المضاربة: مشتقة من الضرب في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)، وإنما سميت بذلك؛ لأن المضارب يستحق الربح بالعمل، والسعي في الأرض، والدليل على جوازها، ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دفع مالًا مضاربة إلى رجل، وقال له: لا تسلف السلف بمالنا في الحيوان، ولا مخالف له فصار إجماعًا.
قوله: (والمضاربة عقد على الشركة بمال من أحد الشريكين)؛ لأنه لو كان المال من الجانبين كانت شركة عنان أو مفاوضة، ولم يكن من الجانبين مال كانت شركة أبدان أو وجوه، والمضاربة على وزن المفاعلة، المفاعلة من الجانبين، وهنا المضارب يسر لا رب المال، [فقال: المضاربة على التغليب، فجل السبب بمنزلة الضرب في الأرض؛ لأن رب المال سبب للسير، فجعل كأنه سار، وقد يجيء المفاعلة من جانب واحد كما يقال: علج الطبيب، والمريض لا يعالج، بل الطبيب يعالجه] (^٢) للمضاربة خمسة أحوال إذا أخذ يكون مودعًا، [ولو] (^٣) تصرف يكون وكيلًا، وإذا ربح يكون شريكًا، وإذا أفسد يكون أجيرا، وإذا خالف يكون ضامنًا، فإذا كانت
_________________
(١) سورة النساء، ج ٥، آية ١٠١.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وإذا".
[ ٢ / ٥ ]
الشركة موجودة في المضاربة يكون باب المضاربة مناسبًا بعد باب الشركة، وفي اللغة الضرب السير في الأرض، وفي الشريعة عبارة معاقدة بدفع النقد إلى من [يفعل] (^١) فيه على أن يكون الربح بينهما على ما شرطا، فإذا كان على المضارب دين قبل عقد الشركة، وعقد الشركة بذلك الدين لا يجوز؛ لأنَّه يكون مطالبًا، ومطالبًا، أما إذا كان على رب المال دين على غير المضارب، فعقد الشركة فيه يجوز؛ [لأنه] (^٢) يكون المضارب وكيلًا يقبض ذلك الدين، [وإذا] (^٣) شرط كل الربح لرب المال يكون أيضًا عا، وإذا شرط [كل] (^٤) الربح للمضارب يكون إقراضًا، وإذا شرط لهما يكون شركة.
قوله: (وليس للمضارب أن يدفع المال مضاربة)، وقد كان لم يقل له لرب المال اعمل برأيك، فإذا قال: أعمل فيه برأيك يكون مالكًا؛ لأنه يكون من جهة رب المال لا من جهة [المضاربة] (^٥)؛ لأن المضاربة الثانية مثل الأول، والشيء لا يتضمن مثله، فإن قيل: المكاتب يكاتب مع أن الكتابة الثانية مثل كتابة الأولى، قلنا: المقصود الربح مع ذات المضارب حيث ائتمنه، فإن قيل: الوكيل والمودع لا يملكان الوكالة والوديعة، وفي المضاربة وكالة، وإيداع ينبغي أن لا يملك المضارب الوكالة، ولا الإيداع، قلنا: الوكالة والإيداع يثبت ضمنًا بعقد المضاربة، وكم من شيء يثبت
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "يعمل".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "لا".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "فإذا".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "المضارب".
[ ٢ / ٦ ]
ضمنًا، ولا يثبت قصدًا كالجندي يصير مقيمًا بالمفازة بإقامة [الإمام] (^١) في البلد تبعًا، وإن كانت المفازة ليست موضع الإقامة.
قوله: (ولا يد لرب المال)، أي: لا يجوز أن يشترط العمل على رب المال؛ لأن المضارب مودع، فلو كان العمل على رب المال، وعلى المضارب لا يكون المال مسلمًا إلى المضارب، فلا يتحقق الإيداع فلا يتحقق حقيقة المضاربة.
[قوله] (^٢): (ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بيّنا)، وهو الدراهم، والدنانير، والفلوس النافقة، ويجوز في العين بأن دفع [العين] (^٣) إلى المضارب، وقال: بعه، وتصرف فيه، وإذا باع، وتصرف يكون عقد المضاربة منعقدة على الدراهم، أو على الدنانير إذا باع بالدنانير.
قوله: (وإذا صحت وإذا صحت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يشتري، ويبيع، ويسافر، ويبضع، ويوكل)، أما الشرى والبيع، فلأن المطلوب فيه الربح، ولا يحصل إلا بالشرى والبيع، فكأنه صرح له ببدل ذلك، وأما المسافرة به فلأن لفظ المضاربة يقتضي الضرب في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٤)، وأما الإبضاع فلأن العادة جرت بين التجار بذلك، والعقد وقع على ما جرت به عادة التجار، وأما التوكيل فلأن عقد المضاربة وقع على ما جرت
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الأمير".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "عينا".
(٤) سورة المزمل، ج ٢٩، آية ٢٠.
