٢) المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.
٣) المطلب الثالث: الحالة الثقافية والحركة العلمية.
المطلب الأول: الحالة السياسية
عاش الإمام بدر الدين محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، ما قبل سنة (٦٥١ هـ)، وفي هذه المدة كانت الدولة العباسية قائمة في بغداد، وتحت سيادتها جزءٌ من بلاد العراق يمتد من تكريت (^١) إلى الفاو (^٢) ومن
_________________
(١) تكريت: مدينة في العراق على شاطئ دجلة شمالي سامراء، ولد فيها صلاح الدين الأيوبي، هدمها تيمور لنك سنة ١٣٩٤ م. ينظر: الحموي، ياقوت بن عبد الله، أبو عبد الله الحموي، معجم البلدان، تح: فريد الجندي، ط: دار الكتب العلمية، (٢/ ٤٥).
(٢) الفاو: مدينة وميناء على الضِّفة اليمنى من مصب شط العرب تعتبر أبعد نقطة في جنوب العراق. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد باللُّغة والأعلام، ط: دار المشرق، (٥١٩).
[ ١ / ٣٩ ]
حلوان (^١) إلى عانة (^٢)، واقتصرت سلطة الخليفة في خارج رقعة بلاده الصغيرة على المظهر الديني. وكان العالم الإسلامي مقسما إلى دويلات كثيرة، انشغل حكامها بالتوسع كل على حساب الآخر.
أما في بلاد الشرق فقد كانت إمبراطورية خوارزم العظيمة التي كانت في أول الأمر تحمي الخلافة العباسية من الشرق والشمال الشرقي بقوة جيوشها وضخامة أموالها، ولكن علاء الدين محمد خوارزم شاه طمع في الاستيلاء على بغداد وانتزاع السلطة من الخليفة العباسي، ولكنه اضطر إلى التراجع بسبب هبوب عاصفة ثلجية وبسبب غارات المغول نحو بلاده وإحلالهم الهزيمة بجيوشه حتى اضطر للهرب وإلى جهة بحر قزوين حيث مات في إحدى جزره (٦٢٠ هـ).
أما الجزيرة ومصر ومعظم بلاد الشام فقد كانت تحت سلطان خلفاء صلاح الدين الأيوبي، الذين انشغلوا بالمنازعات والحروب، رغم تهديد الدويلات الصليبية التي كانت في سوريا وفلسطين لهم. كل ذلك أتاح الفرصة للمغول لشن غاراتهم على البلاد الإسلامية التي بدأت في (٦٠٧ هـ) (^٣).
فبينا كان جنكيز خان - إمبراطور المغول - مشتغلًا بمحاربة إمبراطورية
_________________
(١) حلوان: مدينة قديمة في العراق العجمي (إيران) هي خالمانو القديمة فتحها العرب (٦٤٠ هـ). (ينظر كتاب: معجم البلدان (مرجع سابق)، (١/ ٣٣٧).
(٢) عانة: بلد بين الرقَّة وبيت مزفة على الفرات. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٨١)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، ط: دار الفكر، (٣٥).
(٣) ينظر: حسن، حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ط: دار الفكر، (٤/ ١٣٠).
[ ١ / ٤٠ ]
كين في الصين قتل خوارزم شاه سفراءه، فحول إمبراطور المغول وجهته شطر بلاد خوارزم الإسلامية سنة (٦١٦ هـ) (^١). فخرجوا من أطراف الصين، من جبال طمغاج، وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ستة أشهر، ودخلوا تركستان، ومنها إلى بلاد ما وراء النهر مثل بخارى (^٢) التي كان يعيش فيها الإمام والعالم فخر الدين خواهر زادة، كما ذكرت كتب التراجم أنه عاش مع خاله بها، فألقى المغول بالمنابر والمصاحف في الخندق، وأشعلوا النار في المدارس والمساجد وغيرها من المباني.
وهكذا فعلوا بمدينتي سمرقند (^٣) وبلْخ (^٤)، وغيرهما من مدن آسيا، التي كانت من قبل موطن الأولياء وكعبة العلوم.
ثم توجهوا غربا حتى وصلوا إلى حدود العراق، وبهذا الغزو التتري ابتلي المسلمون بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، فلم يدخلوا بلدا إلا قتلوا جميع من فيه من الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل
_________________
(١) ينظر: ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ط: دار الفكر، (١٢/ ٣٦٠)، والذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ١٢٩ - ١٣٤).
(٢) مدينة في جنوب غرب الاتحاد السوفياتي (أوزبكستان) شهيرةٌ بمساجدها ومدارسها. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (١١٩).
(٣) سمرقند: مدينة في وسط آسيا. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٣/ ٢٧٩)، والبستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (٦٥)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (٣٧).
(٤) بْلخ: مدينة مشهورة بخراسان أوَّل من بناها لهراسف الملك، وقيل: الإسكندر افتتحت في عهد عثمان بن عفان - ﵁ -. ينظر: الحموي، ياقوت معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٥٦٨)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (٣٧).
[ ١ / ٤١ ]
وقتلوا الأجنة، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، وأكثر ما كانوا يحرقون المساجد، ويأخذون الأسرى من المسلمين ويحاصرونهم، وإن لم يقدروا على الخروج قتلوهم (^١).
وكان الناس يخافون منهم خوفًا عظيما، حتى قيل إن رجلًا منهم دخل إلى دربٍ وبه مائة رجل لم يستطع واحد منهم أن يتقدم إليه، وما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع، ولم يرفع أحد يده إليه، ونهب ذلك الدرب وحده (^٢).
