(أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ)
لَا يَضُرُّهُ يَجُوزُ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ الْمَجْرُوحَةِ صَارَتْ كَالذَّاهِبَةِ، هَذَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى الصَّحِيحَةِ لَا غَيْرَ، فَإِنْ لَبِسَ عَلَى الْجَرِيحَةِ أَيْضًا بَعْدَمَا مَسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا كَغَسْلِ مَا تَحْتَهَا.
(بَابُ الْحَيْضِ)
قِيلَ هُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الدَّاءِ وَالصِّغَرِ، فَقَيْدُ الرَّحِمِ يُخْرِجُ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْجِرَاحِ، وَالسَّلِيمَةُ مِنْ الدَّاءِ يُخْرِجُ النِّفَاسَ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ وَلِذَا اُعْتُبِرَ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ، وَحِينَئِذٍ لَفْظُ الصِّغَرِ مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ الْخَارِجَ فِي الصِّغَرِ اسْتِحَاضَةٌ، وَقَدْ خَرَجَ بِالرَّحِمِ لِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا رَحِمَ، وَأَيْضًا يَتَكَرَّرُ إخْرَاجُ الِاسْتِحَاضَةِ لِأَنَّ السَّلِيمَةَ مِنْ الدَّاءِ يُخْرِجُهُ كَمَا يُخْرِجُهُ الْأَوَّلُ، وَتَعْرِيفُهُ بِلَا اسْتِدْرَاكٍ وَلَا تَكَرُّرِ دَمٍ مِنْ الرَّحِمِ لَا لِوِلَادَةٍ، ثُمَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْحَيْضِ خَبَثٌ، أَمَّا إنْ كَانَ مُسَمَّاهُ الْحَدَثُ الْكَائِنُ عَنْ الدَّمِ الْمُحَرِّمِ لِلتِّلَاوَةِ وَالْمَسِّ كَاسْمِ الْجَنَابَةِ لِلْحَدَثِ الْخَاصِّ لَا لِلْمَاءِ الْخَاصِّ، فَتَعْرِيفُهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ عَمَّا اشْتَرَطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَعَنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ وَالْقُرْبَانِ وَالْمُعَرِّفُ لِخُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ بَعْدَ خُرُوجِهِ حِسًّا مِنْ الْفَرْجِ مَعَ عَدَمِ الصِّغَرِ وَالْحَبَلِ تَقَدَّمَ نِصَابُ الطُّهْرِ وَعَدَمُ نُقْصَانِهِ عَنْ الْأَقَلِّ، وَأَمَّا زِيَادَتُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ بَعْدَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فَالزَّائِدُ فِيهِ اسْتِحَاضَةٌ
فَالِامْتِدَادُ الْخَاصُّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ مُعَرَّفٌ لَهُ بِالضَّرُورَةِ، وَعَدَمُ الصِّغَرِ يُعْرَفُ بِتَقْدِيرِ أَدْنَى مُدَّةٍ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ سِتٌّ وَقِيلَ سَبْعٌ وَقِيلَ تِسْعٌ وَقِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَالْمُخْتَارُ تِسْعٌ، وَأَلْوَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ التُّرَابِيَّةِ وَالْخُضْرَةِ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا مِنْ أَلْوَانِهِ فِي سِنِّ الْحَيْضِ. وَأَمَّا فِي سِنِّ
[ ١٦٠ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ إقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. قُلْنَا هَذَا نَقْصٌ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا،
الْإِيَاسِ.
فَفِي الْفَتَاوَى بِنْتُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ تَرَى صُفْرَةً غَيْرَ خَالِصَةٍ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَرَى مِثْلُ لَوْنِ التِّبْنِ فَحَيْضٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مِنْ أَيَّامِهَا شَيْئًا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ: وَإِنْ كَانَ دُونَ التِّبْنِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، إلَّا إذَا رَأَتْهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَلَيْسَ بِصُفْرَةٍ خَالِصَةٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِفَسَادِ الرَّحِمِ وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الصَّوْمِ وَالْقُرْبَانِ وَمَا شُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ، وَيَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ بِالْبُرُوزِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَوَضَّأَتْ وَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ ثُمَّ أَحَسَّتْ بِنُزُولِ الدَّمِ إلَيْهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ رَفَعَتْهُ بَعْدَهُ تَقْضِي الصَّوْمَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا: يَعْنِي إذَا لَمْ يُحَاذِ حَرْفَ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ، فَإِنْ حَاذَتْهُ الْبَلَّةُ مِنْ الْكُرْسُفِ كَانَ حَيْضًا وَنِفَاسًا اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْحَدَثُ بِالْبَوْلِ وَالِاحْتِشَاءُ حَالَةَ الْحَيْضِ يُسَنُّ لِلثَّيِّبِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْبِكْرِ، وَحَالَةُ الطُّهْرِ يُسْتَحَبُّ لِلثَّيِّبِ فَقَطْ، وَلَوْ وَضَعَتْهُ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَتْ رَأَتْ الطُّهْرَ تَقْضِي الْعِشَاءَ، فَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَرَأَتْ الْبَلَّةَ حِينَ أَصْبَحَتْ تَقْضِيهَا أَيْضًا إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْهَا قَبْلَ الْوَضْعِ إنْزَالًا لَهَا طَاهِرَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ حِينِ وَضَعَتْهُ وَحَائِضًا فِي الثَّانِيَةِ حِينَ رَفَعَتْهُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا.
