(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَهُوَ مُسَافِرٌ
بَابُ التَّيَمُّمِ
شُرِعَ «فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ لَمَّا أَضَلَّتْ عَائِشَةُ عُقْدَهَا، فَبَعَثَ ﷺ فِي طَلَبِهِ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَجَعَلَ يَقُولُ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا». وَمَفْهُومُهُ اللُّغَوِيُّ الْقَصْدُ مُطْلَقًا وَالشَّرْعِيُّ قَالُوا الْقَصْدُ إلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ لِلتَّطْهِيرِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ اسْمٌ لَمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَنْ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، وَالْقَصْدُ شَرْطٌ لِأَنَّهُ النِّيَّةُ
[ ١٢١ ]
أَوْ خَارِجَ الْمِصْرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ مِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وَقَوْلُهُ ﵊ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِقْدَارِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِدُخُولِ الْمِصْرِ،
قَوْلُهُ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ) يَجُوزُ كَوْنُهُ حَالًا مُفْرَدًا عَطْفًا عَلَى جُمْلَةٍ حَالِيَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكَان لِأَنَّ خَارِجَ الْبَلَدِ اسْمٌ لِمَا بِظَاهِرِهِ مِنْ الْمَكَانِ وَيَكُونُ عَطْفًا حِينَئِذٍ عَلَى (وَهُوَ مُسَافِرٌ) فَنَصَبَهُ عَلَى الظَّرْفِ وَهُوَ مَعَ الْمُبْتَدَأِ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْضًا إذْ تَقْدِيرُهُ: وَلَا وَهُوَ خَارِجُ الْمِصْرِ مِثْلُ ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ فِي النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحَ لِأَنَّ خَارِجًا الصِّفَةُ لَا يَصِلُ إلَى الْبَلَدِ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْحَرْفِ كَفِعْلِهِ. لَا يُقَالُ: زَيْدٌ خَارِجُ الْبَلَدِ كَمَا لَا يُقَالُ خَرَجْت الْبَلَدَ وَكَمَا لَا يُقَالُ قَاعِدُ الدَّارِ بَلْ خَارِجٌ عَنْ الْبَلَدِ أَوْ مِنْهَا فَلَا يُضَافُ حِينَئِذٍ لِفَصْلِ الْحَرْفِ، وَإِسْقَاطُ الْخَافِضِ سَمَاعِيٌّ، وَيَجُوزُ كَوْنُ خَارِجٍ عَطْفًا عَلَى مُسَافِرٍ عَطَفَ مُفْرَدَ خَبَرِ ظَرْفٍ عَلَى خَبَرٍ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: التُّرَابُ إلَخْ) عَنْ «أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ كَانَ يَعْزُبُ فِي إبِلٍ لَهُ وَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَالْبَاقِي بِحَالِهِ، وَيَعْزُبُ يُبْعِدُ (قَوْلُهُ وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ مِيلَانِ
[ ١٢٢ ]
وَالْمَاءُ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً وَالْمُعْتَبَرُ الْمَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ الْفَوْتِ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ (وَلَوْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ
أَوْ مِيلَانِ إنْ كَانَ الْمَاءُ أَمَامَهُ وَإِلَّا فَمِيلٌ، أَوْ لَوْ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ أَهْلُ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا تَحْرِيرَ لِهَذَا لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ، وَبِالْمِيلِ يَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ لَوْ أُلْزِمَ الذَّهَابَ إلَى الْمَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ. وَلِذَا قَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْمَرْضَى عَلَى الْمُسَافِرِينَ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ إلَى الرُّخْصَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ الْمِيلُ فِي تَقْدِيرِ ابْنِ شُجَاعٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسمِائَةٍ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَفِي تَفْسِيرِ غَيْرِهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَهُوَ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ، وَضُبِطَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ:
إنَّ الْبَرِيدَ مِنْ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعُ … وَلِفَرْسَخٍ فَثَلَاثُ أَمْيَالٍ ضَعُوا
وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنْ الْبَاعَاتِ قُلْ … وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ فَتَتْبَعُوا
ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنْ الْأَصَابِعِ أَرْبَعٌ … مِنْ بَعْدِهَا عِشْرُونَ ثُمَّ الْأُصْبُعُ
سِتُّ شَعِيرَةٍ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ … مِنْهَا إلَى بَطْنٍ لِأُخْرَى تُوضَعُ
ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعَرَاتٍ فَقُلْ … مِنْ شَعْرِ بَغْلٍ لَيْسَ فِيهَا مِدْفَعُ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَتَوَضَّأَ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ وَتَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ وَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ الْمَسَافَةُ إلَخْ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ الْفَوْتِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ) أَوْ أَبْطَأَ بُرْؤُهُ يَتَيَمَّمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ بِالتَّحَرُّكِ كَالْمُشْتَكِي مِنْ الْعَرَقِ الْمُدْنِي وَالْمَبْطُونِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْجُدَرِيِّ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدَ خَادِمًا لَهُ أَوْ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ أَجِيرًا أَوْ عِنْدَهُ مَنْ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ فَعَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ: فِيمَا قُلْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ وَمَعَهُ قَوْمٌ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي الْإِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى
[ ١٢٣ ]
يَتَيَمَّمُ) لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي زِيَادَةِ الْمَرَضِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ فَهَذَا أَوْلَى. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ خَوْفَ التَّلَفِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ.
(وَلَوْ خَافَ الْجُنُبُ إنْ اغْتَسَلَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضُهُ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) وَهَذَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا
الْقِيَامِ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ زِيَادَةُ الْوَجَعِ فِي قِيَامِهِ وَلَا يَلْحَقُهُ زِيَادَةُ الْحَرَجِ فِي الْوُضُوءِ. قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ مِنْهَاجَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا قَرَأْنَا عَلَيْهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ. وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا. وَقَالَ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَوْ كَانَ فِي فِرَاشِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُ وَوَجَدَ مَنْ يَحُولُهُ وَيُوَجِّهُهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَالْحَجُّ وَالْخِلَافُ فِيهِمَا مَعْرُوفٌ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمُكَلَّفُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُعَدُّ قَادِرًا إذَا اخْتَصَّ بِحَالَةٍ تُهَيِّئُ لَهُ الْفِعْلَ مَتَى أَرَادَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا بَذَلَ الِابْنُ الْمَالَ وَالطَّاعَةَ لِأَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَكَذَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَهُوَ مُعْدَمٌ فَبَذَلَ إنْسَانٌ لَهُ الْمَالَ لِمَا قُلْنَا، وَعِنْدَهُمَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِآلَةِ الْغَيْرِ لِأَنَّ آلَتَهُ صَارَتْ كَآلَتِهِ بِالْإِعَانَةِ، وَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ يَخْتَارُ قَوْلَهُمَا اهـ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْمِصْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ، وَكَذَا الْعَجْزُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ مَقْطُوعِهِمَا (قَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ خَوْفَ التَّلَفِ) أَوْ شِينَ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرٍ كَسَوَادِ الْيَدِ وَنَحْوِهِ (وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ) إذْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الْآيَةُ لَا تُقَيِّدُ فِيهِ بَيْنَ مَرِيضٍ يَخْشَى التَّلَفَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ الزِّيَادَةِ، وَلَوْلَا مَا عُلِمَ قَطْعًا مِنْ أَنَّ شَرْعِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ إنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَالْحَرَجُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ
[ ١٢٤ ]
هُمَا يَقُولَانِ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الْحَالَةِ نَادِرٌ فِي الْمِصْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَلَهُ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ.
(وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ» وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاثَرُ التُّرَابُ كَيْ لَا يَصِيرَ مُثْلَةً
عِنْدَ خَوْفِ الِاشْتِدَادِ أَوْ الِامْتِدَادِ لَكَانَ جَائِزًا لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا خَافَ عَاقِبَتَهُ أَوْ لَمْ يَخَفْ
(قَوْلُهُ هُمَا يَقُولَانِ إلَخْ) مِنْهُمْ مَنْ جَهِلَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ نَشَأَ عَنْ اخْتِلَافِ زَمَانٍ لَا بُرْهَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِهِمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّمَنِ دَخَلَ ثُمَّ تَعَلَّلَ بِالْعُسْرَةِ وَفِي زَمَانِهِ قَبْلَهُ فَيُعْذَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بُرْهَانِيًّا بَنَاهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ رَفِيقِهِ إذَا كَانَ لَهُ رَفِيقٌ، فَعَلَى هَذَا يُقَيَّدُ مَنَعَهُمَا بِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمَاءِ الْحَارِّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ، أَمَّا إنْ طَلَبَ فَمُنِعَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا (قَوْله هُمَا يَقُولَانِ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْمِصْرِ نَادِرٌ) يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: يَعْنِي تَحَقُّقَ خَوْفِ الْهَلَاكِ بَرْدًا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ الْحَارِّ إذْ يَتَنَاوَلُ الْعَجْزُ عَنْهُ لِلطَّلَبِ مِنْ الْكُلِّ وَالْمَنْعُ وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى إعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ. وَقَوْلُهُ فِي وَجْهِ قَوْلِهِ الْعَجْزُ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ يَحْتَمِلُ اعْتِبَارَهُ بِنَاءً عَلَى عَجْزِهِ عَنْ إعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي الدُّخُولِ، وَاعْتِبَارُهُ بِنَاءً عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الطَّلَبِ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ لَكِنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَالشِّرَاءِ، وَعِنْدَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ، وَلِذَا لَمْ يُفَصِّلْ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ بَيْنَ إمْكَانِ أَخْذِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بِالْحِيلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا، بَلْ أَطْلَقُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ إذْ ذَاكَ مَعَ أَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ مِنْ أَخْذِهِ حَالَةَ الْعُسْرَةِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، فَإِنْ تَمَّ هَذَا الْبَحْثُ فَإِطْلَاقُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَتَعَلَّلُ بِالْعُسْرَةِ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ، هَذَا وَأَمَّا خَوْفُ الْمَرَضِ مِنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْمِصْرِ عَلَى قَوْلِهِ هَلْ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ كَالْغُسْلِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، جَعَلَهُ فِي الْأَسْرَارِ مُبِيحًا، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ عَادَةً
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ» إلَخْ) رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ، سَكَتَ عَنْهُ
[ ١٢٥ ]
وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِيعَابِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْوُضُوءِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ وَيَنْزِعُ الْخَاتَمَ لِيُتِمَّ الْمَسْحَ
الْحَاكِمُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرَ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيَانِ، وَهُوَ صَدُوقٌ، وَقَدْ وَقَفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُهُمَا وَصَوَّبَ وَقْفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَدِيٍّ تَضْعِيفَ ابْنِ ظَبْيَانِ عَنْ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَعِينٍ، وَأَمَّا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْمَاطِيِّ إلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ﷺ قَالَ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ» قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: عُثْمَانُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ مَرْدُودٌ، وَبِهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ «عَمَّارٍ بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: فَقَالَ ﷺ إنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيُمْنَى وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» وَهُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَفَّيْنِ الذِّرَاعَيْنِ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، أَوْ الْمُرَادُ ظَاهِرُهُمَا مَعَ الْبَاقِي أَوْ كَوْنُ أَكْثَرِ عَمَلِ الْأُمَّةِ عَلَى هَذَا يُرَجَّحُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ، فَإِنَّ تَلَقِّي الْأُمَّةِ الْحَدِيثَ بِالْقَبُولِ يُرَجِّحُهُ عَلَى مَا أَعْرَضْت عَنْهُ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ ضَرْبَتَانِ يُفِيدُ أَنَّ الضَّرْبَ رُكْنٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ فَقَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ أَحْدَثَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَبِهِ قَالَ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ: يَجُوزُ كَمَنْ مَلَأَ كَفِيهِ مَاءً فَأَحْدَثَ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ التُّرَابُ، كَذَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغُبَارَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فَمَسَحَ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ لَا يَجُوزُ يَلْزَمُ فِيهِ، إمَّا كَوْنُهُ قَوْلُ مَنْ أَخْرَجَ الضَّرْبَةَ لَا قَوْلُ الْكُلِّ، وَإِمَّا اعْتِبَارُ الضَّرْبَةِ أَعُمَّ مِنْ كَوْنِهَا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى الْعُضْوِ مَسَحَا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ عَدَمَ اعْتِبَارِ ضَرْبَةِ الْأَرْضِ مِنْ مُسَمَّى التَّيَمُّمِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمَسْحُ لَيْسَ غَيْرَ فِي الْكِتَابِ، قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ» إمَّا عَلَى إرَادَةِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمَسْحَتَيْنِ كَمَا قُلْنَا، أَوْ أَنَّهُ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْغَالِبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ حَتَّى قَالُوا يُخَلِّلُ) عَنْ مُحَمَّدٍ: يُحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ وَضَرْبَةٌ لِتَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ لَكِنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ وَالْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّخْلِيلُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَيَنْزِعُ الْخَاتَمَ، وَفِي الْمُحِيطِ: يَمْسَحُ تَحْتَ الْحَاجِبِينَ، وَفِي الْحِلْيَةِ يَمْسَحُ مِنْ وَجْهِهِ ظَاهِرَ الْبَشَرَةِ
[ ١٢٦ ]
(وَالْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَكَذَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: إنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلَا نَجِدُ الْمَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَفِينَا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَقَالَ ﵊: عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ».
(وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ وَالْحَجَرِ وَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إلَّا
وَالشَّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُقَابِلُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنَّ الْأَكْثَرَ كَالْكُلِّ لِوَجْهٍ غَيْرِ لَازِمٍ.