[ ٢ / ٧ ]
به عادة التجار، والعادة الجارية بينهم بالتوكيل، أي: خالية [من] (^١) الشروط المفسدة بأن لم يشترط الدراهم مسماة من الربح لأحدهما، وأمثاله من الشروط الفاسدة.
قوله: (مطلقة بمكان، أو زمان)، بأن قال: تصرف سنة، أو تتصرف، أو تعامل [بأن قال: عامل] (^٢) مع فلان، فلو قال: هكذا لا يجوز تصرف المضارب سوى ذلك الفلان.
قوله: (إن كان في المال ربح، فاشترى من يعتق عليه، أو على المضارب، فإن اشترى من يعتق عليه ضمن لفساد نصيب رب المال)؛ لأنه يكون غاصبًا حيث خالف؛ لأنه أمر بالتجارة، وهذا ليس بتجارة فيضمن، فلو قال: رب المال خذ هذا المال، [واعمل] (^٣) [به] (^٤) في الكوفة يكون تصرفه مختصا بالكوفة؛ لأنه يكون تفسيرًا؛ لقوله: (خذ)؛ لأن الفاء للتفسير، وأما إذا قال: خذ هذا المال، واعمل برأيك في الكوفة لا يكون مختصًا بالكوفة، لأنه حينئذ يكون قوله: بالكوفة [مشورة] (^٥).
قوله: (ولم يضمن لرب المال)، فيما إذا كان رأس المال ألفًا، فاشترى من يعتق على المضارب، ثم زادت قيمته، فصار ألفين لا يضمن لرب المال ألفًا وخمسمائة [وخمسمائة] (^٦) نصيب المضارب؛ لأن الزيادة
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "عن".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فاعمل".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٥) ما بين المعقوفين في (ب) "مشهورة".
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ٢ / ٨ ]
حصلت بدون صنع المضارب، بل حصل [بالسفر] (^١).
قوله: (في نصيبه منه)، أي: نصيب رب المال من العبد.
قوله: (ولم يأذن) وإذا دفع المضارب المال المضاربة (ولم يأذن له رب المال في ذلك لم يضمن بالدفع)، ولم يضمن المضارب الثاني حتى يربح؛ لأنه يملك الدفع بالإيداع، والإبضاع، والمضارب الثاني ما لم يربح في حكم المبضع، أي: لم يقل رب المال اعمل برأيك لم يضمن بالدفع، ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإن المضارب يملك الإيداع، والوكالة، والدفع إيداع، والتصرف الثاني وكالة، وعند زفر - ﵀ - يضمن بالدفع، فقوله: لم يضمن بالدفع، [ولا] (^٢) يتصرف المضارب الثاني رواية الحسن، عن أبي حنيفة - ﵀ -، فأما على [قول] (^٣) أبي يوسف، ومحمد - ﵀ - يضمن ربح، أو لم يربح، وقولهما ظاهر الرواية.
قوله: (نضّت)، أي: أنفذت يقال: خذ من دينك ما نضّ لك، أي: ما تيسر، وحصل، [و] (^٤) مصدره نضيض.
قوله: (وإذا افترقا عن العقد)، أي: فسخًا بطريق إطلاق اسم المسبّب على السبب؛ لأن الفسخ سبب الافتراق لا المراد الافتراق بالبدن.
قوله: (وكل)، وفي "الجامع الصغير" قال: أحل مكان وكل.
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "بالسعر".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "ولم".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ٢ / ٩ ]
قوله: (في الاقتضاء)، [دام بازخواستن بعد زان كه داده بود] (^١).
قوله: (يصرف الهلاك إلى الربح)؛ لأنه فرع، كما قلنا في الزكاة يصرف بالهلاك إلى [الفقر] (^٢).
قوله: (ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة)، لأنه كالوكيل، والوكيل يملك كلا النوعين.
قوله: (ولا أمة)، فعند أبي يوسف - ﵀ -[له] (^٣) أن يزوّج أمة؛ لأن فيه تحصيل المهر والنفقة، [والله أعلم] (^٤).
قوله: (وما هلك من مال المضاربة، فهو من الربح دون رأس المال)، لقول النبي - ﵇ -: "مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله (^٥)، كذلك المؤمن لا يسلم له نوافله حتى يسلم له عزائمه أخبر أن الربح لا يسلم إلا بعد سلامة رأس المال.
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وأم باز خواست بعد أذان لي داذه بوذ".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "العفو".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٥) البيهقي، السنن الكبرى، مصدر سابق، كتاب جماع أبواب أقل ما يجزي من عمل الصلاة وأكثره، باب ما روي في إتمام الفريضة من التطوع في الآخرة، رقم الحديث: ٤٠٠٥، ج ٢، ص ٥٤٢. ونصه: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَثَلِ الْحُبْلَى حَمَلَتْ حَتَّى إِذَا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ، وَمَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ لَا يَخْلُصُ لَهُ رِبْحٌ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ كَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا تُقبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الفرِيضَةَ فتَكُونُ صِحَّتُهَا بِصِحَّةِ الفرِيضَةِ". قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٣/ ٤١٣): "ضعيف".
[ ٢ / ١٠ ]