وَأَدْنَى مُدَّةً يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَإِذَا حَكَمَ بِهِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ انْتَقَضَ ذَلِكَ. قَالَ الصَّدْرُ حُسَامُ الدِّينِ: هَذَا إذَا كَانَ دَمًا خَالِصًا، ثُمَّ إنَّمَا يَنْتَفِضُ بِهِ الْإِيَاسُ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ حَتَّى لَا تَفْسُدَ الْأَنْكِحَةُ الْمُبَاشِرَةُ قَبْلَ الْمُعَاوِدَةُ إنْ كَانَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ بَلْ صُفْرَةٌ أَوْ خُضْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ لَا يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ بِالْإِيَاسِ، وَإِذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ دَمًا فِي سِنٍّ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيهِ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ بُخَارَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَتْرُكُ حَتَّى يَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَتَجْلِسُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ كَيْ لَا تَنْسَى الْعَادَةَ. (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ الثَّلَاثُ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: عَبْدُ الْمَلِكِ مَجْهُولٌ، وَالْعَلَاءُ بْنُ كَثِيرٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ «الْحَيْضُ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ وَخَمْسٌ وَسِتٌّ وَسَبْعٌ وَثَمَانٍ وَتِسْعٌ وَعَشْرٌ، فَإِذَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ» وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ هَارُونَ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ
[ ١٦١ ]
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ الزَّائِدُ وَالنَّاقِصُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ
(وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ) حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا
«الْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسَةٌ وَسِتَّةٌ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعَةٌ وَعَشْرَةٌ، فَإِذَا جَاوَزَتْ الْعَشَرَةَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ» وَأَعَلَّهُ بِالْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِالْجَلَدِ بْنِ أَيُّوبَ. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْحَسَنِ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا جَاوَزَ الْحَدَّ فِي النَّكَارَةِ وَهُوَ إلَى الضَّعْفِ أَقْرَبُ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: هِيَ حَائِضٌ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَشَرَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَرَوَى أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُسْتَحَاضَةً فِي يَوْمِ وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ عَشَرَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ قَالَ: الْحَائِضُ إذَا جَاوَزَتْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. وَعُثْمَانُ هَذَا صَحَابِيٌّ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَخْرَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَامِي قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْحَيْضُ ثَلَاثَ عَشَرَ وَأَسْنَدَ مِثْلَهُ عَنْ سُفْيَانَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْهُ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ» وَضَعَّفَهُ بِجَهَالَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَضَعَّفَ مُحَمَّدًا بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَنَسٍ. وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْهُ ﷺ «لَا حَيْضَ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا حَيْضَ فَوْقَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ» الْحَدِيثَ، وَضَعَّفَهُ بِمُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ الشَّامِيِّ رَمَوْهُ بِالْوَضْعِ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ مُعَاذٍ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ طُولٍ وَأَعَلَّهُ بِجَهَالَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ بِالنَّقْلِ.
وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ عَنْ الْخُدْرِيِّ عَنْهُ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ، وَأَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» وَضَعَّفَهُ بِسُلَيْمَانَ الْمَكْنِيِّ أَبَا دَاوُد النَّخَعِيّ. فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَدِّدَةُ الطُّرُقِ، وَذَلِكَ يَرْفَعُ الضَّعِيفَ إلَى الْحَسَنِ وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لَا تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، فَالْمَوْقُوفُ فِيمَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ، بَلْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِكَثْرَةِ مَا رَوَى فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّاوِي الضَّعِيفُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ أَصْلٌ
[ ١٦٢ ]
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إلَّا بَعْدَ الدَّمِ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الْكَدِرِ عَنْ الصَّافِي. وَلَهُمَا مَا رَوَى أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضًا وَهَذَا لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا
فِي الشَّرْعِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ نَعْلَمْ فِيهِ حَدِيثًا حَسَنًا وَلَا ضَعِيفًا، وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِيهِ بِمَا رَوَوْهُ عَنْهُ ﷺ قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» وَهُوَ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا نَذْكُرُ، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَالْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ: بَيَاضٌ يَمْتَدُّ كَالْخَيْطِ. وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ إنَّ مِنْ خَاصِّيَّةِ الطَّبِيعَةِ دَفْعَ الْكَدْرِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ عَقِيبَ الصَّافِي لَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يُجَابُ بِأَنَّهَا إذَا خَرَجَتْ بَعْدَ الصَّافِي يَكُونُ حَيْضًا بِنَاءً عَلَى الْحُكْمِ بِأَنَّهَا حَدَثَتْ الْآنَ لَا أَنَّهَا كَانَتْ مُتَحَصِّلَةً فِي الرَّحِمِ مِنْ ابْتِدَاءِ رُؤْيَةِ الْحَيْضِ وَإِلَّا لَخَرَجَتْ قَبْلَ هَذَا. وَمُقْتَضَى هَذَا الْمَرْوِيِّ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْقِطَاعِ دُونَ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ لَا تَجِبُ مَعَهُ أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَأْتِي كُلُّهُ بِلَفْظِ الِانْقِطَاعِ حَيْثُ يَقُولُونَ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَكَذَا وَإِذَا انْقَطَعَ فَكَذَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْقِطَاعٌ بِجَفَافٍ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ ثُمَّ تَرَى الْقَصَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَايَةُ الْقَصَّةَ لَمْ تَجِبْ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَنْ سَائِرِ الْأَلْوَانِ وَجَبَتْ، وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِهِمْ وَعِبَارَتِهِمْ فِي إعْطَاءِ الْأَحْكَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَأَيْت فِي الْمَرْوِيِّ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَيْطَةَ مَوْلَاةِ عُمْرَةَ عَنْ عُمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ:
[ ١٦٣ ]
وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَيَخْرُجُ الْكَدْرُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ إذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ تَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ تُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَلَا تَكُونُ حَيْضًا
(وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ)
إذَا أَدْخَلَتْ إحْدَاكُنَّ الْكُرْسُفَةَ فَخَرَجَتْ مُتَغَيِّرَةً فَلَا تُصَلِّي حَتَّى لَا تَرَى شَيْئًا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَايَةَ الِانْقِطَاعُ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَيَاضِ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ، فَلَوْ رَأَتْهُ أَبْيَضَ خَالِصًا إلَّا أَنَّهُ إذَا يَبِسَ اصْفَرَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ، أَوْ أَصْفَر وَلَوْ يَبِسَ ابْيَضَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصُّفْرَةِ (قَوْلُهُ فَالصَّحِيحُ إلَخْ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَكَلْت فَصِيلًا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِكَوْنِهِ حَيْضًا (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ) يَعْنِي الْآيِسَةَ، وَكَوْنُهَا لَا تَرَى غَيْرَهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي نَفْيِ كَوْنِ مَا تَرَاهُ حَيْضًا أَنْ لَا تَرَى الدَّمَ الْخَالِصَ