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إنَّا نَكُونُ بِالرِّمَالِ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ وَيَكُونُ فِينَا الْجُنُبُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ وَلَسْنَا نَجِدُ الْمَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ لِوَجْهِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا عَلَى يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ» أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ حَدِيثٌ يُعْرَفُ بِالْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ فِي آخَرِينَ، وَرَوَاهُ أَبُو يُعَلَّى مِنْ حَدِيثِ أَبِي لَهَيْعَةِ وَهُوَ أَيْضًا مُضَعَّفٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ لِسُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَخْ) قِيلَ مَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا حُرِقَ لَا يَنْطَبِعُ وَلَا يَتَرَمَّدُ: أَيْ لَا يَصِيرُ رَمَادًا فَهُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَخَرَجَتْ الْأَشْجَارُ وَالزُّجَاجُ الْمُتَّخَذُ مِنْ الرَّمَلِ وَغَيْرِهِ وَالْمَاءُ الْمُتَجَمِّدُ وَالْمَعَادِنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَحَالِّهَا فَيَجُوزُ لِلتُّرَابِ
[ ١٢٧ ]
بِالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ الْمُنْبِتِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أَيْ تُرَابًا مُنْبِتًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ زَادَ عَلَيْهِ الرَّمَلَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ لِصُعُودِهِ، وَالطَّيِّبُ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِمَوْضِعِ الطَّهَارَةِ
الَّذِي عَلَيْهَا لَا بِهَا نَفْسِهَا، وَدَخَلَ الْحَجَرُ وَالْجَصُّ وَالنُّورَةُ وَالْكُحْلُ وَالزِّرْنِيخُ وَالْمَغْرَةُ وَالْكِبْرِيتُ وَالْمِلْحُ الْجَبَلِيُّ لَا الْمَائِيُّ وَالسَّبْخَةُ وَالْأَرْضُ الْمُحْرِقَةُ فِي الْأَصَحِّ وَالْفَيْرُوزَجُ وَالْعَقِيقُ وَالْبَلْخَشُ وَالْيَاقُوتُ وَالزُّمُرُّدُ وَالزَّبَرْجَدُ لَا الْمَرْجَانُ وَاللُّؤْلُؤُ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَاءٌ، وَكَذَا الْمَصْنُوعُ مِنْهَا كَالْكِيزَانِ وَالْجِفَانِ وَالزَّبَادِيِّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَطْلِيَّةً بِالدِّهَانِ، وَالْآجُرِّ الْمَشْوِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا إنْ خُلِطَ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْ الْأَرْضِ، كَذَا أُطْلِقَ فِيمَا رَأَيْت مَعَ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ التُّرَابُ إذَا خَالَطَهُ مَا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَلَبَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُفَصَّلَ فِي الْمُخَالِطِ لِلَّبِنِ بِخِلَافِ الْمَشْوِيِّ لِاحْتِرَاقِ مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ زَادَ عَلَيْهِ الرَّمَلَ) جَعَلَ هَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلًا لِأَبِي يُوسُفَ مَرْجُوعًا عَنْهُ وَأَنَّ قَرَارَ مَذْهَبِهِ تَعَيُّنُ التُّرَابِ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ) لِصُعُودِهِ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَفْهُومُهُ وَجَبَ تَعْمِيمُهُ وَأَنَّ تَفْسِيرَ ابْنَ عَبَّاسٍ إيَّاهُ بِالتُّرَابِ تَفْسِيرٌ بِالْأَغْلَبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَأَمَّا رِوَايَةُ «وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ خَطَأٌ لِأَنَّهُ إفْرَادُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ لِأَنَّهُ رَبَطَ حُكْمَ الْعَامِّ نَفْسَهُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالتَّخْصِيصُ إفْرَادُ الْفَرْدِ مِنْ حُكْمِ الْعَامِّ فَلَيْسَ بِمُخَصَّصٍ عَلَى الْمُخْتَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالطَّيِّبُ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ اللَّفْظِ يَحْتَمِلُ مَعْنًى لَا يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَيْهِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَوْنُ الطَّيِّبِ مُرَادًا بِهِ الطَّاهِرُ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ الْإِجْمَاعُ دَلِيلُ إرَادَةِ هَذَا
[ ١٢٨ ]
أَوْ هُوَ مُرَادُ الْإِجْمَاعِ (ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَكَذَا يَجُوزُ بِالْغُبَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّعِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) لِأَنَّهُ تُرَابٌ رَقِيقٌ.
(وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَيْسَتْ بِفَرْضٍ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ فَلَا يَتَحَقَّقُ دُونَهُ،
الْمُحْتَمَلِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْجَهُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مُرَادٌ بِالْوَاوِ لَا بِأَوْ (قَوْلُهُ ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قُلْنَا: هِيَ لِلِابْتِدَاءِ فِي الْمَكَانِ، إذْ لَا يَصِحُّ فِيهَا ضَابِطُ التَّبْعِيضِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ وَهُوَ وَضْعُ بَعْضِ مَوْضِعَهَا فِي الْأَوْلَى وَلَفْظُ الَّذِي فِي الثَّانِي وَالْبَاقِي فِي الْأَوَّلِ بِحَالِهِ، وَيُزَادُ فِي الثَّانِي جُزْءٌ لِيُتِمَّ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ كَمَا فِي ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ، وَلَوْ قِيلَ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ بَعْضِهِ أَفَادَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ جَعْلُ الصَّعِيدِ مَمْسُوحًا وَالْعُضْوَيْنِ آلَتَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ وَكَذَا يَجُوزُ بِالْغُبَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّعِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ كَأَنْ يَكُونَ فِي وَحْلٍ وَرَدْغَةٍ بِسَفَرٍ أَوْ بِحَرٍّ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَاءَ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَفِي أُخْرَى لَا يَجُوزُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَتَيَمَّمُ بِهِ وَيُعِيدُ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تُرَابٌ خَالِصٌ أَوْ غَالِبٌ أَوْ لَا، فَعِنْدَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ إذْ لَمْ يُفَارِقْهُ إلَّا بِمُمَازَجَةِ الْهَوَاءِ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ إلَخْ) هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً، وَلَيْسَ
[ ١٢٩ ]
أَوْ جَعَلَ طَهُورًا فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَالْمَاءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا مَرَّ
الْمَقْصُودُ فِي النَّصِّ الْخِطَابُ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ فَيَمْسَحُ بِهِ الْعُضْوَيْنِ وَإِلَّا لَكَانَتْ النِّيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ تِلْكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ قَصَدَهُ لِلْمَسْحِ لَمْ تَكُنْ الْمُعْتَبَرَةُ فَضْلًا عَمَّا هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَهُ فَيُرَتِّبَ عَلَى قَصْدِهِ ذَلِكَ الْمَسْحَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ لَفْظَ التَّيَمُّمِ وَهُوَ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ، وَالْأَصْلُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنْبِئُ عَنْهُ مِنْ الْمَعَانِي عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: النِّيَّةُ الْمَشْرُوطَةُ هِيَ نِيَّةُ التَّطْهِيرِ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى.