وفي سنة ٦٥٦ هـ سقطت بغداد في يد التتار على يد هولاكو، وقتل المغول أهلها وهدموا مساجدها ليحصلوا على ذهب قبابها وجردوا القصور مما بها من التحف النادرة، وأتلفوا عددا كثيرا من الكتب القيمة في مكتباتها، وقتلوا كثيرا من رجال العلم فيها، وضاعت الثروة الأدبية والفنية التي عنى الخلفاء العباسيون بجمعها منذ بنى أبو جعفر المنصور بغداد واتخذها حاضرة الدولة.
وانتهت هذه الحوادث بقتل الخليفة المستعصم (^٣)، وزوال الدولة
_________________
(١) ينظر: ابن الأثير، عز الدين، الكامل في التاريخ (مرجع سابق)، (١٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، الخضري، محمد الخضري بك، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، ط المكتبة التجارية الكبرى، (٤٦٧)، والذهبي،: تاريخ الإسلام (مرجع سابق)، (٤/ ١٤٣).
(٢) ينظر: ابن كثير، الحافظ أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدِّمشقي، (ت: ٧٧٤ هـ)، البداية والنِّهاية، ط: مكتبة المعارف، (١٣/ ٩٠)، وأطلس، محمد أسعد، تاريخ العرب، ط: دار الأندلس، (٧/ ٩).
(٣) المستعصم: هو عبد الله بن منصور، من سلالة هارون الرَّشيد، ولد ببغداد وولي الخلافة سنة (٦٤٠ هـ)، و(ت: ٦٥٦ هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، (مرجع سابق)، (٤/ ١٤٠).
[ ١ / ٤٢ ]
العباسية التي عاش العالم الإسلامي في ظلها زهاء خمسة قرون (^١).
وفي سنة (٦٥٨ هـ) دخل التتار دمشق ثم وصلوا إلى غزة، وعزموا على المسير إلى مصر (^٢) في ذلك الوقت كانت الحروب قائمة بين أبناء البيت الأيوبي في مصر والشام، فاستعان الأيوبيون بالمماليك المجلوبة من البلاد المجاورة، مما أدى إلى زيادة نفوذ أولئك المماليك وأصبحوا أصحاب السلطة والنفوذ والحكم.
ولما توفي السلطان الصالح أيوب (^٣)، ولي شؤون الحكم بعده زوجته شجرة الدر، وأصلها مملوكة لهذا السلطان، وأصبحت سلطانة البلاد، ولكنها خلعت نفسها بسبب رفض الخليفة العباسي ذلك، وتزوجت من أيبك أحد المماليك، وأصبح أول سلطان للمماليك.
ولما بلغ السلطان قطز - ثالث سلاطين - المماليك أخذ التتار لدمشق، ووصولهم إلى غزة، بادرهم قبل أن يبادروه، واجتمع معهم في عين جالوت في نفس السنة، وهزمهم شر هزيمة، وهكذا أوقف زحف التتار في بلاد المسلمين.
وحاول السلطان قطز إعادة الخلافة إلى بغداد ولكنه قتل، وتولى السلطة بالقاهرة الظاهر بيبرس، واستدعى إلى القاهرة أبا القاسم، وهو أحد
_________________
(١) ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام (مرجع سابق) (٤/ ١٥٢، ١٥٣، ٣٠٨).
(٢) ينظر: ابن كثير، البداية والنِّهاية (مرجع سابق)، (١٣/ ٢١٩ - ٢٢٢).
(٣) الصالح أيوب: هو أيوب بن محمد، ولد ونشأ بالقاهرة وولي الخلافة سنة (٧٣٧ هـ)، من آثاره قلعة الرَّوضة بالقاهرة، (ت: ٦٠٩ هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام للزركلي (مرجع سابق)، (٢/ ٣٨).
[ ١ / ٤٣ ]
أبناء البيت العباسي، وتمت له البيعة بالخلافة بعد المستعصم ولقب بالمستنصر.
ولما توجه هذا الخليفة الجديد إلى التتار لاسترجاع بغداد، قتله التتار قبل أن يصل إليها سنة (٦٦٠ هـ)، وتمت البيعة بعده بالخلافة للحاكم بأمر الله واستمرت خلافته من (٦٦٠ - ٧٠١ هـ) (^١).
وهكذا يتبين لنا أن الإمام بدر الدّين الكردري، المعروف بخواهر زاده - ﵀ - قد عاصر هذه الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي حلت بالمسلمين، والتي وصفها ابن الأثير (^٢)، فقال: "هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وحضت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله ﷾ آدم وإلى الآن، لم يبتل بمثلها، لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها" (^٣).
وقد وصف المستشرق الإنجليزي سير توماس أرنولد ما قام به المغول
_________________
(١) ينظر: ابن كثير، البداية والنِّهاية (مرجع سابق)، (١٣/ ٢١٩ - ٢٢٢)، والعدوي، إبراهيم أحمد، تاريخ العالم الإسلامي، ط: مكتبة الأنجلو المصرية (١/ ٢٥٧ - ٢٧٦)، وشلبي، أحمد، موسوعة التَّاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط: مكتبة النهضة المصرية، (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) ابن الأثير هو: عزُّ الدين، علي بن محمد الشَّيباني، المؤرخ الإمام، من تصانيفه: (الكامل في التَّاريخ) و(أُسد الغابة في معرفة الصَّحابة)، و(اللباب)، (ت: ٦٣٠ هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام (مرجع سابق)، (٤/ ٣٣١)، والعكري الحنبلي، عبد الحي بن أحمد بن محمد، شذرات الذَّهب (مرجع سابق)، (٣/ ١٣٧).
(٣) ابن الأثير، الكامل في التاريخ (مرجع سابق)، (١٢/ ٣٥٨).
[ ١ / ٤٤ ]