(قَوْلُهُ وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ) يُفِيدُ ظَاهِرًا عَدَمَ تَعَلُّقِ أَصْلِ الْوُجُوبِ بِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ يَسْتَتْبِعُ فَائِدَتَهُ، وَهِيَ إمَّا الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ رَفْعِهِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ لِتَضَاعُفِ الصَّلَاةِ خُصُوصًا فِيمَنْ عَادَتُهَا أَكْثَرُ، فَانْتَفَى الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ لَا لِعَدَمِ
[ ١٦٤ ]
لِقَوْلِ «عَائِشَةَ ﵂: كَانَتْ إحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ»، وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا لِتَضَاعُفِهَا وَلَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ
(وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا الْجُنُبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ
أَهْلِيَّتِهَا لِلْخَطَّابِ وَلِذَا تَعَلَّقَ بِهَا خِطَابُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ، إذْ غَايَةُ مَا تَقْضِي فِي السَّنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (قَوْلُهُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ) لَفْظُ الْحَدِيثِ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ «سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِيَ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنَّنِي أَسْأَلُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ) عَنْ أَفْلَتَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ بِزِيَادَةٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: ضَعِّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالُوا: أَفْلَتُ مَجْهُولٌ. قَالَ الْمُنْذَرِي: فِيمَا حَكَاهُ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ الْعَامِرِيُّ وَيُقَالُ الذُّهْلِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو حَسَّانٍ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ، وَحَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَسْرَةَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: صَالِحٌ، وَقَالَ الْعَجِلِي فِي جَسْرَةَ: تَابِعِيَّةٌ ثِقَةٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَهَا عَجَائِبُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: رَأَيْت فِي كِتَابِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ لِابْنِ الْقَطَّانِ الْمَقْرُوءُ عَلَيْهِ دِجَاجَةً بِكَسْرِ الدَّالِ وَعَلَيْهِ صَحَّ، وَكَتَبَ النَّاسُ فِي الْحَاشِيَةِ بِكَسْرِ الدَّالِ بِخِلَافِ وَاحِدَةِ الدَّجَاجِ اهـ
(قَوْلُهُ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ) فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولُ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا بِنَاءً
[ ١٦٥ ]
(وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ
(وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
عَلَى إرَادَةِ مَكَانِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ أَوْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ الظَّاهِرِ إلَّا تَوَهُّمُ لُزُومِ جَوَازِ الصَّلَاةِ جُنُبًا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَنْعِ الْمُغْيَا بِالِاغْتِسَالِ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُهَا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ: أَيْ مُسَافِرًا بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ مُؤَدَّى التَّرْكِيبِ لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا حَالَ عُبُورِ السَّبِيلِ فَلَكُمْ أَنْ تَقْرَبُوهَا بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَبِالتَّيَمُّمِ يَصْدُقُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ. نَعَمْ يَقْتَضِي ظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ إطْلَاقُ الْقُرْبَانِ حَالَ الْعُبُورِ، لَكِنْ يَثْبُتُ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ فِيهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ، وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ دَلِيلُهُمَا عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ ظَاهِرًا. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ خَصَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ مِنْ مَنْعِهَا كَمَا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فِي الْمَرِيضِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَخْصِيصِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يَتَيَمَّمَ الْمَرِيضُ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَهَذَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ فِي الْمِصْرِ جَازَ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ. فَإِنْ قِيلَ: فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثُ وَأَنْتُمْ تَأْبَوْنَهُ. قُلْنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُحَصَّلَهَا لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَاقْرَبُوهَا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ، لَا أَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ بَلْ بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ، فَالرَّفْعُ وَعَدَمُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ثُمَّ اُسْتُفِيدَ كَوْنُهُ رَافِعًا مِنْ خَارِجٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ
(قَوْلُهُ وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَحْرُمُ، وَلَوْ فَعَلَتْهُ الْحَائِضُ كَانَتْ عَاصِيَةً مُعَاقَبَةً وَتَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ إحْرَامِهَا لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ كَطَوَافِ الْجُنُبِ، هَذَا وَالْأَوْلَى عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ جُنُبًا لَيْسَ مَنْظُورًا فِيهِ إلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِالذَّاتِ، بَلْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَسْجِدٍ حَرُمَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ
(قَوْلُهُ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) وَلَوْ أَتَاهَا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ أَوْ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَتَى كَبِيرَةً وَوَجَبَتْ التَّوْبَةُ وَيَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِهِ اسْتِحْبَابًا، وَقِيلَ بِدِينَارٍ إنْ كَانَ أَوَّلَ الْحَيْضِ وَبِنِصْفِهِ إنْ وَطِئَ فِي آخِرِهِ كَأَنَّ قَائِلَهُ رَأَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَكَذَا هَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَتْ حِضْت فَكَذَّبَهَا لِأَنَّ تَكْذِيبَهُ لَا يَعْمَلُ بَلْ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِإِخْبَارِهَا، وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَمَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ لَا يَحْرُمُ مَا سِوَى الْفَرْجِ لِمَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلْتِ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ
[ ١٦٦ ]
(وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي الْحَائِضِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الْآيَةِ
شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ. وَفِي رِوَايَةٍ إلَّا الْجِمَاعَ» وَلِلْجَمَاعَةِ مَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا أَوْ صَحِيحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ حَسَّنَهُ لَكِنَّ شَارِحَهُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَهُوَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ رِجَالِ سَنَدِهِ فَثَبَتَ كَوْنُهُ صَحِيحًا، وَحِينَئِذٍ يُعَارِضُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ خُصُوصًا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُسْلِمًا يُخْرِجُ عَمَّنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ غَوَائِلِ الْجُرْحِ، وَإِذَنْ فَالتَّرْجِيحُ لَهُ لِأَنَّهُ مَانِعٌ وَذَاكَ مُبِيحٌ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ السُّرُوجِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ أَحَادِيثَنَا مَفْهُومٌ لَا يُعَارِضُ مَنْطُوقَهُمْ فَغَلَطٌ، لِأَنَّ كَوْنَهَا مَنْطُوقًا فِي الْمُدَّعِي أَوْ مَفْهُومًا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْمُدَّعِي كَيْفَ هُوَ، فَإِنْ جَعَلَتْ الدَّعْوَى قَوْلَنَا جَمِيعَ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ كَانَتْ أَحَادِيثُنَا مَنْطُوقًا: أَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» جَوَابًا عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ: مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي الْحَائِضِ؟، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: جَمِيعَ مَا يَحِلُّ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، لِأَنَّ مَعْنَى السُّؤَالِ جَمِيعُ مَا يَحِلُّ لِي مَا هُوَ فَيُطَابِقُ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَإِنْ جُعِلَتْ الدَّعْوَى لَا يَحِلُّ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَقَالُوا يَحِلُّ إلَّا مَحَلَّ الدَّمِ كَانَتْ مَفْهُومًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِاعْتِبَارَيْنِ فِي الدَّعْوَى صَحِيحٌ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَفْهُومِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي أَحَادِيثِنَا وَلَا الْمَنْطُوقِيَّةَ،
ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ أَقْوَى مِنْ الْمَنْطُوقِ لِأَنَّ زِيَادَةَ قُوَّةِ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْمَفْهُومِ لَيْسَ إلَّا لِزِيَادَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى لِلُزُومِهِ لَهُ وَهَذَا الْمَفْهُومُ وَهُوَ انْتِفَاءُ حِلِّ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ مُطْلَقًا، لِمَا كَانَ ثَابِتًا لِوُجُوبِ مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ السُّؤَالَ لِدَلَالَةِ خِلَافِهَا عَلَى نُقْصَانٍ فِي الْغَرِيزَةِ أَوْ الْعَجْزِ أَوْ الْخَيْطِ كَانَ ثُبُوتُهُ وَاجِبًا مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا وَلَا تَبْدِيلًا لِهَذَا الْعَارِضِ، وَالْمَنْطُوقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْطُوقٌ يَقْبَلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ التَّرْجِيحُ فِي خُصُوصِ الْمَادَّةِ بِالْمَنْطُوقِيَّة وَلَا الْمَرْجُوحِيَّةِ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، وَقَدْ «كَانَ فِعْلُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ لَا يُبَاشِرُ إحْدَاهُنَّ وَهِيَ حَائِضٌ حَتَّى يَأْمُرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْجِمَاعِ عَيْنًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَثْبُتَ حُرْمَةٌ أُخْرَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ ذَاكَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ فَيَقَعُ مَوْقِعُ الْمُعَارِضِ فِي بَعْضِ مُتَنَاوِلَاتِهِ لَا شَرْعَ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْجِمَاعُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِتَنَاوُلِهِ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا أَعْنِي الْجِمَاعَ وَغَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، ثُمَّ يَظْهَرُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالْحَدِيثِ الْمُفِيدِ لِحِلِّ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيُبْقِي مَا بَيْنَهُمَا دَاخِلًا فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ لِمَا بَيَّنَّا
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ»)
[ ١٦٧ ]
فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الطَّحَاوِيِّ فِي إبَاحَتِهِ
(وَلَيْسَ لَهُمْ مَسُّ الْمُصْحَفِ إلَّا بِغِلَافِهِ، وَلَا أَخْذُ دِرْهَمٍ فِيهِ سُورَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا بِصُرَّتِهِ وَكَذَا الْمُحْدِثُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا بِغِلَافِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» ثُمَّ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ حَلَّا الْيَدَ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الْمَسِّ وَالْجَنَابَةُ حَلَّتْ الْفَمُ دُونَ الْحَدَثِ فَيَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
وَفِي سُنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عَلِيٍّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ، أَوْ قَالَ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ عَقْلُهُ وَحَدِيثُهُ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا بَعْدَ كِبَرِهِ قَالَهُ شُعْبَةُ، لَكِنْ قَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: وَلَمْ يَحْتَجَّا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ،
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ لِلْجُنُبِ، وَقَالَ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الطَّحَاوِيِّ فِي إبَاحَتِهِ مَا دُونَ آيَةٍ) ذَكَرَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدُ أَنَّهُ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ لَا يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا، قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ كَمَا قَالَ ﷺ «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ» فَكَمَا لَا يُعَدُّ قَارِئًا بِمَا دُونَ الْآيَةِ حَتَّى لَا تَصِحَّ بِهَا الصَّلَاةُ كَذَا لَا يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَقَالُوا: إذَا حَاضَتْ الْمُعَلِّمَةُ تُعَلِّمُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ نِصْفُ آيَةٍ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ فِي عَدِّ حُرُمَاتِ الْحَيْضِ وَحُرْمَةِ الْقُرْآنِ إلَّا إذَا كَانَتْ آيَةً قَصِيرَةً تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ ثُمَّ نَظَرَ وَلَمْ يُولَدْ أَمَّا قِرَاءَةُ مَا دُونَ الْآيَةِ نَحْوَ (بِسْمِ اللَّهِ) وَ(الْحَمْدُ لِلَّهِ) إنْ كَانَتْ قَاصِدَةً قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَاصِدَةً شُكْرَ النِّعْمَةِ وَالثَّنَاءِ لَا يُكْرَهُ، وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجِّي وَقِرَاءَةُ الْقُنُوتِ انْتَهَى وَغَيْرُهُ لَمْ يُقَيَّدْ عِنْدَ قَصْدِ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ بِمَا دُونَ الْآيَةِ، فَصَرَّحَ بِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ، وَيُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ دُعَاءِ الْوَتْرِ لِأَنَّ أُبَيًّا ﵁ يَجْعَلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ سُورَتَيْنِ: مِنْ أَوَّلِهِ إلَى اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ سُورَةً، وَمِنْ هُنَا إلَى آخِرِهِ أُخْرَى، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا يُكْرَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الذِّكْرِ فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأَذَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَذَانِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ
(قَوْلُهُ لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ) هُوَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْيَمَنِ، وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْجَنَابَةُ حَلَّتْ الْيَدَ إلَخْ) يُفِيدُ جَوَازُ نَظَرِ الْجُنُبِ لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ الْعَيْنُ وَلِذَا لَا يَجِبُ غَسْلُهَا، وَأَمَّا مَسُّ مَا فِيهِ ذِكْرٌ فَأَطْلَقَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ
[ ١٦٨ ]
وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ دُونَ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرَزِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ لِأَهْلِهَا حَيْثُ يُرَخَّصُ فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ لِأَنَّ فِي الْمَنْعِ تَضْيِيعَ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بِهِمْ
وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ) أَيْ مُنْفَصِلًا وَهُوَ الْخَرِيطَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ هُوَ الْجِلْدُ أَوْ الْكُمُّ لِأَنَّ الْجِلْدَ الْمُلْصَقَ تَابِعٌ لَهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَمْسُهُ حُكْمُ مَسِّهِ وَالْكُمُّ تَابِعٌ لِلْمَاسِّ فَالْمَسُّ بِهِ كَالْمَسِّ بِيَدِهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنْ يَمَسَّا الْمُصْحَفَ بِكُمِّهِمَا أَوْ بِبَعْضِ ثِيَابِهِمَا لِأَنَّ الثِّيَابَ بِمَنْزِلَةِ يَدَيْهِمَا، أَلَا تَرَى لَوْ قَامَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ فَرَشَ نَعْلَيْهِ أَوْ جَوْرَبَيْهِ وَقَامَ عَلَيْهِمَا جَازَتْ، وَخِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمَكْرُوهُ مِنْ الْكِتَابَةِ لَا مَوْضِعَ الْبَيَاضِ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ يُكْرَهُ كِتَابَةُ كِتَابٍ فِيهِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ بِالْقَلَمِ وَهُوَ فِي يَدِهِ.
وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ لَا يُكْتَبُ وَإِنْ كَانَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَوْ كَانَ مَا دُونَ الْآيَةِ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ إذَا كَانَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى الْأَرْضِ، فَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ أَقْيَسُ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ كَانَ مَسُّهَا بِالْقَلَمِ وَهُوَ وَاسِطَةٌ مُنْفَصِلَةٌ فَكَانَ كَثَوْبٍ مُنْفَصِلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَمَسُّهُ بِيَدِهِ. وَقَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ: هَلْ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِمِنْدِيلٍ هُوَ لَابِسُهُ عَلَى عُنُقِهِ؟ قُلْت: لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ كَبَدَنِهِ دُونَ الثَّانِي، قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ عِمَامَةً بِطَرَفِهَا نَجَاسَةً مَانِعَةً: إنْ كَانَ أَلْقَاهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. [فُرُوعٌ]
تُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ وَمَا يُفْرَشُ، وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمَخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْس فِي الْحَمَّامِ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَتْ رُقْيَةٌ فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ عَنْهُ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِهِ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ حَيْثُ يُرَخَّصُ فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ) يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرَخَّصُ بِلَا كُمٍّ، قَالُوا يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مِنْ شُرُوحِ النَّحْوِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ) وَاللَّوْحِ وَإِنْ كَانُوا مُحْدِثِينَ لَا يَأْثَمُ
[ ١٦٩ ]
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) لِأَنَّ الدَّمَ
الْمُكَلَّفُ الدَّافِعُ كَمَا يَأْثَمُ بِإِلْبَاسِ الصَّغِيرِ الْحَرِيرَ وَسَقْيِهِ الْخَمْرَ وَتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ لِلضَّرُورَةِ فِي هَذَا الدَّفْعِ فَإِنَّ فِي أَمْرِهِمْ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بَيِّنًا لِطُولِ مَسِّهِمْ بِطُولِ الدَّرْسِ، خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ تَعْلِيمَهُمْ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَعَنْهُ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ
(قَوْلُهُ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ) حَاصِلُهُ إمَّا أَنْ يُقْطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ، أَوْ دُونَهَا لِتَمَامِ الْعَادَةِ، أَوْ دُونَهَا. فَفِي الْأَوَّلِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ، وَفِي الثَّالِثِ لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا، وَفِي الثَّانِي إنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ يَعْنِي خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ حَتَّى صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا حَلَّ وَإِلَّا لَا، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ انْقِطَاعُ النِّفَاسِ إنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ فِيهَا فَانْقَطَعَ دُونَهَا لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَمْضِي عَادَتَهَا بِالشَّرْطِ، أَوْ لِتَمَامِهَا حَلَّ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ، أَوْ لِتَمَامِ الْأَرْبَعِينَ حَلَّ مُطْلَقًا. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ يَطْهُرْنَ يَطَّهَّرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَمُؤَدَّى الْأُولَى انْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ الْعَارِضَةِ عَلَى الْحِلِّ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا، وَإِذَا انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ عَلَى الْحِلِّ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ.
وَمُؤَدَّى الثَّانِيَةِ عَدَمُ انْتِهَائِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ. فَحَمْلنَا الْأُولَى عَلَى الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَيْهِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَنَّ فِي تَوْقِيفِ قُرْبَانِهَا فِي الِانْقِطَاعِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْغُسْلِ إنْزَالَهَا حَائِضًا حُكْمًا وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمِ إنْزَالُهُ إيَّاهَا طَاهِرَةً قَطْعًا، بِخِلَافِ تَمَامِ الْعَادَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الْحَيْضُ بَعْدَهُ، وَلِذَا لَوْ زَادَتْ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا نُحَقِّقُهُ. بَقِيَ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَرَفْعُ الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ خَصَّ مِنْهَا صُورَةُ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَجَازَ أَنْ تَخُصَّ ثَانِيًا بِالْمَعْنَى، وَعَلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِأَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعُ آخِرًا: أَعْنِي أَنْ تَطْهُرَ فِي وَقْتٍ مِنْهُ إلَى خُرُوجِهِ قَدْرَ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمِ لَا أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَمِنْ أَنْ تَطْهُرَ فِي أَوَّلِهِ وَيَمْضِي مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارَ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْزِلُهَا طَاهِرَةً شَرْعًا كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يُغْلِظُ فِيهِ: أَيْ يَرَى أَنَّ تَعْلِيلَهُمْ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ لَفْظَةَ أَدْنَى.
