باب الرجل يزني بأم امرأته، وابنتها وأختها، (٧/ ١٩٩) رقم الحديث ١٢٧٧٢.
(٣) من شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها، أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه، ولم يجز المصير إلى الترجيح. ينظر: الشوكاني، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، (ت: ١٢٥٠ هـ)، تح: الشيخ أحمد عزو عناية، ط: دار الكتاب العربي، (٢/ ٢٦٤).
(٤) لأنَّ الجمع عملٌ بالدليلين، والترجيح عملٌ بدليل، وإهمالٌ لدليل.
(٥) في (أ): "التفرُّق".
(٦) زاد في (أ)، (خ) "كانت".
[ ١ / ٩٤ ]
قوله: … (^١) "الهرة سبعٌ"؛ لأنَّ (^٢) قوله: "ليست بنجسة"، يثبت النَّجاسة أيضًا؛ لأنَّ [الحكم الثابت (^٣)] في حالة الضَّرورة يدل على عدم ذلك الحكم في غير حالة الضَّرورة (^٤)، كأكل (^٥) مال الغير حالة الضَّرورة، … (^٦) [يحلُّ تناوله] (^٧) ولا يحل في غير حالة الضرورة، كذلك عدم النجاسة في حالة الطواف، [تدل] (^٨) على نجاسته مطلقًا، فلا يكون بينهما معارضةٌ.
_________________
(١) زاد في (أ)، (خ) "كانت".
(٢) في (أ)، (خ): "أن".
(٣) في (خ): "حكم الثابت" في (أ): "حكم التائب".
(٤) بين الرسول - ﷺ - الضرورة في قوله: "إنَّها من الطوافين عليكم". فهذه العلَّة في رفع الحرج عن سؤرها.
(٥) في (أ)، (خ): "كما كل".
(٦) زاد في (أ)، و(خ): "بيان مال الغير في حالة الضَّرورة".
(٧) في (ب): "يحل بنا وله".
(٨) في (ب): يدل.
[ ١ / ٩٥ ]