وَمَا زَادَهُ غَيْرُهُ مِنْ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُنَافِيه إذْ يَتَضَمَّنُ نِيَّةَ التَّطْهِيرِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِلْقِرَاءَةِ وَلَوْ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ مَسَّهُ أَوْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ دَفْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ أَوْ السَّلَامِ أَوْ رَدِّهِ أَوْ الْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إلَّا مَنْ شَذَّ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلْخِيُّ مَعَ وُجُودِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الْحَاصِلِ نَوَى التَّيَمُّمَ لِكَذَا، فَعَلِمْنَا أَنَّ نِيَّةَ نَفْسِ الْفِعْلِ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ بَلْ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْمَقْصُودَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَلِلصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةَ التِّلَاوَةِ. نَعَمْ رُوِيَ فِي النَّوَادِرِ: لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ يَنْوِي التَّيَمُّمَ جَازَ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ يَجُوزُ، فَعَلَى هَاتَيْنِ تُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لَكِنَّهُ غَيْرُ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ يُرِيدُ بِهِ تَعْلِيمَ الْغَيْرِ دُونَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا أَنْبَأَ عَنْ قَصْدٍ هُوَ غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ نِيَّةً فَلَا يَكُونُ النَّصُّ بِذَلِكَ مُوجِبًا لِلنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، أَلَا يَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ يُنَبِّئُ عَنْ الْإِرَادَةِ حَتَّى اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ شَرَطَ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ لِلصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ اتِّفَاقًا وَالْغَسْلُ وَقَعَ جَزَاءً لِذَلِكَ وَالْجَزَاءُ مُسَبَّبٌ عَنْ الشَّرْطِ فَيُفِيدُ وُجُوبَ الْغَسْل لِأَجَلِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ التَّحْقِيقُ عَدَمَ إفَادَتِهِ وُجُوبِهَا، وَالْكَلَامُ الْمَذْكُورُ تَمْوِيهٌ إذْ الْمُفَادُ بِالتَّرْكِيبِ مَعَ الْمُقَدَّرِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لِأَجَلِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ لَا إيجَابَ أَنْ يُغْسَلَ لِأَجَلِ الصَّلَاةِ، إذْ عَقْدُ الْجَزَاءِ الْوَاقِعَ طَلَبًا بِالشَّرْطِ يُفِيدُ طَلَبَ مَضْمُونِ الْجَزَاءِ إذَا تَحَقَّقَ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وَأَنَّ وُجُوبَهُ اُعْتُبِرَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ فَأَيْنَ طَلَبَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ هُوَ فِعْلُهُ عَلَى قَصْدِ كَوْنِهِ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ فَتَأَمَّلْ، وَلَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ حَتَّى لَمْ يُكَافِئْهُ بِالْجَوَابِ. فَإِنْ قُلْت: ذَكَرْت أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِرَدِّ السَّلَامِ لَا تُصَحِّحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ مَعَ «أَنَّهُ ﷺ تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ» عَلَى مَا أَسْلَفْته فِي الْأَوَّلِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قَصْدَ رَدِّ السَّلَامِ بِالتَّيَمُّمِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ نَوَى عِنْدَ فِعْلِ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمَ لَهُ، بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ نَوَى مَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّيَمُّمُ ثُمَّ يَرُدُّ السَّلَامَ إذَا صَارَ طَاهِرًا (قَوْلُهُ أَوْ جُعِلَ طَهُورًا فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ) إنْ أَرَادَ حَالَةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَيَانِ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْكِتَابِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ مُرَادَةٌ فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ
[ ١٣٠ ]
(ثُمَّ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ أَوْ لِلْجَنَابَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(فَإِنْ تَيَمَّمَ نَصْرَانِيٌّ يُرِيدُ بِهِ الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ مُتَيَمِّمٌ) لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ. وَلَهُمَا أَنَّ التُّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إلَّا فِي حَالِ إرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَالْإِسْلَامُ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ تَصِحُّ بِدُونِهَا
عَلَيْهَا جُمْلَةُ التَّيَمُّمِ: أَعْنِي آيَةَ الْوُضُوءِ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلَى آخَرِ آيَةِ التَّيَمُّمِ عَطْفٌ عَلَيْهَا، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت أَنْ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إيجَابَ النِّيَّةِ وَلَا نَفْيِهَا، وَأَمَّا جَعْلُ الْمَاءِ طَهُورًا بِنَفْسِهِ مُسْتَفَادًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، إذْ كَوْنُ الْمَقْصُودِ مِنْ إنْزَالِهِ التَّطْهِيرَ بِهِ وَتَسْمِيَتُهُ طَهُورًا لَا يُفِيدُ اعْتِبَارَهُ مُطَهِّرًا بِنَفْسِهِ: أَيْ رَافِعًا لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ بِلَا نِيَّةٍ، بِخِلَافِ إزَالَتِهِ الْخَبَثَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْسُوسٌ أَنَّهُ مُقْتَضَى طَبْعِهِ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ إزَالَتِهِ حِسًّا صِفَةً مَحْسُوسَةً وَبَيْنَ كَوْنِهِ يَرْتَفِعُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ: أَعْنِي الْحَدَثَ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِ طَهُورٍ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَالْمُفَادُ مِنْ لِيُطَهِّرَكُمْ كَوْنُ الْمَقْصُودِ مِنْ إنْزَالِهِ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَهَذَا يَصْدُقُ مَعَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَدَمُهُ كَمَا قُلْنَا، وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى أَخَصَّ بِخُصُوصِهِ.
وَالْحَاصِلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّلَالَةِ لَفْظًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ النِّيَّةِ وَعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِهَا وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الْآيَةِ، فَرَجَعَ إسْنَادُ عَدَمِ وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ إلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا وَعَدْنَاهُ فِي سُنَنِ الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُ يُشْتَرَطُ، قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا تَيَمَّمَ يُرِيدُ الْوُضُوءَ أَجْزَأَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَنْ الْجَنَابَةِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً) يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ تَصِحُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا حَتَّى لَا يُصَلِّيَ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُصَحِّحُ مِنْهُ تَيَمُّمًا إلَّا لِلْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَالْإِسْلَامُ قُرْبَةٌ تَصِحُّ بِدُونِهَا) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ صَحَّ عِنْدَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[ ١٣١ ]
بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ تَوَضَّأَ لَا يُرِيدُ بِهِ الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ مُتَوَضِّئٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ.
(فَإِنْ تَيَمَّمَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِيه فَيَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ. وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ صِفَةُ كَوْنِهِ طَاهِرًا فَاعْتِرَاضُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيه كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا لَا يُصَحِّحَانِ مِنْهُ تَيَمُّمًا أَصْلًا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ النِّيَّةِ مِنْهُ فَمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ النِّيَّةَ تُصَيِّرُ الْفِعْلَ مُنْتَهِضًا سَبَبًا لِلثَّوَابِ، وَلَا فِعْلَ يَقَعُ مِنْ الْكَافِرِ كَذَلِكَ حَالَ الْكُفْرِ وَلِذَا صَحَّحُوا وُضُوءَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ الشَّافِعِيُّ لَمَّا افْتَقَرَ إلَيْهَا عِنْدَهُ.
وَقَدْ رَجَعَ الْمُصَنِّفُ إلَى التَّحْقِيقِ فِي التَّعْلِيلِ فِي جَوَابِ زُفَرَ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ لِانْعِدَامِ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا قُرْبَةً مَقْصُودَةً هُنَا كَوْنُهَا مَشْرُوعَةٌ ابْتِدَاءً يُعْقَلُ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْأُصُولِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ فَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لَعَيْنِهَا بَلْ لِإِظْهَارِ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَنْكِفِينَ مِنْ الْكُفَّارِ بِإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ وَالِانْقِيَادِ لِلَّهِ ﷾، وَلِذَا أُدِّيَتْ فِي ضَمِنَ الرُّكُوعِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ فَيَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ) فَكَمَا لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ كَافِرٌ لَا يَصِحُّ بَقَاؤُهُ مَعَ الْكُفْرِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، كَمَا يُمْنَعُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ يُمْنَعُ بَقَاؤُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ صَغِيرَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا الْمَرْأَةُ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ، أَوْ كَبِيرِينَ فَمَكَّنَتْ الزَّوْجَةُ ابْنَ زَوْجِهَا ارْتَفَعَ بَعْدَ الثُّبُوتِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مُنَافِيَةٍ الْحُكْمَ يَسْتَوِي فِيهَا الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ بِالنَّصِّ كَبَقَاءِ الصَّلَاةِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ حَتَّى جَازَ الْبِنَاءُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ لَزُفَرَ لَا يَسْتَلْزِمُ بِنَاءَهُ عَلَى حَبْطِ الْعَمَلِ بِالْكُفْرِ لِيَحْتَاجَ إلَى جَوَابِهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى بَعْدَ قَلِيلِ تَأَمُّلٍ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ) حَاصِلُهُ تَسْلِيمُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وَمَنْعُ صِدْقِهِ
[ ١٣٢ ]
مِنْ الْكَافِرِ ابْتِدَاءٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ.
(وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فَأَخَذَ حُكْمَهُ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ،
فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، أَفَادَ هَذَا إدْخَالُ اللَّامَ فِي الْبَاقِي: أَيْ لَيْسَ التَّيَمُّمُ نَفْسُهُ بَاقِيًا لِيَرْتَفِعَ بِوُرُودِ الْكُفْرِ، بَلْ الْبَاقِي صِفَةُ الطَّهَارَةِ الَّتِي أَوْجَبَهَا، وَهَذِهِ لَا يَرْفَعُهَا شَرْعًا إلَّا الْحَدَثُ، وَلِذَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَى الصِّفَةِ الْكَائِنَةِ عَنْ الْوُضُوءِ لَمْ يَرْفَعْهَا وَهِيَ مِثْلُهَا.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَظِنَّةَ أَنْ يُقَالَ الْبَقَاءُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ مِنْ النِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ لَيْسَ إلَّا بَقَاءَ آثَارِهَا فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ بَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ لَيْسَ إلَّا الْأَثَرَ مِنْ الْحِلِّ وَالْمِلْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بَقَاءً لَهَا حَتَّى انْتَفَتْ بِوُرُودِ مَا يَنْفِي ابْتِدَاءَهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فَبَقَاءُ الصِّفَةِ حِينَئِذٍ بَقَاءُ التَّيَمُّمِ وَيَلْزَمُ مَا قُلْته، زَادَ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ ابْتِدَاءٌ لِانْعِدَامِ النِّيَّةِ مِنْهُ وَهَذَا يُحَوِّلُ التَّقْرِيرَ عَنْ وُجْهَتِهِ الْأُولَى، هَكَذَا التَّيَمُّمُ نَفْسُهُ لَا يُنَافِيه الْكُفْرُ وَإِنَّمَا يُنَافِي شَرْطَهُ وَهُوَ النِّيَّةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الِابْتِدَاءِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ وَتَحَقَّقَ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ، فَالصِّفَةُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَهُ لَوْ اُعْتُبِرَتْ كَنَفْسِهِ لَا يَرْفَعُهَا الْكُفْرُ لِأَنَّ الْبَاقِيَ حِينَئِذٍ حُكْمًا لَيْسَ هُوَ النِّيَّةُ.
(قَوْلُهُ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» وَمُقْتَضَاهُ خُرُوجُ ذَلِكَ التُّرَابِ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ، وَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ أَثَرِهِ مِنْ طَهَارَةِ الرَّجُلِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَطْعَ الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ طَهُورِيَّةُ التُّرَابِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ مُقْتَصَرًا فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إذْ لَوْ اسْتَنَدَ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ السَّابِقَةِ، وَمَا قِيلَ إنَّهُ وَصْفٌ يَرْجِعُ إلَى الْمَحِلِّ فَيَسْتَوِي فِيهِ
[ ١٣٣ ]
وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ وَالْعَطَشِ عَاجِزٌ حُكْمًا وَالنَّائِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَادِرٌ تَقْدِيرًا، حَتَّى لَوْ مَرَّ النَّائِمُ الْمُتَيَمِّمُ عَلَى الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِمَا دُونَهُ ابْتِدَاءً فَكَذَا انْتِهَاءً
الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ لَا يُفِيدُ دَفْعًا وَلَا يَمَسُّهُ، وَالْأَوْجَهُ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ «فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» وَفِي إطْلَاقِهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ تَخْصِيصِ النَّاقِضِيَّةِ بِالْوُجْدَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ﵃ (قَوْلُهُ وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ وَالْعَطَشِ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ رَقِيقِهِ عَاجِزٌ حُكْمًا فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَكَذَا إذَا خَافَ الْجُوعَ بِأَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الْمَاءِ لِلْعَجِينِ، أَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْمَرَقَةِ فَلَا يَتَيَمَّمُ، لَكِنْ هَلْ يُعِيدُ إذَا أَمِنَ بِالْوُضُوءِ؟ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قُلْت جَازَ أَنْ تَجِبَ الْإِعَادَةُ عَلَى الْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْوُضُوءِ لِأَنَّ الْعُذْرَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ اهـ.
يَعْنِي وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعُذْرِ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَمِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَيُوجِبُونَ فِي الثَّانِي، وَلِذَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَحْبُوسِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ خُلَّصِ، وَقِيلَ فِيمَنْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْ الْوُضُوءِ بِوَعِيدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّي وَيُعِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: الْأَسِيرُ مَنَعَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ يَتَيَمَّمُ وَيُومِئُ وَيُعِيدُ وَكَذَا الْمُقَيَّدُ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت بِخِلَافِ الْخَائِفِ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْخَوْفَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَنَصَّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَالنَّائِمُ) أَيْ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ تُوجِبُ النَّقْضَ كَالنَّائِمِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا إذَا مَرَّ عَلَى مَاءٍ مَقْدُورِ الِاسْتِعْمَالِ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَعَنْ ذَلِكَ عَبَّرَ فِي الْمَجْمَعِ بِالنَّاعِسِ.
قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ لَا يُنْتَقَضَ عِنْدَ الْكُلِّ، لِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ وَبِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ فَكَذَا هَذَا. وَفِي زِيَادَاتِ الْحَلْوَانِيِّ قَالَ: فِي انْتِقَاضِ تَيَمُّمِهِ رِوَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي وَجْهِ الِانْتِقَاضِ عِنْدَهُ الشَّرْعُ إنْ اُعْتُبِرَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ النَّوْمِ يَقَظَةً كَانَ كَالْيَقْظَانِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ يَقَظَةً كَانَ هَذَا نَوْمًا لَمْ يَلْحَقْ بِالْيَقَظَةِ، وَكُلُّ نَوْمٍ لَمْ يَلْحَقْ بِهَا شَرْعًا فَهُوَ حَدَثٌ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَلَنَا أَنْ نَخْتَارَ الْأَوَّلَ وَلَا يُفِيدُهُ، فَإِنَّ الْيَقْظَانَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَاءِ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَفِي التَّجْنِيسِ: صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَفِي جَنْبِهِ بِئْرٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ جَازَ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْإِدَاوَةِ الْمُعَلَّقَةِ فِي عُنُقِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ إذْ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ.
وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
فَإِذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فِي الْمُسْتَيْقِظِ حَقِيقَةً عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ، فَكَيْفَ يَقُولُ فِي النَّائِمِ حَقِيقَةً بِانْتِقَاضِ تَيَمُّمِهِ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ) مِنْ الْمَاءِ: يَعْنِيَ الْمَاءَ فِي قَوْلِهِ وَيَنْقُضُهُ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مَا يَكْفِي، فَلَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ مَاءً فَتَوَضَّأَ بِهِ فَنَقَصَ عَنْ
[ ١٣٤ ]
(وَلَا يُتَيَمَّمُ إلَّا بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ) لِأَنَّ الطَّيِّبَ أُرِيدَ بِهِ الطَّاهِرَ فِي النَّصِّ وَلِأَنَّهُ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَهَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ كَالْمَاءِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِعَادِمِ الْمَاءِ وَهُوَ يَرْجُوهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخَرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ تَوَضَّأَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى
إحْدَى رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ، أَوْ مَرَّةً لَا يَنْتَقِضُ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ وَجَدَ مَا يَكْفِيه، إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَدْنَى مَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ كَفَاهُ بِخِلَافِ الثَّانِي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَإِنْ قَلَّ حَتَّى يَسْتَعْمِلَهُ فَيُفْنِيه فَحِينَئِذٍ يَتَيَمَّمُ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يُفِيدُهُ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَصَارَ كَمَا إذَا وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِإِزَالَةِ بَعْضِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ ثَوْبًا يَسْتُرُ بَعْضَ عَوْرَتِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمُرَادَ فِي النَّصِّ مَاءً يَكْفِي لِإِزَالَةِ الْمَانِعِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَالْمَسْحِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ نَقَلَ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَاغْسِلُوا وَامْسَحُوا بِالْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً تَغْسِلُونَ بِهِ وَتَمْسَحُونَ مَا عَيَّنْته عَلَيْكُمْ فَتَيَمَّمُوا.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْعَوْرَةِ فَاسِدٌ لِأَنَّهُمَا يَتَجَزَّءَانِ فَيُفِيدُ إلْزَامَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْقَلِيلِ لِلتَّقْلِيلِ، وَلَا يُفِيدُ هُنَا إذْ لَا يَتَجَزَّأُ هُنَا بَلْ الْحَدَثُ قَائِمٌ مَا بَقِيَ أَدْنَى لَمْعَةٌ فَيَبْقَى مُجَرَّدُ إضَاعَةِ مَالٍ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ عِزَّتِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ كَمَا هُوَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْقُدْرَةِ أَعَمُّ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ، حَتَّى لَوْ رَأَى مَاءً فِي حَبٍّ لَا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ قُدْرَةٌ حِسِّيَّةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلشُّرْبِ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ وَجَبَ الْقَبُولُ وَانْتَقَضَ التَّيَمُّمُ، وَلَوْ وَجَدَ جَمَاعَةً مِنْ الْمُتَيَمِّمِينَ مَاءً مُبَاحًا يَكْفِي أَحَدَهُمْ انْتَقَضَ تَيَمُّمُ الْكُلِّ لِقُدْرَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ لِتَحَقُّقِ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وُهِبَ لَهُمْ بِأَنْ قَالَ صَاحِبُ الْمَاءِ هَذَا لَكُمْ أَوْ بَيْنَكُمْ فَقَبَضُوهُ حَيْثُ لَا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَا يُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمْ مَا يَكْفِيه عَلَى قَوْلِهِمَا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْهِبَةُ لِلشُّيُوعِ، فَلَوْ أَذِنُوا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إذْنُهُمْ لِفَسَادِ الْهِبَةِ، وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ، فَيُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْوَاهِبُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ دُونَهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَ إمَامًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ سَأَلَهُ الْإِمَامُ فَأَعْطَاهُ تَفْسُدُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى قَادِرًا عَلَى الْمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ فَرَّعُوا لَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ فَطَلَعَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مَعَهُ مَاءٌ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُعْطِيه بَطَلَتْ قَبْلَ السُّؤَالِ، وَإِنْ غَلَبَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ يَمْضِي ثُمَّ يَسْأَلُهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَلَوْ بَيْعًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَنَحْوِهِ أَعَادَ وَإِلَّا فَهِيَ تَامَّةٌ. وَكَذَا لَوْ أَعْطَاهُ بَعْدَ الْمَنْعِ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ هُنَا لِصَلَاةٍ أُخْرَى، وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ فَسَادِ الصَّلَاةِ فِي صُورَةِ سُؤَالِ الْإِمَامِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى حَالَةِ الْإِشْكَالِ أَوْ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ عِنْدَ غَلَبَةِ ظَنِّ عَدَمِ الْإِعْطَاءِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بَعْدُ إعْطَاؤُهُ.
[فَرْعٌ]
يُبْتَلَى الْحَاجُّ بِحَمْلِ مَاءِ زَمْزَمَ لِلْهَدِيَّةِ وَيَرْصُصُ رَأْسَ الْقُمْقُمَةِ فَمَا لَمْ يَخَفْ الْعَطَشَ وَنَحْوَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: وَالْحِيلَةِ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَوْدِعُهُ مِنْهُ. وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمَاءَ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ لِذَلِكَ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْحَبِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ) ظَاهِرٌ حُكْمًا وَدَلِيلًا وَانْبَنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ بِغُبَارِ ثَوْبٍ نَجِسٍ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَقَعَ
[ ١٣٥ ]
لِيَقَعَ الْأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ فَصَارَ كَالطَّامِعِ فِي الْجَمَاعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقِّقِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ)
ذَلِكَ الْغُبَارُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ، وَهَلْ يَأْخُذُ التُّرَابُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ؟ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا لَوْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ مِنْ مَكَانٍ فَوَضْع آخِرَ يَدِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ، وَالْمُسْتَعْمَلُ هُوَ التُّرَابُ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِي الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ تَصَوَّرَ اسْتِعْمَالِهِ وَكَوْنِهِ بِأَنْ يَمْسَحَ الذِّرَاعَيْنِ بِالضَّرْبَةِ الَّتِي مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ لَيْسَ غَيْرُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقِّقِ) مَعَ قَوْلِهِ فِي وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلُهُ مَعَ أَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْعُمْرَانَاتِ وَفِي الْفَلَاةِ إذَا أُخْبِرَ بِقُرْبِ الْمَاءِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الطَّلَبِ اعْتِبَارًا لِغَالِبِ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
[ ١٣٦ ]
إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ.
، (وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ مَا بَقِيَ شَرْطُهُ.
لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ خِلَافُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ جَازَ التَّيَمُّمُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ عَلَى تَيَقُّنٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ غَالِبُ ظَنِّهِ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِر الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى، إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِقْدَارُ مِيلٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَلَكِنْ يَخَافُ الْفَوْتَ لَا يَتَيَمَّمُ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ يُجِيزُ النَّوَافِلَ الْمُتَعَدِّدَةَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ تَبَعِيَّةً لِلْفَرْضِ، وَالْخِلَافُ يُبْنَى تَارَةً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ عِنْدَنَا، مُبِيحٌ عِنْدَهُ لَا رَافِعٌ، وَتَارَةً عَلَى أَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَهُ مُطْلَقَةٌ عِنْدَنَا كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
وَيُدْفَعُ مَبْنَاهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَدَثِ مَانِعِيَّةً عَنْ الصَّلَاةِ شَرْعِيَّةً لَا يَشْكُلُ مَعَهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِارْتِفَاعِ ذَلِكَ الْمَنْعِ بِهِ وَهُوَ الْحَقُّ إذْ لَمْ يَقُمْ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَتَغَيُّرُ الْمَاءِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَهُ نَازِلًا عَنْ وَصْفِهِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةِ إسْقَاطِ الْفَرْضِ لَا بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ وَصْفٍ حَقِيقِيٍّ مُدَنِّسٍ، وَيُدْفَعُ الثَّانِي بِأَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ ﷺ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ الْخَصَائِصِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» يُرِيدُ مُطَهِّرًا وَإِلَّا لَمَا تَحَقَّقَتْ الْخُصُوصِيَّةُ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ثَابِتَةٌ، وَإِذَا كَانَ مُطَهِّرًا فَتَبْقَى طَهَارَتُهُ إلَى وُجُودِ غَايَتِهَا مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ نَاقِضٍ آخَرَ.
وَقَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ طَهُورِيَّتِهِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَذَلِكَ أَفَادَتْهُ الطَّهَارَةُ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ بَلْ فِي بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ الْمُفَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَرْضٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَلَنَا أَنْ نُثْبِتَ نَفْيَهُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهِ ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِمَنْعٍ مُرَدَّدٍ إنْ سَلِمَ، وَهُوَ إنْ أَرَدْت أَنَّهَا اُعْتُبِرَتْ ضَرُورَةَ الْمَكْتُوبَةِ الْوَاحِدَةِ فَقَطْ مَنَعْنَاهُ بَلْ ضَرُورَةُ تَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا، وَلِهَذَا أَجَازَ هُوَ النَّوَافِلَ الْكَثِيرَةَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ، فَعَلِمَ أَنَّ اعْتِبَارَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ تَكْثِيرٌ لِأَبْوَابِ الْخَيْرَاتِ إرَادَةٌ لِإِفَاضَةِ كَرَمِهِ، أَلَّا يَرَى أَنَّهُ أَبَاحَ النَّفَلَ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ فَوَاتِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ فِيهَا وَلَا ضَرُورَةَ إلَّا
[ ١٣٧ ]
(وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي الْمِصْرِ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ) لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ (وَكَذَا مَنْ حَضَرَ الْعِيدَ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ يَفُوتَهُ الْعِيدُ يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ. وَقَوْلُهُ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الْإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُقْتَدِي فِي صَلَاةِ الْعِيدِ تَيَمَّمَ وَبَنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: لَا يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّ اللَّاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَلَا يَخَافُ الْفَوْتَ. وَلَهُ أَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيه
الْحَاجَةُ الْقَائِمَةُ بِالْعَبْدِ لِزِيَادَةِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ فَضْلِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ اُبْتُنِيَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَمَنَعَهُ وَأَجَزْنَاهُ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ صَلَاتِهِ بَطَلَ أَوْ بَعْدَ السَّلَامِ تَمَّتْ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ هَلْ يُخْرِجُهُ سَلَامُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَعِنْدَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ، وَإِنَّ أَرَدْت غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ إبْدَائِهِ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ إلَخْ) مَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ تَيَمُّمٌ مَعَ عَدَمِ شَرْطِهِ.
قُلْنَا مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ عَاجِزٌ عَنْ الْوُضُوءِ لَهَا فَيَجُوزُ، أَمَّا الْأَوْلَى فَلِأَنَّ تَعَلُّقَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْعُمُومِ غَيْرَ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَبِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ، وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، وَذَكَرَهُ مَشَايِخُنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَوْلُهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ الْحَسَنِ إلَخْ) احْتِرَازٌ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا لِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِيهَا مَكْرُوهٌ، ثُمَّ لَوْ صَلَّى بِهِ فَحَضَرَتْ أُخْرَى خَافَ فَوْتَهَا كَذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ قَالَ: انْتَهَتْ تِلْكَ بِانْتِهَاءِ الضَّرُورَةِ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ أُخْرَى.
وَقَالَا: وَقَعَ مُعْتَدًّا بِهِ لِتِلْكَ وَهَذِهِ مِثْلُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَجَازَتْ بِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ بَيْنَ
[ ١٣٨ ]
عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا شَرَعَ بِالْوُضُوءِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَيَفْسُدُ.
(وَلَا يَتَيَمَّمُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ صَلَّاهَا وَإِلَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا) لِأَنَّهَا تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظُّهْرُ بِخِلَافِ الْعِيدِ (وَكَذَا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) لِأَنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ.
الْجِنَازَتَيْنِ وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ الْوُضُوءُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ كَانَ شُرِعَ بِالتَّيَمُّمِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْوُضُوءَ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَاحِقٌ فَلَا فَوْتَ عَلَيْهِ كَانَ هَذَا الْإِيجَابُ فَرْعَ الْحُكْمِ شَرْعًا بِوُجُودِ الْمَاءِ، إذْ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مَعَ حُكْمِ الشَّرْعِ بِعَدَمِ الْمَاءِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ يُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ وَاجِدٌ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ وَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ، إذْ لَا فَصْلَ بَيْنَ زَمَانِهِ وَمَا قَبْلَهُ بِشَيْءٍ أَصْلًا. وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ الْحُكْمَ شَرْعًا بِالْعَدَمِ السَّابِقِ بِنَاءً عَلَى خَوْفِ الْفَوْتِ وَقَدْ زَالَ بِسَبْقِ الْحَدَثِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ الِاعْتِبَارُ الشَّرْعِيُّ فَيُعَدُّ قَبْلَ السَّبْقِ عَادِمًا وَبَعْدَهُ وَاجِدًا.
وَقِيلَ فِي التَّعْلِيلِ: لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَيَقَعُ الْفَوَاتُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ الِانْتِقَاضُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ لِأَنَّ انْتِقَاضَ التَّيَمُّمِ قَدْ وُجِدَ قَبْلَهُ بِسَبْقِ الْحَدَثِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ وَعَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ مَا إذَا خَافَ: أَيْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ وَعَدَمِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ يَرْجُو الْإِدْرَاكَ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ عُرُوضِ الْمُفْسِدِ لَا يَتَيَمَّمُ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ) بَلْ يَتَوَضَّأُ وَيَقْضِيهَا خِلَافًا لَزُفَرَ.
لَهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يُشْرَعْ
[ ١٣٩ ]
(وَالْمُسَافِرُ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُعِيدُهَا) وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءً لَهُ أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ، وَلِأَنَّ رَحْلَ الْمُسَافِرِ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ عَادَةً فَيُفْتَرَضُ الطَّلَبُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشُّرْبِ لَا لِلِاسْتِعْمَالِ،
إلَّا لِتَحْصِيلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَوْلُهُمْ إنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ كَلَا فَوَاتَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ لَهُمْ سِوَى أَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يُوجِبُ التَّرْخِيصَ عَلَيْهِ وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا أُخِّرَ لَا لِعُذْرٍ
(قَوْلُهُ وَالْمُسَافِرُ إلَخْ) اللَّامُ فِي الْمَاءِ لِلْعَهْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَافِرِ، إذْ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرُهُ بِعِلْمِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ عَهْدُهُ بِهِ، وَقُيِّدَ بِالنِّسْيَانِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ فَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ فَنِيَ فَلَا خِلَافَ، بَلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْإِعَادَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ مَدْرَكَانِ الْأَوَّلُ نِسْيَانُ مَاءِ الرَّحْلِ نِسْيَانُ مَا لَا يُنْسَى عَادَةً لِقُوَّةِ ثَبَاتِ صُورَتِهِ فِي النَّفْسِ بِشِدَّةِ تَشَبُّثِهَا بِهِ فِي الْأَسْفَارِ لِعِزَّةِ الْمَاءِ فِيهَا فَصَارَ كَنِسْيَانِ إدَاوَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي عُنُقِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ مُقَدَّمِ إكَافِ مَرْكُوبِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ وَهُوَ سَائِقٌ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ مُقَدَّمَهُ وَهُوَ سَائِقٌ أَوْ مُؤَخَّرَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ قَائِدٌ.