وَعِبَارَةُ الْكَافِي أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِمُضِيِّ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ بِقَدْرِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ بِأَنْ انْقَطَعَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَجْهُ الثَّالِثِ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ غَيْرَ أَنَّهُ خِلَافُ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْغُسْلِ الثَّابِتِ بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: مُسَافِرَةٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ وَجَدَتْ مَاءً جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا لَكِنْ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ لِأَنَّهَا لَمَّا تَيَمَّمَتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ، فَلَمَّا وَجَدَتْ الْمَاءَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ كَالْجُنُبِ هَذَا فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ أَمَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ: فَفِي الْخُلَاصَةِ: إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حِينَ تَخَافُ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةُ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ، وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي، وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجْتَنِبُهَا احْتِيَاطًا انْتَهَى. وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ
[ ١٧٠ ]
يَدِرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ (وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةُ حَلَّ وَطْؤُهَا) لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا.
(وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ) لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ (وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ
انْقِضَاءِ الْعَادَةِ أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ وَإِنْ زَادَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ عَلَى الْعَادَةِ. وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ هَذَا. وَقَدْ قَدَّمْت مَا عِنْدِي مِنْ التَّرَدُّدِ فِي الِانْقِطَاعِ بِدُونِ الْقَصَّةِ ثُمَّ التَّأْخِيرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لِمَا دُونَ الْعَادَةِ وَاجِبٌ، فَلَوْ انْقَطَعَ لِتَمَامِهَا تَغْتَسِلُ أَيْضًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَكِنْ هَذَا التَّأْخِيرَ اسْتِحْبَابٌ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَلَا تَنْتَظِرُ تَمَامَ الْعَشَرَةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَكَذَا إذَا كَانَ هَذَا أَوَّلُ مَا رَأَتْ وَانْقَطَعَ الْحَيْضُ عَلَى خَمْسَةٍ وَالنِّفَاسُ عَلَى عِشْرِينَ وَاغْتَسَلَتْ تَثْبُتُ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ وَإِنْ كَانَ تَمَامَ عَادَتِهَا، بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَاقِي قَدْرَ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ: إنْ كَانَ أَيَّامُهَا عَشَرَةً فَطَهُرَتْ وَبَقِيَ قَدْرُ مَا تَتَحَرَّمُ لَزِمَهَا الْفَرْضُ وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ الِاغْتِسَالِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ وَقَدْ بَقِيَ مَا لَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةُ لَا يَلْزَمُهَا، وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ سَقَطَتْ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بَعْدَ مَا افْتَتَحَتْ الْفَرْضَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَرَأَ وَهِيَ فِي التَّطَوُّعِ حَيْثُ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ، هَذَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا. وَعِنْدَ زُفَرَ إذَا طَرَأَ وَالْبَاقِي قَدْرُ الصَّلَاةِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ وَجَبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّبَبِيَّةَ تَنْتَقِلُ عِنْدَنَا إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي مِنْهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مِقْدَارَ الْأَدَاءِ فَيُعْتَبَرُ عِنْدَنَا حَالُ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ آخِرِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْجُزْءُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِالْأَدَاءِ،
[ ١٧١ ]
إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ
قَالَ (وَالطُّهْرُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ هُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يُفْصَلُ، وَهُوَ كُلُّهُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ،
فَإِذَا وُجِدَ وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَجَبَتْ، وَبَعْدَ الْوُجُوبِ لَا تَسْقُطُ بِعُرُوضِ الْحَيْضِ فَتَقْضِيهَا، وَإِذَا وُجِدَ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ تَجِبْ، وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ بِآخِرِ الْوَقْتِ لَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ بِاحْتِلَامٍ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ الْعِشَاءِ وَإِنْ كَانَ صَلَّاهَا قَبْلَ النَّوْمِ وَهِيَ وَاقِعَةُ مُحَمَّدٍ سَأَلَهَا أَبَا حَنِيفَةَ فَأَجَابَهُ بِهَذَا وَقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَالِاتِّفَاقُ أَنَّهُ إذَا اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ تَلْزَمُهُ الْعِشَاءُ
(قَوْلُهُ وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) هِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَمُقْتَضَاهَا أَنْ لَا يَبْدَأَ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِهِ وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَرَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ فِي الْعَشْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ وَبِهِ أَخَذَ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يُفْصَلُ. وَقِيلَ هُوَ آخِرُ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ افْتِتَاحِ الْحَيْضِ وَاخْتِتَامُهُ بِالطُّهْرِ وَلَا بُدَّ مِنْ احْتِوَاشِ الدَّمِ بِالطَّرَفَيْنِ، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا كَانَتْ الْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضًا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِهِ، وَلَوْ رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَ عَادَتُهَا الْعَشَرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ رَدَّتْ إلَى أَيَّامِهَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ إنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ لَا يُفْصَلُ فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فَكَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِلْحُرُمَاتِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فُصِلَ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ
[ ١٧٢ ]
وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْسَرُ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ
وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا لِكَوْنِ الطُّهْرِ حِينَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ الدَّمَيْنِ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ لَا الثَّانِي، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يَبْدَأَ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ طُهْرَانِ مُعْتَبَرَانِ وَصَارَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لِاسْتِوَاءِ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ حَتَّى صَارَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي، فَقِيلَ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الطَّرَفِ الْأَخِيرِ حَتَّى يَصِيرَ الْكُلُّ حَيْضًا، وَقِيلَ لَا يَتَعَدَّى. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: هُوَ الْأَصَحُّ. مِثَالُهُ: رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَعَلَى الْأَوَّلِ الْكُلُّ حَيْضٌ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْأَوَّلَ دَمٌ لِاسْتِوَائِهِ بِدَمَيْهِ فَكَأَنَّهَا رَأَتْ سِتَّةً دَمًا وَأَرْبَعَةً طُهْرًا، وَعَلَى الثَّانِي السِّتَّةُ الْأُولَى حَيْضٌ فَقَطْ.
[فَرْعٌ]
عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعَشَرَةُ الْأُوَلُ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتَهَا، أَوْ مُبْتَدَأَةً لِأَنَّ الْحَيْضَ يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَعَادَتُهَا فَقَطْ لِمُجَاوَزَةِ الدَّمِ الْعَشَرَةَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ فَقَطْ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُ الْعَشَرَةِ حَيْضًا لِاخْتِتَامِهَا بِالطُّهْرِ وَتَعَذَّرَ جَعْلُ مَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي حَيْضًا لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِيهِ لِلطُّهْرِ فَطَرَحْنَا الدَّمَ الْأَوَّلَ، وَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ يَبْقَى بَعْدَهُ يَوْمٌ دَمٌ وَيَوْمَانِ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ وَالطُّهْرُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَجَعَلْنَا الْأَرْبَعَةُ حَيْضًا. وَعِنْدَ زُفَرَ: الثَّمَانِيَةُ حَيْضٌ لِاشْتِرَاطِهِ كَوْنَ الدَّمِ ثَلَاثَةَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَا يُخْتَمُ عِنْدَهُ بِالطُّهْرِ وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعَةٌ دَمًا، وَكَذَلِكَ هُوَ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِخُرُوجِ الدَّمِ الثَّانِي عَنْ الْعَشَرَةِ.
[ ١٧٣ ]
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا تَوْقِيفًا (وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِتَقْدِيرٍ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ،
فَرْعٌ آخَرُ]
عَادَتُهَا عَشَرَةٌ فَرَأَتْ ثَلَاثَةً وَطَهُرَتْ سِتَّةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُتَوَهِّمَ بَعْدَهُ مِنْ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَالسِّتَّةُ أَغْلَبُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَيُجْعَلُ الدَّمُ الْأَوَّلُ فَقَطْ حَيْضًا، بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ كَانَتْ طَهُرَتْ خَمْسَةً وَعَادَتُهَا تِسْعَةً، اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، قِيلَ لَا يُبَاحُ قُرْبَانُهَا لِاحْتِمَالِ الدَّمِ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَقِيلَ يُبَاحُ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْيَوْمَ الزَّائِدَ مَوْهُومٌ لِأَنَّهُ خَارِجُ الْعَادَةِ، وَفِي نَظْمِ ابْنِ وَهْبَانَ إفَادَةٌ أَنَّ الْمُجِيزَ لِلْقُرْبَانِ يَكْرَهُهُ (قَوْلُهُ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَعَزَّاهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ إلَى الْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قِيلَ وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ فَكَانَ كَمُدَّةِ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ سَنَةً وَسَنَتَيْنِ) وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ
[ ١٧٤ ]
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ
إمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَإِمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ بِرُؤْيَةِ عَشَرَةٍ مَثَلًا دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ أَوْ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَادَةٍ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَأَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَدَوْرَهَا، أَمَّا الْأُولَى فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشْرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيه طُهْرٌ فَشَهْرٌ عِشْرُونَ وَشَهْرٌ تِسْعَةَ عَشَرَ وَهِيَ الَّتِي سَتَأْتِي، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ: حَيْضُهَا مَا رَأَتْ وَطُهْرُهَا مَا رَأَتْ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِهِ لِلطَّلَاقِ أَوَّلَ الطُّهْرِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ إلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَضْبُوطًا فَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِيرُ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ كَوْنِ حِسَابِهِ يُوجِبُ كَوْنُهُ أَوَّلَ الْحَيْضِ فَيَكُونُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَذْكُورِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ آخِرَ الطُّهْرِ فِيهِ يُقَدَّرُ بِسَنَتَيْنِ وَأَحَدٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا فَيَنْبَغِي بِأَنْ تُزَادَ الْعَشَرَةُ إنْزَالًا لَهُ مُطْلَقًا أَوَّلَ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيَجِبُ أَنْ تَتَحَرَّى وَتَمْضِي عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ وَهِيَ الْمُحَيَّرَةُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ تَأْخُذُ بِالْأَحْوَطِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ فَتَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْحَائِضُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْمَسِّ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَقُرْبَانِ الزَّوْجِ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَالْوَتْرَ، وَتَقْرَأُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَقَطْ، وَقِيلَ الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ، وَإِنْ حَجَّتْ تَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَتَطُوفُ لِلصَّدْرِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَقْضِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا
[ ١٧٥ ]
(وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ لِقَوْلِهِ ﵊ «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ الصَّلَاةِ ثَبَتَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَالْوَطْءُ بِنَتِيجَةِ الْإِجْمَاعِ (وَلَوْ) (زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا،
لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَاضَتْ مِنْ أَوَّلِهِ عَشَرَةً وَمِنْ آخِرِهِ خَمْسَةً أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي الْقَضَاءِ عَشَرَةً فَتُسَلِّمُ خَمْسَةَ عَشَر بِيَقِينٍ.