الثَّانِي إلْحَاقُ الرَّحْلِ بِالْعُمْرَانِ وَإِخْبَارُ الْمُخْبِرِ وَوُجُودُ طَيْرٍ وَوَحْشٍ بِجَامِعِ وُجُودِ دَلِيلِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مَعْدِنُهُ فَيَجِبُ الطَّلَبُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَلِذَا وَجَبَتْ
[ ١٤٠ ]
وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَفَرَضَ السِّتْرَ يَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ.
(وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ طَلَبُ الْمَاءِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءٌ) لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْوُجُودِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هُنَاكَ مَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ حَتَّى يَطْلُبَهُ) لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ، ثُمَّ يَطْلُبُ مِقْدَارَ الْغَلْوَةِ وَلَا يَبْلُغُ مِيلًا كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ طَلَبَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَنْعِ غَالِبًا، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ تَيَمَّمَ لَتَحَقُّقِ الْعَجْزِ (وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَقَالَا لَا يُجْزِيه لِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً
الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عُرْيَانًا أَوْ بِنَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ نَاسِيًا الْمَاءَ وَالثَّوْبَ الطَّاهِرَ فِي رَحْلِهِ لِوُجُودِ عِلَّةِ اشْتِرَاطِ الطَّاهِرِ، فَقَوْلُهُمَا لَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا يُفِيدُ بَعْدَ هَذَا التَّقْرِيرِ لِثُبُوتِ الْعِلْمِ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ الْكُلُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمُلْحَقِ بِهَا، وَالْمُفِيدُ لَيْسَ إلَّا مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ: أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّحْلَ دَلِيلُ الْمَاءِ الَّذِي ثُبُوتُهُ يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ: أَعْنِي مَاءَ الِاسْتِعْمَالِ، بَلْ الشُّرْبُ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الشُّرْبِ، وَعَلَى هَذَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، فَرَحْلُ الْمُسَافِرِ دَلِيلُ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِوَضْعِهِ مَعَ سَائِرِ أَمْتِعَتِهِ فِيهِ لَا دَلِيلَ مَاءِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ادِّعَاءِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الثَّوْبِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ، لَكِنَّهُ يُشْكِلُ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَ الرَّحْلَ فِيهَا دَلِيلُ مَاءِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ فَرْضَ السِّتْرِ وَإِزَالَةَ النَّجَاسَةِ فَاتَ لَا إلَى خَلَفٍ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لَا يُثْلِجُ الْخَاطِرَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لِأَنَّ فَوَاتَ الْأَصْلِ إلَى خَلَفٍ لَا يَجُوزَ الْخَلَفَ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ، بَلْ إذَا فَقَدَ شَرْطَهُ مَعَ فَوَاتِ الْأَصْلِ يَصِيرُ فَاقِدًا لِلطَّهُورَيْنِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ وَهُوَ التَّأْخِيرُ عِنْدَهُ وَالتَّشَبُّهُ عِنْدَهُمَا بِالْمُصَلَّيْنَ، وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ أَبَا حَنِيفَةَ فِي التَّأْخِيرِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ) لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَاءِ بِمِلْكِهِ
[ ١٤١ ]
(وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَعِنْدَهُ ثَمَنُهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ) لَتَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِأَنَّ الضَّرَرَ مُسْقِطٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَوْ بِمِلْكِ بَدَلِهِ إذَا كَانَ يُبَاعُ أَوْ بِالْإِبَاحَةِ، أَمَّا مَعَ مِلْكِ الرَّفِيقِ فَلَا لِأَنَّ الْمِلْكَ حَاجِزٌ فَثَبَتَ الْعَجْزُ.
وَعَنْ الْجَصَّاصِ: لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، فَمُرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنْعُهُ، وَمُرَادُهُمَا إذَا ظَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ لِثُبُوتِ الْقُدْرَةِ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْمَاءِ لَا فِي غَيْرِهِ عِنْدَهُ، فَلَوْ قَالَ انْتَظِرْ حَتَّى أَفْرُغَ وَأُعْطِيَك الْمَاءَ وَجَبَ الِانْتِظَارُ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ لَا، فَلَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ دَلْوٌ وَلَيْسَ مَعَهُ لَهُ أَنْ يُتَيَمَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عِنْدَهُ وَلَوْ سَأَلَهُ فَقَالَ انْتَظِرْ حَتَّى أَسْتَقِيَ اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَوَاتَ، وَعِنْدَهُمَا يَنْتَظِرُهُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ ثَوْبٌ وَهُوَ عُرْيَانُ فَقَالَ انْتَظِرْ حَتَّى أُصَلِّيَ وَأَدْفَعُهُ إلَيْك.
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبَحْت لَك مَالِي لِتَحُجَّ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْمِلْكُ وَهُنَا الْقُدْرَةُ (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ لَا يَبِيعُ إلَّا بِضَعْفِ الْقِيمَةِ فَهُوَ غَالٍ، وَقِيلَ أَنْ يُسَاوِيَ دِرْهَمًا فَيَأْبَى إلَّا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فِي الْوُضُوءِ وَبِدِرْهَمَيْنِ فِي الْجَنَابَةِ، وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
[فَرْعٌ]
لَا تَلْفِيقَ عِنْدَنَا فِي إقَامَةِ طَهَارَةٍ بَيْنَ الْآلَتَيْنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ شَرْطَ عَمَلِ التُّرَابِ شَرْعًا عَدَمُ الْأَصْلِ، مَثَلًا جُنُبٌ أَكْثَرُ بَدَنِهِ مَجْرُوحٌ تَيَمَّمَ فَقَطْ وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ الْأَكْثَرَ صَحِيحًا يَغْسِلُ الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ إنْ لَمْ يَضُرُّهُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِرْقَةِ، فَلَوْ اسْتَوَيَا لَا رِوَايَةَ فِيهِ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ أَصْلًا، وَقِيلَ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْبَاقِي، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَالْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، مِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ عَدَدِ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ فِي نَفْسِ كُلِّ عُضْوٍ، فَلَوْ كَانَ بِرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ جِرَاحَةٌ وَالرِّجْلُ لَا جِرَاحَةَ بِهَا يَتَيَمَّمُ سَوَاءً كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْجَرِيحَةِ جَرِيحًا أَوْ صَحِيحًا، وَالْآخَرُونَ قَالُوا: إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ جَرِيحًا فَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ التَّيَمُّمُ وَإِلَّا فَلَا.
[ ١٤٢ ]