وَهَلْ يُقَدَّر لَهَا طُهْرٌ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهَا طُهْرًا وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا أَبَدًا مِنْهُمْ أَوْ عِصْمَةٌ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَجُوزُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ فَالْمَيْدَانِيُّ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً لِأَنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَلُّ مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ عَادَةً فَنَقَصْنَا عَنْهُ سَاعَةً فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوَّلَ الطُّهْرِ. قِيلَ وَيَنْبَغِي أَنْ تُزَادَ عَشَرَةً لِمِثْلِ مَا قُلْنَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ شَهْرَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي سَهْلٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا لِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ مَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَيْضًا، وَقَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ: سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْغَالِبِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَذَكَرَ بُرْهَانُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ التَّقْدِيرُ بِشَهْرَيْنِ
(قَوْلُهُ تَوَضَّئِي وَصَلِّي إلَخْ) رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ إلَى عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَفِي سَنَدَيْهِمَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ضَعَّفَ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَرَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ الْمُزَنِيّ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ «وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ»
(قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) فَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ اسْتِحَاضَةً وَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْعَشَرَةِ، وَهَلْ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الزِّيَادَةَ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قِيلَ لَا إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ بِكَوْنِهِ حَيْضًا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ نَعَمْ
[ ١٧٦ ]
وَاَلَّذِي زَادَ اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊
اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ وَكَوْنُهُ اسْتِحَاضَةً بِكَوْنِهِ عَنْ دَاءٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الزَّائِدُ الْعَشَرَةَ فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً لَهَا أَوَّلًا إلَّا إنْ رَأَتْ فِي الثَّانِي كَذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى نَقْلِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ أَوْ لَا فَعِنْدَهُمَا لَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَالْخِلَافُ فِي الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ أَوْ أَكْثَرَ لَا الْجَعْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مَا رَأَتْهُ آخِرًا، وَعِنْدَهُمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَصُورَةُ الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ أَنْ تَرَى أَطْهَارًا مُخْتَلِفَةً وَدِمَاءً مُخْتَلِفَةً بِأَنْ رَأَتْ فِي الِابْتِدَاءِ خَمْسَةً دَمًا وَسَبْعَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ أَرْبَعَةً وَسِتَّةَ عَشَرَ ثُمَّ ثَلَاثَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ تَبْنِي عَلَى أَوْسَطِ الْأَعْدَادِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ مُزَاحِمٍ تَبْنِي عَلَى أَقَلِّ الْمَرَّتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ أَرْبَعَةً وَتُصَلِّي سِتَّةَ عَشَرَ وَذَلِكَ دَأْبُهَا، وَعَلَى الثَّانِي تَدَعُ ثَلَاثَةً وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذِهِ عَادَةٌ جَعْلِيَّةٌ لَهَا فِي زَمَانِ الِاسْتِمْرَارِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَعْلِيَّةً لِأَنَّهَا جُعِلَتْ عَادَةً لِلضَّرُورَةِ هَكَذَا فِي الْمُصَفَّى، وَفِي غَيْرِهِ مَعْزُوًّا إلَى الْمَبْسُوطِ: إنْ كَانَ حَيْضُهَا مُخْتَلِفًا مَرَّةً تَحِيضُ خَمْسَةً وَمَرَّةً سَبْعَةً فَاسْتُحِيضَتْ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ، وَتُصَلِّي يَوْمَيْنِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ وَلَوْ كَانَ آخِرَ عِدَّتِهَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ فِيهِمَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهُمَا لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا الْآنَ فَتَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي كُلِّ جَانِبٍ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ خِلَافُ مَا فِي الْمُصَفَّى وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْخُلَاصَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَأْخُذُ بِالْأَقَلِّ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَة وَبِالْأَكْثَرِ فِي التَّزَوُّجِ وَتُعِيدُ الِاغْتِسَالَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ إذَا طَرَأَتْ عَلَى الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ هَلْ تَنْتَقِضُ الْأَصْلِيَّةَ؟ قَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ: لَا لِأَنَّهَا دُونَهَا، وَقَالَ أَئِمَّةُ بُخَارَى. نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَتَكَرَّرَ فِي الْجَعْلِيَّةِ خِلَافَ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِيَّةِ كَمَا أَرَيْتُك فِي صُورَتِهَا، وَالْجَعْلِيَّةُ تُنْتَقَضُ: بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ مَرَّةً بِالِاتِّفَاقِ، هَذَا فِي الِانْتِقَالِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ، وَأَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانِ وَهُوَ فِي الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، فَالْأَوَّلُ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا، وَفِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا، أَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا لَا يَكُونُ وَكَذَا فِيهَا وَإِذَا جُمِعَا كَانَا حَيْضًا، أَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا يَكُونُ وَلَمْ تَرَ فِيهَا شَيْئًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ كَذَلِكَ يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ، وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِيهَا مَا يَكُونُ فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا قَبْلَ أَيَّامِهَا تَبَعٌ لِأَيَّامِهَا الِاسْتِبَاعُ الْكَثِيرُ الْقَلِيلَ، وَقُيِّدَ فِي الْخُلَاصَةِ كَوْنُ الْكُلِّ حَيْضًا بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمَجْمُوعُ الْعَشَرَةَ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِلَّا تَرُدُّ إلَى عَادَتِهَا، وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَهَا مَا يَكُونُ وَفِيهَا كَذَلِكَ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُتَأَخِّرِ غَيْرَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ بَعْدَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا، وَفِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا يَكُونُ حَيْضًا رِوَايَةً وَاحِدَةً كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْكُلِّ يَكُونُ حَيْضًا عَادَةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ الْمَرْئِيِّ بَعْدَ أَيَّامِهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا بِحُكْمِ مَا تَقَدَّمَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَوْ كَانَ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً فَرَأَتْ سَبْعَةً يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا وَكَانَ الْأَوْلَى التَّقْيِيدُ،
[ ١٧٧ ]
«الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
بِأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الْمَرْئِيِّ بَعْدَهَا مَعَهَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ عَادَتَهَا وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَا يَزِيدُ الْكُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ فَعَادَتُهَا فَقَطْ حَيْضٌ، وَمِنْ الرَّدِّ إلَى الْعَادَةِ امْرَأَةٌ قَالَتْ عَادَتِي فِي الْحَيْضِ عَشَرَةٌ وَفِي الطُّهْرِ عِشْرُونَ، وَالْآنَ أَرَى الطُّهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَرَى الدَّمَ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إلَى تَمَامِ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تَتْرُكُ فِي الْعَشَرَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ إذَا رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا وَالْبَاقِي مِنْ أَيَّامِ طُهْرِهَا مَا لَوْ ضَمَّ إلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا لَا يُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، يَصِحُّ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْقَائِلِ بِالْإِبْدَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ مَا قَبْلَ أَيَّامِهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا، فَإِنْ كَانَ فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا (قَوْلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ إلَخْ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ آنِفًا قَالَ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ) مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ، إذْ الْمُقَدَّرُ الْعَادِي كَالْمُقَدَّرِ الشَّرْعِيِّ فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ كَالزَّائِدِ عَلَيْهِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ (قَوْلُهُ فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا أَنَّ حَيْضَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَشَرَةٌ فِي حَقِّ الْوَطْءِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِيهَا الْخُنْثَى إذَا خَرَجَ لَهُ دَمٌ وَمَنِيٌّ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَنِيِّ.
[ ١٧٨ ]